Kahibaro
Discord Login Register

حساب المتجهات

تمهيد إلى حساب المتجهات

حساب المتجهات هو الامتداد الطبيعي لما تعرّفنا عليه في التفاضل والتكامل للكميات القياسية، لكن مطبق على الكميات المتجهة وعلى الحقول التي تتغير من نقطة إلى أخرى في الفضاء. في الميكانيكا الكلاسيكية، سنحتاج لوصف كميات مثل السرعة، التسارع، والقوة، ليس فقط كمتجهات في نقطة واحدة، بل كحقول متجهة تغطي منطقة كاملة من الفضاء. هنا يأتي دور حساب المتجهات.

في هذا الفصل سنبني اللغة الرياضية التي تُمكّننا من التعامل مع هذه الحقول المتجهة، مع التركيز على ما سنحتاجه لاحقًا في دراسة الكهرومغناطيسية، الجاذبية، والميوعات، مع أننا في هذه المادة نركّز بالأساس على الميكانيكا الكلاسيكية للجسيمات والأجسام الصلبة.

الحقول القياسية والحقول المتجهة

في التفاضل والتكامل تعرّفنا على الدوال ذات متغير واحد أو عدة متغيرات، التي تعطي عند كل نقطة قيمة قياسية مثل $T(x, y, z)$ لدرجة الحرارة عند نقطة في الفراغ. هذا مثال على حقل قياسي.

الحقل القياسي هو دالة تربط بكل نقطة في الفضاء عددًا حقيقيًا. يكتب مثلًا
$$
\phi(\vec r) = \phi(x, y, z)
$$
حيث $\vec r$ هو متجه الموضع.

في المقابل، الحقل المتجه هو دالة تربط بكل نقطة في الفضاء متجهًا، مثل حقل السرعة في مائع
$$
\vec v(\vec r) = \vec v(x, y, z)
$$
أو حقل الجاذبية
$$
\vec g(\vec r).
$$

التمييز بين الحقل القياسي والمتجه مهم لأن أدوات حساب المتجهات تختلف بينهما، رغم أن الفكرة العامة واحدة، وهي وصف كيف تتغير الكمية من مكان إلى آخر.

مثال
درجة الحرارة في غرفة قد تُقاس عند كل نقطة وتعطى بدالة $T(x, y, z)$، هذا حقل قياسي.
بينما سرعة الهواء في نفس الغرفة تعبر عنها دالة $\vec v(x, y, z)$، التي تعطي عند كل نقطة متجهًا يحدد اتجاه وحجم حركة الهواء، هذا حقل متجه.

اشتقاق الحقول: من مشتقة إلى تدرّج وتباعد ودوران

في حساب التفاضل للمتغيرات المتعددة، تعرّفنا على المشتقات الجزئية والكلية. في حساب المتجهات نعيد صياغة هذه الأفكار بطريقة موجهة خصيصًا للحقول في الفضاء. الأدوات الأساسية التي سنفصّلها في الفصل الفرعي التالي هي التدرّج والتباعد والدوران، لكن من المفيد هنا أن نفهم الفكرة العامة.

بدل أن نسأل: "كيف تتغير دالة قياسية مع متغير واحد"، نسأل في حساب المتجهات: "كيف يتغير حقل قياسي أو متجه عند الانتقال في اتجاه معيّن في الفضاء". هذا يقود إلى مفاهيم مثل المشتقة الاتجاهية.

المشتقة الاتجاهية

افترض أن لدينا حقلًا قياسيًا $\phi(\vec r)$. المشتقة الاتجاهية في اتجاه متجه وحدة $\hat u$ هي معدل تغير $\phi$ عندما نتحرك في اتجاه $\hat u$، وتكتب عادة
$$
\frac{d\phi}{ds} = \nabla \phi \cdot \hat u
$$
حيث $s$ هو الإزاحة على طول اتجاه $\hat u$، و$\nabla \phi$ هو التدرّج، وسنشرحه بالتفصيل في فصل "التدرّج، التباعد، والدوران".

