Table of Contents
تمهيد تاريخي وفكري
ظهرت قوانين نيوتن للحركة كخطوة حاسمة في فهم العالم المادي. قبل نيوتن، وُجدت أفكار عن الحركة عند أرسطو وغاليليو، لكن نيوتن هو من صاغ إطاراً رياضياً واضحاً يربط بين الحركة والقوة والزمن. ما يميز قوانين نيوتن أنها:
- تصف حركة الأجسام في الأطر العطالية، أي الأطر التي لا تتسارع.
- تسمح بالتنبؤ الدقيق بمسار جسم إذا عُرفت القوى المؤثرة عليه في كل لحظة.
- تشكل الأساس لكل ما سيأتي في الميكانيكا الكلاسيكية من شغل وطاقة وزخم وتصادمات وحركة مدارية.
في هذا الفصل سنعرض قوانين نيوتن الثلاثة، مع توضيح المعاني الفيزيائية والرياضية والحدود التي تعمل ضمنها، من غير أن ندخل في تفاصيل القوى المختلفة التي تُترك للفصل التالي.
القانون الأول لنيوتن: العطالة
القانون الأول يعرف في العادة بقانون العطالة. صيغته الشائعة:
كل جسم يبقى على حالته من السكون أو الحركة المستقيمة المنتظمة، ما لم تؤثر فيه قوة محصلة تغير من تلك الحالة.
هذا القانون يتحدث عن جسم لا تؤثر عليه قوة محصلة، أي أن مجموع القوى المؤثرة عليه يساوي صفراً. في هذه الحالة:
- إذا كان الجسم ساكناً فسيبقى ساكناً.
- إذا كان الجسم يتحرك بسرعة ثابتة في خط مستقيم فسيستمر في هذه الحركة من دون تغيير.
رياضياً نكتب شرط انعدام القوة المحصلة على شكل:
$$
\sum \vec{F} = \vec{0}
$$
حيث $\sum \vec{F}$ هو مجموع القوى المتجهة المؤثرة في الجسم.
لاحظ أن القانون الأول لا يتحدث عن سبب الحركة، بل عن ثبات الحالة الحركية في غياب قوة محصلة. أما التغير في الحركة فيرتبط مباشرة بالقانون الثاني.
مفهوم العطالة والكتلة العطالية
العطالة هي ميل الجسم لمقاومة تغيير حالته الحركية. إذا حاولت دفع جسم خفيف مثل كرة تنس ستجده سهل التسريع، بينما يكون دفع صندوق ثقيل أصعب بكثير. هذا الفرق في مقاومة تغيير السرعة يعبر عنه بمفهوم "الكتلة العطالية".
الكتلة هنا مقياس للعطالة، أي مقياس لمدى مقاومة الجسم للتسارع. كلما زادت الكتلة، زاد "عناد" الجسم تجاه محاولة تغيير سرعته.
القانون الأول يتيح لنا أيضاً تعريف الأطر العطالية، وهي الأطر المرجعية التي إذا انعدمت فيها القوة المحصلة على جسم ما استمر في الحركة المستقيمة المنتظمة أو السكون. في الأطر غير العطالية لا تتحقق صيغة القانون الأول بهذه البساطة وتظهر مفاهيم أخرى تدرس في موضعها.
تخيل عربة مترو تتحرك بسرعة ثابتة في خط مستقيم. إذا ألقيت كرة إلى أعلى داخل العربة ستعود إلى يدك تقريباً. من وجهة نظرك داخل العربة، الكرة لم تتعرض لقوة أفقية كبيرة ومع ذلك تحافظ على حركتها الأفقية مع العربة. هذه تجربة يومية تعكس معنى العطالة.
