Table of Contents
تمهيد عن قانون هوك
في هذا الفصل نركّز على نوع خاص من القوى هو قوة النابض أو القوة المرنة، كما تصاغ في ما يعرف بقانون هوك. في الفصول السابقة من ديناميكا نيوتن تناولنا مفهوم القوة بشكل عام، وكيفية جمع القوى وتحليلها ومخططات الجسم الحر، وهنا سنطبّق تلك الأفكار على حالة محددة متكررة في الفيزياء والتطبيقات العملية، هي الأجسام المربوطة بنوابض أو عناصر مرنة.
قانون هوك لا يقتصر على النوابض المعدنية فقط، بل يعبّر تقريبا عن سلوك كثير من المواد عندما تُشوه تشوها صغيرا. لذلك فهو نموذج بسيط لكنه شديد الأهمية في فهم الاهتزازات، وطاقة الشد، والمواد المرنة، وسنحتاجه لاحقا في الموجات والحركة التوافقية البسيطة.
صياغة قانون هوك
يصف قانون هوك العلاقة بين القوة المؤثّرة في نابض وتغيّر طوله عن وضع توازنه. الصيغة الأساسية للقانون في بعد واحد هي
$$
F = -k\,x
$$
حيث
\(F\) هي القوة التي يؤثر بها النابض،
\(k\) هو ثابت النابض،
\(x\) هي الإزاحة عن طول النابض عند التوازن، مع اختيار إشارة \(x\) تبعا لمحور الإحداثيات.
الإشارة السالبة تعني أن قوة النابض قوة "استرجاعية". أي أنها تحاول دوما إعادة النابض إلى طوله الأصلي، فتكون في اتجاه معاكس لاتجاه الإزاحة.
إذا مددت النابض مسافة \(x > 0\) إلى اليمين، تكون قوة النابض \(F < 0\) باتجاه اليسار. وإذا ضغطت النابض مسافة \(x < 0\) إلى اليسار، تكون القوة \(F > 0\) باتجاه اليمين.
في استخدام قانون هوك، من الضروري تعريف موضع التوازن بوضوح، واعتبار الإزاحة \(x\) هي الفرق بين الطول الحالي للنابض وطوله عند التوازن. أي خلط في تعريف الصفر للإزاحة يؤدي إلى أخطاء في تطبيق القانون.
ثابت النابض \(k\) ومعناه الفيزيائي
الثابت \(k\) يحدد "قساوة" النابض. وحدته في النظام الدولي نيوتن لكل متر، أي
$$
[k] = \text{N/m}
$$
كلما كان \(k\) أكبر احتجنا قوة أكبر لتوليد نفس الإزاحة. نابض "قاس" له \(k\) كبيرة، ونابض "لين" له \(k\) صغيرة.
يمكنك النظر إلى \(k\) على أنه معدل تغيّر القوة مع الإزاحة، أي:
$$
k = \frac{\Delta F}{\Delta x}
$$
في المنطقة التي يكون فيها قانون هوك صالحا. لذا يمكن قياس \(k\) تجريبيا بوضع أوزان مختلفة وقياس مقدار التمدد في النابض، ثم حساب النسبة بين الزيادة في القوة والزيادة في الطول.
مثال تجريبي مبسط:
إذا علّقنا كتلة تولد قوة وزن مقدارها \(2\,\text{N}\) فتمدد النابض بمقدار \(0.04\,\text{m}\)، ثم علّقنا كتلة أكبر فزاد الوزن إلى \(5\,\text{N}\) وازداد التمدد إلى \(0.10\,\text{m}\). يمكننا تقدير ثابت النابض من الزيادة:
$$
\Delta F = 5 - 2 = 3\,\text{N}, \quad
\Delta x = 0.10 - 0.04 = 0.06\,\text{m}
$$
إذن
$$
k \approx \frac{3}{0.06} = 50\,\text{N/m}
$$
الشكل الخطي للعلاقة بين القوة والإزاحة
العلاقة \(F = -k x\) علاقة خطية بين \(F\) و \(x\). إذا مثّلناها بيانيا على محورين متعامدين، حيث نضع الإزاحة \(x\) على المحور الأفقي والقوة \(F\) على المحور الرأسي، نحصل على خط مستقيم يمر بنقطة الأصل.
يميل هذا المستقيم بزاوية تتعلق بقيمة \(k\). إذا رسمنا \(F\) مقابل \(x\)، فإن ميل المستقيم يساوي \(-k\). أما إذا رسمنا مقدار القوة \(|F|\) مقابل \(|x|\) في ربع واحد من المستوى، فيكون الميل مساويا لـ \(k\) موجبة.