المهم هنا هو الفكرة: التغير في الفضاء ليس واحدًا، بل يعتمد على الاتجاه الذي نتحرك فيه. في بعض الاتجاهات قد تزداد القيمة، وفي أخرى قد تنقص.

مثال بسيط
تخيل تلًا ارتفاعه يُعطى بدالة $h(x, y)$. إذا تحركت نحو الأعلى في اتجاه قد يكون الميل شديدًا، بينما في اتجاه آخر يكون التغير أكثر لطفًا. المشتقة الاتجاهية تعبر عن "ميل التل" في اتجاه معيّن.

أوبيراتور النابلا $\nabla$

في مركز حساب المتجهات يوجد رمز مهم جدًا يسمى النابلا ويُكتب
$$
\nabla.
$$

في إحداثيات ديكارتية ثلاثية الأبعاد يُعرّف النابلا كالتالي
$$
\nabla = \hat i \frac{\partial}{\partial x} + \hat j \frac{\partial}{\partial y} + \hat k \frac{\partial}{\partial z}.
$$

هذا التعبير ليس متجهًا عاديًا، بل أوبيراتور تفاضلي، أي أنه يكتسب معنى فقط عندما يعمل على دالة أو حقل.

عندما يعمل $\nabla$ على حقل قياسي يعطي حقلًا متجهًا يسمى التدرّج، وعندما يعمل بطريقة معينة على حقل متجه يعطي التباعد أو الدوران. لهذا السبب نستخدم نفس الرمز مع رموز نقطية أو اتجاهية مختلفة، مثل $\nabla \phi$ و$\nabla \cdot \vec A$ و$\nabla \times \vec A$.

قاعدة مهمة
لا تتعامل مع $\nabla$ كمتجه عددي عادي، بل كأوبيراتور تفاضلي. لا معنى لعبارات مثل $\nabla + \vec v$ إذا لم تكن داخل سياق عمله على دالة أو حقل.

الحقول في الميكانيكا

قبل الدخول في تعريفات أكثر تقنية، من المفيد أن نتأمل أين سيظهر حساب المتجهات في الميكانيكا الكلاسيكية نفسها، حتى على مستوى مبتدئ.

في الميكانيكا للجسيمات غالبًا ما نتعامل مع كميات تعتمد على الزمن فقط، مثل $\vec r(t)$ و$\vec v(t)$. لكن بمجرد أن نتحدث عن قوى تنتشر في الفضاء، مثل الجاذبية أو حقل قوة نابض موزع، نحتاج إلى حقل قوة $\vec F(\vec r)$ يمكن تقييمه عند مواضع مختلفة.

إضافة إلى ذلك، في دراسة الجاذبية الكلاسيكية سنعرّف "الجهد الجاذبي" وهو حقل قياسي، يكون التدرّج السالب له مرتبطًا بقوة الجاذبية
$$
\vec g(\vec r) = - \nabla \Phi(\vec r).
$$

هنا يظهر حساب المتجهات بوضوح كحلقة وصل بين الحقل القياسي (الجهد) والحقل المتجه (القوة).

العلاقات بين الحقول القياسية والمتجهة

من الأفكار الجوهرية في حساب المتجهات أن الحقول القياسية والمتجهة ليست كيانات معزولة، بل يمكن الحصول على بعضها من بعض عبر عمليات تفاضلية وتكاملية.

من الأمثلة الأساسية في الميكانيكا والفيزياء عمومًا:

  1. من الجهد إلى القوة
    إذا كان لدينا حقل جهدي قياسي $\Phi(\vec r)$، فإن القوة المحافظة المرتبطة به تعطى غالبًا بصيغة من نوع
    $$
    \vec F(\vec r) = - \nabla \Phi(\vec r).
    $$
  2. من الكثافة إلى الكتلة
    إذا كانت كثافة الكتلة في الفضاء تعطى بحقل قياسي $\rho(\vec r)$، فيمكن الحصول على الكتلة الكلية في حجم ما عبر تكامل حجمي
    $$
    M = \iiint_V \rho(\vec r)\, dV.
    $$
  3. من توزيع قوة إلى محصلة
    إذا كان لدينا حقل قوة متجه $\vec f(\vec r)$ موزع على حجم، يمكن إيجاد القوة المحصلة بتكامل
    $$
    \vec F_{\text{كلية}} = \iiint_V \vec f(\vec r)\, dV.
    $$

هذه الأمثلة تربط بين الحقول والتكاملات المختلفة التي سندرسها في فصل "التكاملات الخطية والسطحية والحجمية".