القانون الثاني لنيوتن: العلاقة بين القوة والتسارع
القلب الحقيقي لميكانيكا نيوتن هو القانون الثاني الذي يربط بين القوة والتسارع. الصيغة المتجهية العامة:
القوة المحصلة المؤثرة على جسم تساوي المعدل الزمني لتغير زخمه الخطي.
$$
\sum \vec{F} = \dfrac{d\vec{p}}{dt}
$$
حيث $\vec{p}$ هو الزخم الخطي للجسم. في الميكانيكا الكلاسيكية عند السرعات الصغيرة مقارنة بسرعة الضوء نأخذ الزخم لجسم كتلته $m$ يتحرك بسرعة $\vec{v}$ على أنه:
$$
\vec{p} = m \vec{v}
$$
إذا كانت كتلة الجسم ثابتة بمرور الزمن، يمكننا كتابة:
$$
\frac{d\vec{p}}{dt} = \frac{d}{dt}(m\vec{v}) = m \frac{d\vec{v}}{dt} = m \vec{a}
$$
فتصبح صيغة القانون الثاني الأكثر استخداماً:
$$
\sum \vec{F} = m \vec{a}
$$
حيث $\vec{a}$ هو التسارع.
هذه المعادلة المتجهية تعني أن اتجاه التسارع يطابق اتجاه القوة المحصلة، وأن مقدار التسارع يتناسب طردياً مع مقدار القوة وعكساً مع الكتلة.
قراءة القانون الثاني في بعد واحد
عند دراسة الحركة في خط مستقيم، يمكن إسقاط المتجهات على هذا الخط، فنكتب:
$$
\sum F = m a
$$
مع الانتباه إلى أن الإشارات الجبرية تمثل الاتجاه. اختيار اتجاه موجب وسالب هو جزء من إعداد المسألة، وليس شيئاً تفرضه الطبيعة.
الوحدة القياسية: النيوتن
من القانون الثاني يمكننا استنتاج وحدة القوة في النظام الدولي. إذا كانت الكتلة بوحدة الكيلوغرام، والتسارع بوحدة المتر لكل ثانية مربعة، تصبح وحدة القوة:
$$
1\,\text{N} = 1\,\text{kg} \cdot 1\,\text{m/s}^2
$$
أي أن 1 نيوتن هو القوة التي تكسب جسماً كتلته 1 كيلوغرام تسارعاً مقداره 1 متر لكل ثانية مربعة.
القراءة المتجهية للقانون الثاني
بما أن $\sum \vec{F}$ و $\vec{a}$ متجهان، فهذا يعني أنه عند تحليل المسائل في بعدين أو ثلاثة أبعاد يجب مراعاة المكونات على كل محور. يمكن كتابة القانون على شكل مستقل لكل اتجاه:
$$
\sum F_x = m a_x, \quad \sum F_y = m a_y, \quad \sum F_z = m a_z
$$
هذا يعبر عن أن الحركة على كل محور تحددها مركبات القوى على ذلك المحور.
إذا كان جسم يتحرك على سطح أفقي أملس تحت تأثير قوة ثابتة مقدارها $10\,\text{N}$ باتجاه المحور $x$ وكانت كتلته $2\,\text{kg}$، فإن تسارعه:
$$
a_x = \frac{\sum F_x}{m} = \frac{10}{2} = 5\,\text{m/s}^2
$$
بينما التسارع على المحور $y$ يساوي صفراً إذا لم توجد قوى عمودية تغير الحركة في هذا الاتجاه.
التمييز بين الكتلة والوزن
القانون الثاني يوضح الفرق بين الكتلة والوزن. الكتلة $m$ خاصية ذاتية للجسم تمثل عطالته. الوزن هو قوة الجاذبية التي تؤثر في الجسم قرب سطح الأرض، ويعطى تقريبياً بـ:
$$
\vec{W} = m \vec{g}
$$
حيث $\vec{g}$ هو متجه التسارع الناتج عن الجاذبية. الكتلة تظهر في القانون الثاني كعامل يربط بين القوة والتسارع. الوزن مجرد نوع محدد من القوى، وليس مرادفاً للكتلة.
