Table of Contents
تمهيد
بعد أن تم في فصل "ديناميكا نيوتن" تقديم قوانين نيوتن للحركة وكيف تربط بين القوة والحركة، يركّز هذا الفصل على دراسة "القوى" نفسها. ما نهتم به هنا هو: كيف نمثّل القوة، ما الخصائص العامة التي تشترك فيها كل القوى، وكيف نتعامل معها كمفهوم فيزيائي ومتجهي يمهّد للفصول اللاحقة التي تتناول أنواعًا خاصة من القوى مثل قوة النابض، قوة الجاذبية، وقوى الاحتكاك.
هذه النظرة العامة إلى القوى تهدف إلى بناء لغة موحّدة، بحيث يصبح من السهل في الفصول القادمة التعرّف إلى كل قوة جديدة ضمن إطار واحد وواضح.
القوة كمقدار متجه
القوة في الميكانيكا الكلاسيكية تُعامل دائمًا كمتجه. هذا يعني أن لها ثلاثة عناصر أساسية: مقدار، واتجاه، ونقطة تأثير على الجسم. بدون هذه العناصر لا يكون وصف القوة كاملا.
من الناحية الرياضية، يمكن تمثيل قوة ما في بعدين مثلًا بالمتجه
$$
\vec{F} = (F_x, F_y)
$$
وفي ثلاثة أبعاد
$$
\vec{F} = (F_x, F_y, F_z)
$$
حيث $F_x$ و$F_y$ و$F_z$ هي إسقاطات القوة على المحاور الإحداثية.
الاتجاه يحدّد نحو أي اتجاه "تدفع" القوة أو "تجذب"، بينما يشير المقدار إلى مدى قوة هذا التأثير. نقطة التأثير مهمة خصوصًا عند الحديث عن العزوم والدوران، إذ إن القوة نفسها قد تعطي آثارًا مختلفة تمامًا إذا أثّرت على نقطة مختلفة من الجسم.
القاعدة الأساسية: القوة مقدار متجه، لذلك لا يمكن التعامل معها كعدد فقط. جمع القوى وطرحها والتحليل إلى مركبات يجب أن يتم وفق قواعد جبر المتجهات، وليس كأعداد عادية.
أثر القوة وعدم أثرها
من المهم أن نفهم أن وجود قوة لا يعني بالضرورة تغيّرًا في سرعة الجسم أو اتجاه حركته مباشرة أمام أعيننا. يمكن لقوى متعددة أن تتوازن بحيث يكون محصّلتها صفرًا، فيتحرك الجسم بسرعة ثابتة أو يبقى ساكنًا رغم وجود قوى فعلية تؤثر عليه.
هذا يوضّح أن السؤال الفيزيائي الأكثر فائدة غالبًا ليس "هل توجد قوة؟" بل "ما محصّلة القوى المؤثرة؟" لأن حالة حركة الجسم ترتبط بالمحصّلة وفق قوانين نيوتن، وليس بكل قوة منفردة على حدة.
تمثيل القوى بالرسم والتخطيط
في التحليل الفيزيائي العملي، تُرسم القوة عادة على شكل سهم. طول السهم يمثّل مقدار القوة، واتجاهه يمثّل اتجاهها، ونقطة بدء السهم توضع عند نقطة تأثير القوة على الجسم. لذلك يصبح الرسم أداة بصرية قوية لفهم المسألة.
في الفصول اللاحقة مثل "مخططات الجسم الحر" سيُستخدم هذا التمثيل باستمرار، لكن ما يهمنا هنا هو إدراك أن الرسم ليس للزينة، بل هو تعبير مباشر عن المتجه الفيزيائي، ويتضمّن معلومات كمية ونوعية في الوقت نفسه.
مثال بسيط: إذا أردت أن تمثّل قوة شد مقدارها $10\,\text{N}$ تؤثر على جسم أفقيًا نحو اليمين، يمكنك أن ترسم سهمًا أفقيًا يبدأ من مركز الجسم ويتجه نحو اليمين، وتكتب بجانبه $10\,\text{N}$. إذا أردت أن تمثّل قوة أكبر، مثل $20\,\text{N}$، فيجب أن يكون السهم أطول بوضوح في الرسم.