هذا الشكل الخطي يعبّر عن بساطة قانون هوك، لكنه في الوقت نفسه يوضّح أن هذا القانون لا يمكن أن يصحّ إلى ما لا نهاية، إذ لا يمكن لنابض حقيقي أن يمتد بلا حد مع زيادة القوة بشكل خطي، لذلك نتحدّث عن "مجال" انطباق قانون هوك.
مجال صلاحية قانون هوك والحد المرن
قانون هوك هو نموذج خطي تقريبي لسلوك المواد عندما تكون التشوّهات صغيرة. إذا زادت قوة الشد أو الضغط كثيرا، يبدأ سلوك النابض أو المادة في الانحراف عن هذه الخطية.
من الناحية التجريبية يمكن ملاحظة ثلاثة مجالات عامة في سلوك كثير من المواد عند الشد:
- مجال خطي تقريبا، حيث تكون العلاقة بين القوة والتشوّه تقريبيا قانون هوك.
- مجال تبدأ فيه العلاقة بالانحناء، فلا تكون النسبة بين القوة والتشوّه ثابتة.
- مجال يحدث فيه "كسر" أو "انهيار" للمادة.
الحد الفاصل بين السلوك المرن الخطي وبين السلوك غير الخطي يسمى غالبا "الحد المرن" أو "حد المرونة". في هذا المجال المرن، إذا أزلنا القوة يعود الجسم تقريبا إلى طوله الأصلي. بعد تخطي الحد المرن، قد يحدث تشوّه دائم لا يزول تماماً عند إزالة القوة.
لا يجوز افتراض صلاحية قانون هوك دون التحقق من أن التشوّه صغير وأن المادة ما زالت في مجالها المرن. إذا تجاوزنا الحد المرن فإن استخدام \(F = -k x\) يقدّم نتائج غير واقعية.
هذه الفكرة أساسية لأن كثيراً من مسائل الميكانيكا في هذا المستوى تفترض بساطتها أن النوابض مثالية وأن تشوّهاتها صغيرة، لكن في الهندسة والمواد الحقيقية لا بد من التحقق من حدود صلاحية هذا التقريب.
تطبيق قانون هوك في بعد واحد
في أبسط تطبيق نعتبر جسما ذا كتلة صغيرة مربوطا بنابض أفقي أو عمودي، ونتتبع القوى المؤثّرة عليه. في هذا الفصل نركّز على دور قانون هوك في تعيين قوة النابض، أمّا تحليل الحركة بالتفصيل فيأتي في فصول لاحقة خاصة بالحركة التوافقية البسيطة والاهتزازات.
نعتبر أولا نابضا أفقيا مثبتا من أحد طرفيه إلى جدار، والطرف الآخر مربوط بجسم يمكنه التحرك على سطح أفقي عديم الاحتكاك. نأخذ موضع التوازن عند النقطة التي يكون فيها النابض غير مشدود ولا مضغوط. إذا أزحنا الجسم مسافة \(x\) عن موضع التوازن وأفلتناه، فإن قوة النابض عليه تكون
$$
\vec{F}_\text{نابض} = -k\,x\,\hat{i}
$$
حيث \(\hat{i}\) هو متجه الوحدة في الاتجاه الأفقي. هذه القوة هي المكوّن الأفقي الوحيد للقوى إذا أهملنا الاحتكاك، لذا تشكّل أساس معادلة الحركة في هذا النظام.
أما في حالة النابض العمودي الذي يعلّق منه جسم، فيوجد وزن الجسم وقوة النابض، ويتحدد موضع التوازن عندما تتعادل القوتان. عند هذا الموضع يكون النابض متمددا بمقدار ما، فإذا اعتبرنا هذا الموضع أصلا للإحداثيات، فإن أي إزاحة إضافية عنه تجعل قوة النابض تعطى بنفس الصيغة \(F = -k x\) ولكن مع اعتبار \(x\) هي الإزاحة عن موضع التوازن الجديد لا عن طول النابض الأصلي قبل تعليق الجسم.