صورة القانون الثاني مع الزمن المتغير للقوة
في حالات كثيرة تكون القوة دالة في الزمن أو الموضع أو السرعة، ولا تكون ثابتة. القانون الثاني يبقى صالحاً بالصيغة العامة:
$$
\sum \vec{F}(t) = m \vec{a}(t)
$$
حل هذه المعادلة عادة يحتاج إلى التكامل أو استخدام أساليب عددية، وهو ما يظهر في تطبيقات لاحقة كحركة المقذوفات مع مقاومة الهواء أو اهتزازات الأنظمة المرنة.
القانون الثالث لنيوتن: فعل ورد فعل
القانون الثالث يعبر عن الطبيعة المتبادلة للتفاعل بين الأجسام.
لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار، ومعاكس له في الاتجاه، ويؤثران على جسمين مختلفين.
إذا أثرت جسيم $A$ بقوة على جسيم $B$، فإن $B$ يؤثر على $A$ بقوة:
$$
\vec{F}_{A \to B} = - \vec{F}_{B \to A}
$$
مساوية في المقدار ومعاكسة في الاتجاه. هاتان القوتان لا تلغيان بعضهما، لأن كل واحدة منهما تؤثر على جسم مختلف.
أزواج الفعل ورد الفعل وليست قوى متعادلة على جسم واحد
من الأخطاء الشائعة أن يظن المتعلم أن قوى الفعل ورد الفعل تتجمع في معادلة واحدة لجسم واحد وتخرج المحصلة صفراً. الصحيح أن:
- كل جسم يملك مجموعة قواه الخاصة به.
- عند كتابة القانون الثاني لجسم ما، لا نضع ضمن مجموع القوى القوة التي يمارسها هو على غيره، بل فقط القوى المؤثرة عليه.
قوى الفعل ورد الفعل لا تجتمع في معادلة حركة جسم واحد، لأنها تؤثر على جسمين مختلفين.
ارتباط القانون الثالث بحفظ الزخم
في نظام يتألف من جسمين يتبادلان التأثير فيما بينهما من دون وجود قوى خارجية، يؤدي القانون الثالث إلى أن يكون مجموع زخميهما ثابتاً مع الزمن. هذا يرتبط مباشرة بمبدأ حفظ الزخم الخطي الذي يدرس بتفصيل في موضعه، لكن جذوره المباشرة تظهر بالفعل في القانون الثالث.
إذا وقفت على لوح متحرك على سطح أملس ودفعته للأمام، فاللوح يدفعك للخلف بقوة مساوية ومعاكسة. نتيجة ذلك يتحرك اللوح في اتجاه، وتتحرك أنت في الاتجاه المعاكس، بحيث يحافظ مجموع الزخم الكلي على قيمته السابقة التي كانت صفراً تقريباً.
شروط تطبيق قوانين نيوتن وحدود صلاحيتها
قوانين نيوتن قوية جداً، لكن لها نطاق صلاحية محدد. فهم هذه الحدود مهم لتجنب سوء استخدامها.
الأطر العطالية والسرعات الصغيرة نسبياً
قوانين نيوتن في صيغتها الكلاسيكية:
- تنطبق على الأطر المرجعية العطالية أو تلك التي يمكن تقريباً اعتبارها عطالية.
- تصلح عندما تكون السرعات أصغر كثيراً من سرعة الضوء، بحيث لا تكون التأثيرات النسبية مهمة.
- تعمل جيداً عندما يمكن اعتبار الأجسام نقطية أو أجساماً صلبة في إطار الميكانيكا الكلاسيكية.
عند الاقتراب من سرعات عالية جداً مقارنة بسرعة الضوء، أو عند التعامل مع أبعاد ذرية، تصبح الميكانيكا النسبية أو الكمومية أكثر دقة.