حساب المتجهات والتكامل

كما أن للتفاضل دورًا في تعريف التدرّج والتباعد والدوران، فإن للتكامل دورًا مكملًا في حساب المتجهات. العلاقة بين الاشتقاق والتكامل تأخذ أشكالًا جديدة أكثر ثراء من حالة متغير واحد.

في حساب المتجهات تظهر نظريات عميقة تربط بين:

تكامل حقل متجه على طول مسار
تكامل سطح لمقدار معيّن على سطح
تكامل حجمي على منطقة في الفضاء

مع التدرّج والتباعد والدوران. من أشهر هذه النظريات ما سيأتي لاحقًا مثل نظرية غاوس ونظرية ستوكس في سياقات أكثر تقدمًا، حتى لو لم ندرسها هنا بالتفصيل.

في تطبيقات الميكانيكا، التكاملات الخطية على طول مسار ترتبط بالشغل الذي تبذله قوة، كما سيظهر في فصل الشغل والطاقة. بينما التكاملات السطحية والحجمية ترتبط بحساب التدفقات عبر سطح، أو محصلة قوى موزعة في حجم.

مثال تمهيدي
إذا تحرك جسيم على مسار $C$ في حقل قوة متجه $\vec F(\vec r)$، فإن الشغل المبذول على طول هذا المسار يرتبط بتكامل خطي من الشكل
$$
W = \int_C \vec F \cdot d\vec r.
$$
هذا مثال نموذجي لتطبيق فكرة من حساب المتجهات في الميكانيكا.

تناظر القوانين الفيزيائية واللغة المتجهية

أحد أسباب قوة حساب المتجهات هو أنه يعبّر عن القوانين الفيزيائية بطريقة لا تعتمد على نظام إحداثيات معيّن. فعندما نكتب قانون نيوتن الثاني بصيغة متجهة
$$
\vec F = m \vec a
$$
فنحن نكتب علاقة صحيحة في أي نظام إحداثيات، ديكارتي أو قطبي أو كروي، بشرط أن نعبّر عن المتجهات بالشكل الملائم لذلك النظام.

حساب المتجهات يوفّر لغة موحدة للتعامل مع هذه الصيغ المتجهة والحقول المرتبطة بها، بحيث تصبح القوانين أقرب إلى "جمل" رياضية مجردة، لا تتغيّر بنيتها عند تبديل الإحداثيات.

تنبيه مفيد
في المسائل العملية، قد يكون اختيار نظام إحداثيات مناسب أهم من التعويض المباشر في القوانين. لغة المتجهات تساعدك أن تنتقل من صيغة عامة لا تعتمد على الإحداثيات، إلى صيغة محسوبة في نظام إحداثيات يسهّل الحساب.

نحو التدرّج والتباعد والدوران

في بقية فصول "حساب المتجهات" سنعرّف بدقة ثلاثة أوبيراتورات أساسية:

التدرّج لحقل قياسي، الذي يعطي حقلًا متجهًا يشير إلى اتجاه أكبر زيادة في قيمة الحقل.

التباعد لحقل متجه، الذي يعطي حقلًا قياسيًا يقيس مقدار "المصدر" أو "الغور" عند نقطة.

الدوران لحقل متجه، الذي يعطي حقلًا متجهًا يقيس مقدار "الدوران الموضعي" للحقل.

هذه الأدوات ستكون أساسية ليس فقط في الميكانيكا، بل في فهم الكثير من النظريات الفيزيائية اللاحقة. في هذا الفصل اكتفينا بتهيئة الفكرة العامة لحساب المتجهات وعلاقته بالحقول والتكامل، ثم ننتقل بعد ذلك لتفاصيل هذه الأوبيراتورات واستخداماتها.

Views: 8

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!