مثال على التوازن لنابض عمودي:
إذا عُلّقت كتلة \(m\) بنابض عمودي ثابتُه \(k\)، فإن موضع التوازن يتحقق عندما
$$
k\,\Delta L = mg
$$
حيث \(\Delta L\) هو مقدار التمدد عن الطول الأصلي. من هذه العلاقة نحصل على
$$
\Delta L = \frac{mg}{k}
$$
بعد ذلك، إذا حرّكنا الكتلة مسافة صغيرة إضافية \(x\) أعلى أو أسفل هذا الموضع، فإن قوة النابض الإضافية التي تؤثر في الكتلة بالنسبة لموضع التوازن تسير حسب قانون هوك
$$
F' = -k x
$$
بينما يظل وزن الجسم \(mg\) ثابتا، وقد أُخذ في الحسبان ضمن تحديد موضع التوازن نفسه.
نمذجة النوابض المتعددة على خط واحد
غالبا ما نواجه أنظمة تحوي أكثر من نابض، إما موصولة على التوالي أو على التوازي على خط واحد. يمكن في كثير من الحالات استبدال هذه المنظومة بنابض مكافئ واحد له ثابت نابض مكافئ \(k_\text{مكافئ}\).
هذه النمذجة تفيد في تبسيط المسائل، خاصة عندما تدخل هذه المنظومات في مسائل طاقة الشد أو الاهتزازات. نقتصر هنا على عرض الصيغ دون الدخول في تحليل ديناميكي تفصيلي.
النوابض على التوالي
عندما توصل نابضان على التوالي على خط واحد، أي يكون أحدهما بعد الآخر، ويطبق نفس الشد في كليهما، فإن كل نابض يتمدد بمقدار خاص به. يكون التمدد الكلي هو مجموع التمددين الجزئيين.
لمنظومة من نابضين على التوالي ثابتاهما \(k_1\) و \(k_2\)، يكون الثابت المكافئ \(k_\text{مكافئ}\) بحيث تحقق القوة نفسها تمددا كليا \(x\)، فنكتب
$$
\frac{1}{k_\text{مكافئ}} = \frac{1}{k_1} + \frac{1}{k_2}
$$
وفي حالة أكثر من نابضين على التوالي نستمر في جمع المقلوبات.
النوابض على التوازي
عندما يوصل نابضان على التوازي، أي يثبّت طرفاهما في نفس النقطة من الجسم، ويثبت الطرف الآخر منهما في دعامة مشتركة، فإن الإزاحة \(x\) التي يتعرض لها الجسم تجعل كلاً من النابضين يتمدد بنفس المقدار \(x\). في هذه الحالة تختلف القوى في كل نابض، لكنها تتجمع لتعطي القوة الكلية.
لمنظومة من نابضين على التوازي ثابتاهما \(k_1\) و \(k_2\)، يكون الثابت المكافئ
$$
k_\text{مكافئ} = k_1 + k_2
$$
يمكن تعميم ذلك على عدد أكبر من النوابض على التوازي بجمع ثوابتها مباشرة.
عند حساب ثابت نابض مكافئ، يجب التأكد من طبيعة التوصيل هندسيا، هل هو على التوالي حيث تتساوى القوى وتختلف الإزاحات، أم على التوازي حيث تتساوى الإزاحات وتتجمع القوى. الخلط بين الحالتين يعطي نتائج خاطئة تماما.
قانون هوك في صورة متجهة
في بعد واحد نكتب \(F = -k x\). لكن كثيرا من مسائل الميكانيكا تكون في بعدين أو ثلاثة أبعاد. في هذه الحالات نحتاج التعبير المتجهي للعلاقة بين القوة والإزاحة.
إذا كان النابض يربط بين نقطتين في الفضاء، وأردنا نمذجة قوة النابض على جسم متصل بأحد طرفيه، يمكن التعبير عن الإزاحة المتجهة \( \vec{x} \) من موضع التوازن إلى الموضع الحالي. يكون متجه القوة المرنة في الحالة الخطية البسيطة
$$
\vec{F} = -k\,\vec{x}
$$
حيث \(k\) عدد موجب، و\(\vec{x}\) متجه الإزاحة في بعدين أو ثلاثة. هنا يكون اتجاه القوة معاكساً لاتجاه الإزاحة، ومقدارها متناسباً معه طرديا.
في بعض المسائل الأكثر تعقيدا، يكون للنابض طول أصلي \(L_0\)، ويتصل بين نقطتين تتغير المسافة بينهما. في هذه الحالة يكون التمدد أو الانضغاط هو الفرق بين الطول الحالي \(L\) وطوله الأصلي \(L_0\)، أي \(L - L_0\). ويكون اتجاه قوة النابض مع اتجاه الخط الواصل بين النقطتين. لذا يمكن كتابة القوة في صورة
$$
\vec{F} = -k\,(L - L_0)\,\hat{n}
$$
حيث \(\hat{n}\) متجه وحدة في اتجاه الخط بين النقطتين، ويكون اختيار الإشارة بحيث تتجه القوة نحو تقليل الفرق \(L - L_0\).