القوى كنماذج فيزيائية
القوة ليست "شيئًا" مادّيًا يمكن رؤيته، بل هي مفهوم نموذج نستخدمه لوصف التأثير المتبادل بين الأجسام. عندما نقول إن هناك قوة بين جسمين، فنحن نصف العلاقة التي تجعل حركتيهما تختلفان عما لو كان كل منهما بمعزل عن الآخر.
في الميكانيكا الكلاسيكية، نميّز عادة بين:
- قوى تلامس، تظهر عندما يكون هناك احتكاك مباشر أو دفع أو شد أو ضغط.
- قوى عن بعد، مثل الجاذبية والقوى الكهربائية والمغناطيسية، التي تظهر حتى بدون ملامسة ظاهرة بين الأجسام.
لكن في كلتا الحالتين، لا توجد "قوة" مستقلة عن الأجسام، بل هي طريقة لوصف التفاعل بين هذه الأجسام.
هذا الفهم يساعدنا في إدراك أن تغيير "حالة التلامس" أو "المسافة" بين الأجسام يغيّر القوى بينها، لأنّ ما يتغيّر هو التفاعل نفسه.
القوى الداخلية والخارجية بالنسبة لنظام
عندما نتعامل مع جسم واحد، من السهل نسبيًا أن نعدّد القوى المؤثرة عليه. لكن في الفصول القادمة، خصوصًا في "حركة أنظمة الجسيمات"، سنهتم بأنظمة تتكوّن من عدة أجزاء. هنا يصبح من المهم التمييز بين القوى الداخلية والقوى الخارجية.
القوى الداخلية هي القوى المتبادلة بين مكوّنات النظام نفسه. القوى الخارجية هي القوى التي تأتي من أشياء خارج النظام المدروس.
على مستوى هذا الفصل يكفي أن ندرك أن:
إذا اخترت النظام بشكل أوسع، قد تتحوّل قوى كانت تبدو "خارجية" إلى قوى "داخلية". مثلًا، إذا اعتبرت شخصًا يتحرك داخل عربة، فيمكن أن تعتبِر قوة الشخص على العربة داخلية إذا كان النظام هو "العربة مع الشخص"، وخارجية إذا كان النظام هو "العربة فقط".
هذا الاختيار ليس مجرد لعبٍ بالألفاظ، بل يؤثّر في القوانين التي يمكن أن نستخدمها مثل قوانين حفظ الزخم والطاقة على مستوى النظام.
القوة والتفاعل المتبادل
واحدة من السمات الجوهرية للقوة أنها تظهر دومًا في صورة تفاعل ثنائي. إذا أثّر جسم على آخر بقوة ما، فلا بد أن يؤثّر الآخر على الأول بقوة أيضًا. في هذا المستوى يكفي أن نفهم فكرة "الأزواج" في القوى دون الخوض في تفاصيل قوانين نيوتن التي تناقش هذا الأمر مباشرة.
هذه النظرة تذكّرنا دائمًا أنّ الحديث عن قوة معزولة من طرف واحد فقط هو تبسيط لغوي، وأن الصورة الفيزيائية الكاملة تتضمّن دائمًا جسيمين أو أكثر في تفاعل.
مثال وصفي: عندما تدفع الحائط، تشعر بقوة "من الحائط" على يدك، رغم أن الحائط لم يتحرك. هذا يوضّح أن وجود الإزاحة ليس شرطًا لوجود القوة، وأن ما يهم هو التفاعل اللحظي بين يدك والحائط.
القوى في الفضاء المتّجهي
من الناحية الرياضية، القوى جزء من عالم المتجهات، لذا تسري عليها نفس القواعد التي تنطبق على أي متجهات أخرى تمّت دراستها في فصل "الأدوات الرياضية". في هذا الفصل نركّز على المعنى الفيزيائي لا الرياضي البحت.
في مشكلات واقعية، نادرًا ما تكون القوى في اتجاه واحد فقط. غالبًا ما يكون لدينا عدة قوى في اتجاهات مختلفة. كل قوة هي متجه، ومحصّلة القوى هي مجموع هذه المتجهات.