الأجسام الممتدة والدوران
القانون الثاني كما عرضناه يفترض جسماً يمكن تمثيله بجسيم أو مركز كتلة. عندما تكون للأجسام أبعاد كبيرة وحركة دورانية معقدة، نحتاج إلى تعميم القوانين إلى صورة دورانية تتضمن العزم والزخم الزاوي، وهذه تعالج في فصول الحركة الدورانية وديناميكا الأجسام الصلبة. مع ذلك، يبقى جوهر قوانين نيوتن قائماً، لكن يضاف إليه توصيف للمقادير الزاوية.
الصياغة التفاضلية والمعادلات التفاضلية للحركة
القانون الثاني على شكل:
$$
\sum \vec{F}(\vec{r}, \vec{v}, t) = m \frac{d^2 \vec{r}}{dt^2}
$$
هو في الحقيقة معادلة تفاضلية تربط موضع الجسم $\vec{r}(t)$ بزمان الحركة $t$. إذا عُرفت القوى بوصفها دوالاً في الموضع والسرعة والزمن، أمكن مبدئياً حل هذه المعادلة للحصول على المسار الحركي. في كثير من الأمثلة البسيطة تكون القوى ثابتة أو ذات اعتماد بسيط، فيصبح الحل تحليلياً مباشراً، بينما في حالات أعقد قد نحتاج إلى طرائق عددية.
هذه النظرة تجعل قوانين نيوتن نقطة اتصال بين الفيزياء والرياضيات، لأن إيجاد الحركة يعني حل معادلات تفاضلية تحت شروط ابتدائية معينة مثل الموضع والسرعة عند زمن معين.
تفسير مفاهيم "الاتزان" و"الحركة المتسارعة" في ضوء قوانين نيوتن
من خلال القوانين الثلاثة يمكننا التمييز بين حالتين أساسيتين في ديناميكا الحركة.
الاتزان الميكانيكي
الجسم يكون في حالة اتزان ميكانيكي إذا كانت القوة المحصلة المؤثرة عليه تساوي صفراً:
$$
\sum \vec{F} = \vec{0}
$$
في هذه الحالة يكون التسارع صفراً، وبالتالي تكون السرعة ثابتة. هذه السرعة الثابتة قد تكون صفراً، فيسمى الاتزان اتزاناً ساكناً، أو قد تكون غير صفرية فيسمى اتزاناً حركياً. القانون الأول يعبر عن هذه الفكرة بصورة نوعية، بينما نستخدم معادلة $\sum \vec{F} = 0$ لمعالجة مسائل الاتزان.
الحركة المتسارعة
إذا كانت القوة المحصلة غير صفرية، فإن الجسم يكتسب تسارعاً وفق القانون الثاني:
$$
\vec{a} = \frac{\sum \vec{F}}{m}
$$
كل تغير في السرعة مقداره واتجاهه ناتج عن قوة محصلة. لا يمكن أن تتغير السرعة من تلقاء نفسها من غير قوة محصلة، ما لم نكن في إطار غير عطالي أو في نطاق خارج الميكانيكا الكلاسيكية.
خلاصة مفاهيمية
قوانين نيوتن للحركة تشكل الإطار الأساسي لفهم ديناميكا الأجسام في حياتنا اليومية ومعظم التطبيقات الهندسية الكلاسيكية. يمكن تلخيص دور كل قانون كالتالي:
- القانون الأول يحدد فكرة العطالة ويعرف الأطر العطالية ويصف ماذا يحدث في غياب القوة المحصلة.
- القانون الثاني يربط كمية القوة المحصلة بتغير الحركة عبر التسارع والزخم، ويحدد دور الكتلة كقياس للعطالة.
- القانون الثالث يبين الطبيعة المتبادلة للقوى بين الأجسام ويضع الأساس لمفاهيم الحفظ في الأنظمة المعزولة.
في الفصول اللاحقة، تُستخدم هذه القوانين كأساس لتحليل القوى المختلفة، ثم لدراسة الشغل والطاقة والزخم والتصادمات والحركة الدورانية وغيرها، لكن جوهر كل تلك التحليلات يعود دائماً إلى هذه القواعد الثلاث.