هذه الصورة المتجهة تصبح مهمة في حركة أنظمة الجسيمات والأجسام الصلبة، حيث تتوزع النوابض في اتجاهات مختلفة.
العلاقة بين قانون هوك والطاقة المرونية
في فصل الطاقة والشغل سوف نعالج طاقة الشد أو الطاقة المرونية للنابض بتفصيل، لكن من المفيد هنا الإشارة إلى أن قانون هوك يؤدي إلى طاقة كامنة مرنة تتناسب مع مربع الإزاحة.
عندما يكون \(F = -k x\)، فإن الشغل اللازم لمد النابض من موضع التوازن \(x = 0\) إلى إزاحة \(x\) يساوي الطاقة الكامنة المختزنة في النابض. يمكن إظهار أن
$$
U_\text{مرن} = \frac{1}{2}k x^2
$$
هذه النتيجة تعتمد على قانون هوك الخطي، وسوف تستخدم في دراسة حفظ الطاقة والحركة التوافقية البسيطة. في هذا الفصل يكفي أن نربط بين الشكل الخطي للقوة وبين أن الطاقة تزداد مع مربع التشوه، مما يعني أن مضاعفة الإزاحة يزيد الطاقة إلى أربعة أضعاف، وهو ما ينعكس في سلوك الأنظمة المهتزة.
مثال عددي على الطاقة المرنة:
نابض ثابتُه \(k = 100\,\text{N/m}\). إذا مددناه مسافة \(x = 0.10\,\text{m}\)، فإن مقدار قوة النابض يكون
$$
F = k x = 100 \times 0.10 = 10\,\text{N}
$$
والطاقة المرنة المختزنة
$$
U = \frac{1}{2} k x^2 = \frac{1}{2} \times 100 \times (0.10)^2
= 0.5\,\text{J}
$$
إذا ضاعفنا الإزاحة إلى \(0.20\,\text{m}\)، تصبح الطاقة
$$
U = \frac{1}{2} \times 100 \times (0.20)^2 = 2.0\,\text{J}
$$
أي أربعة أضعاف الطاقة السابقة، رغم أن الإزاحة لم تتضاعف إلا مرة واحدة.
قيود نموذج النابض المثالي
لكي نستخدم قانون هوك في مسائل الميكانيكا للمبتدئين نفترض عادة مجموعة من التقريبات التي تجعل "النابض" نظاما مثاليا.
أهم هذه التقريبات أن كتلة النابض مهملة مقارنة بكتلة الأجسام المتصلة به. وهذا يسمح لنا أن نفترض أن القوة في جميع نقاط النابض متساوية، وأنه لا توجد طاقة حركية ملحوظة في لفات النابض نفسه.
كذلك نفترض أن التمددات صغيرة بما يكفي لاعتبار العلاقة بين القوة والتشوّه خطية، وأن النابض لا يتعرض للإجهاد إلى درجة تشوّهه الدائم أو كسره. كما نفترض أنه لا توجد قوى احتكاك داخلية تؤدي إلى فقد مستمر للطاقة داخل النابض نفسه.
في الاستخدامات العملية والهندسية، قد تصبح هذه التفاصيل مهمة، ويستخدم نماذج أكثر تعقيدا للعلاقة بين القوة والتشوّه، لكن في إطار الميكانيكا الكلاسيكية للمبتدئين يبقى قانون هوك أداة كافية لفهم كثير من الظواهر الأساسية.
قبل اعتماد نموذج النابض المثالي، تأكد من أن المسألة أو النظام الذي تدرسه يسمح بإهمال كتلة النابض والتشوّهات الكبيرة والاحتكاك الداخلي. إذا لم تتوافر هذه الشروط، فقد تنحرف النتائج النظرية عن الواقع بشكل ملحوظ.
بهذا تتضح مكانة قانون هوك كنموذج بسيط وفعال للقوى المرنة، وكيفية استخدامه في تحديد قوة النابض وثابت النابض، واستبدال منظومات من النوابض بنابض مكافئ، تمهيدا لاستخدام هذه الأفكار في دراسة الشغل والطاقة والحركة الاهتزازية في الفصول القادمة.