إذا كان لدينا قوتان في بعدين
$$
\vec{F}_1 = (F_{1x}, F_{1y}), \quad \vec{F}_2 = (F_{2x}, F_{2y})
$$
فمحصّلتهما
$$
\vec{F}_\text{محصلة} = \vec{F}_1 + \vec{F}_2 = (F_{1x} + F_{2x},\, F_{1y} + F_{2y})
$$
هذا المبدأ نفسه سيُستخدم لاحقًا في فصل "جمع القوى وتحليلها"، لكن المهم هنا هو إدراك أن محصّلة القوى ليست عملية عددية بسيطة بل هي جمع متجهي، يراعي الاتجاهات كما يراعي المقادير.
القياس والوحدات المرتبطة بالقوة
القوة في النظام الدولي للوحدات تقاس بوحدة النيوتن. تعريف النيوتن مبني على العلاقة التي تربط بين القوة والكتلة والتسارع في قانون نيوتن الثاني.
إذا كانت القوة تؤثر على جسم كتلته $1\,\text{kg}$ فتمنحه تسارعًا مقداره $1\,\text{m/s}^2$، فإن مقدار هذه القوة يساوي $1\,\text{N}$. من هنا يمكن كتابة تعريف النيوتن في صورة أبعاد:
$$
1\,\text{N} = 1\,\text{kg}\cdot\text{m/s}^2
$$
فهم أبعاد القوة يساعد في التحقق من صحة المعادلات الفيزيائية، ويسمح بالتفريق بين مفاهيم قريبة في المعنى اليومي لكنها مختلفة فيزيائيًا، مثل القوة والطاقة والضغط.
مهم جدًا التفريق بين القوة والطاقة. الطاقة تقاس بالجول، ولها أبعاد مختلفة هي
$$
1\,\text{J} = 1\,\text{N}\cdot\text{m}
$$
بينما القوة نفسها تقاس بالنيوتن ولا تعبّر عن "كمية" مخزونة، بل عن تأثير آنٍ يمكن أن يغيّر حركة الأجسام أو يبذل شغلًا.
القوى كوسيط بين الحركة والحفظ
القوة ليست الهدف النهائي في الميكانيكا، بل هي الأداة التي تربط بين الملاحظات المختلفة للحركة من جهة، ومفاهيم الحفظ مثل حفظ الطاقة والزخم من جهة أخرى. في كثير من الأحيان، يكون من الأسهل تتبّع القوى، وفي أحيان أخرى يكون من الأسهل استخدام قوانين الحفظ.
لفهم هذا التوازن بين الوصف "بقوانين نيوتن" والوصف "بقوانين الحفظ"، نحتاج إلى علاقة واضحة مع مفهوم القوة. كلما كانت صورتنا عن القوة أنضج وأكثر تجريدًا، أصبح الانتقال بين طرق التحليل المختلفة أكثر سلاسة.
في الفصول اللاحقة، ستظهر القوة في مواضع متعددة: في الشغل والطاقة، في الزخم والتصادمات، وفي الجاذبية والحركة المدارية، وفي الديناميكا الدورانية. كل مرة سيتم تقديم نوع جديد من القوى أو طريقة جديدة لوصفها، لكن الأساس المشترك يبقى ما تم تناوله هنا: القوة متجه، تمثيلها رسومي ومتجهي، تعبر عن تفاعل، وتخضع لقواعد قياس وأبعاد محددة.
خلاصة
هذا الفصل وضع الأساس النظري العام لفكرة القوة كمتجه فيزيائي يصف التفاعل بين الأجسام. تعرّفنا إلى تمثيل القوة بشكل متجهي وبالرسم، وإلى الفرق بين القوى الداخلية والخارجية بحسب اختيار النظام، وإلى دور القوة بوصفها مفهومًا رابطًا بين الحركة وقوانين الحفظ.
في الفصلين اللاحقين "ما هي القوة؟" و"جمع القوى وتحليلها" سيتم التفصيل أكثر في تفسير القوة من الناحية المفهومية والعملية، وستُطوّر الأدوات الحسابية اللازمة للتعامل مع مجموعات معقدة من القوى في مسائل الميكانيكا الكلاسيكية.