Kahibaro
Discord Login Register

الشغل

تمهيد إلى مفهوم الشغل

عندما نتحدث في الحياة اليومية عن "الشغل" قد نقصد أي نشاط يبذل فيه الإنسان مجهودا ذهنيا أو جسديا. في الفيزياء لا نستعمل هذا المعنى العام، بل نعطي كلمة "الشغل" تعريفا محددا ورياضيا يرتبط بتأثير قوة في إحداث تغيير في حركة جسم.

في هذا الفصل سنركّز على المعنى الفيزيائي الدقيق للشغل، وعلى كيفيّة حسابه في مواقف بسيطة ومألوفة، تمهيدا للفصول اللاحقة التي تربطه بالطاقة وبقوانين الحفظ.

الشغل والقوة والإزاحة

الفكرة الأساسية هي أن القوة وحدها لا تكفي ليتحقق الشغل بالمعنى الفيزيائي. يجب أن تُحْدِث القوة "إزاحة" في الجسم، أي تغييرا في موضعه. كما أن اتجاه القوة بالنسبة لاتجاه الإزاحة يلعب دورا رئيسيا في مقدار الشغل.

إذا أثّرت قوة ثابتة $\vec{F}$ على جسم فتحرك الجسم من موضع إلى آخر بإزاحة متجهة $\vec{s}$ فإن الشغل الذي تبذله هذه القوة يُعرّف رياضيا بالعلاقة

$$
W = \vec{F} \cdot \vec{s}
$$

حيث $\vec{F} \cdot \vec{s}$ هو الضرب القياسي بين المتجهين.

من خواص الضرب القياسي يمكن كتابة الشغل على الصورة

$$
W = F \, s \cos\theta
$$

حيث

هذه الصيغة توضّح مباشرة أن الشغل ليس مجرد "قوة × مسافة" في كل الأحوال، بل يعتمد أيضا على الزاوية بينهما.

قاعدة أساسية
لا يُبذل شغل في الفيزياء إلا إذا وُجِدَت إزاحة. إذا لم يتحرك الجسم رغم تأثير قوة عليه يكون الشغل المبدول عليه صفرا.

الشغل ككمية قياسية وتوقيعه

الشغل كمية قياسية، أي يحدد بمقدار وعدد فقط ولا يحتاج لاتجاه. لكن يمكن أن يكون موجبا أو سالبا أو صفرا، تبعا للعلاقة بين اتجاه القوة واتجاه الحركة.

من العلاقة $W = F s \cos\theta$ يمكن تفسير ذلك كالتالي:

  1. إذا كانت القوة في نفس اتجاه الإزاحة تقريبا، أي $\theta$ صغيرة بحيث $\cos\theta > 0$ يكون الشغل موجبا.
  2. إذا كانت القوة تعاكس الحركة أو تميل في الاتجاه المعاكس بحيث $\theta > 90^\circ$ فيكون $\cos\theta < 0$ ويصبح الشغل سالبا.
  3. إذا كانت القوة عمودية تماما على الإزاحة، أي $\theta = 90^\circ$ فإن $\cos 90^\circ = 0$ ويكون الشغل صفرا.

مثال توضيحي لتوقيع الشغل
إذا دفعت صندوقا على أرض أفقية بقوة أفقية جعلته يتحرك إلى الأمام، فالقوة في نفس اتجاه الإزاحة تقريبا، لذلك تبذل شغلا موجبا على الصندوق.
أثناء هذه الحركة تؤثر قوة الاحتكاك في الاتجاه المعاكس للحركة، فتكون الزاوية بين قوة الاحتكاك والإزاحة أكبر من $90^\circ$، لذلك يكون الشغل الذي تبذله قوة الاحتكاك سالبا لأنه "يقاوم" الحركة.
أما إذا حملت حقيبة ثابتة في يدك وسرت بها أفقيا بسرعة ثابتة بحيث تؤثر يدك بقوة رأسية إلى أعلى بينما الإزاحة أفقية، فالزاوية بين القوة والإزاحة $90^\circ$، وبالتالي الشغل الذي تبذله قوة يدك على الحقيبة يساوي صفرا، رغم أنك تشعر بالتعب.

الشغل في حالة قوة ثابتة واتجاه مستقيم

أبسط حالة عملية هي عندما تؤثر قوة ثابتة القيمة والثابتة الاتجاه على جسم يتحرك في خط مستقيم.

إذا كانت القوة موازيه لاتجاه الإزاحة تماما، أي $\theta = 0$ فيصبح

$$
W = F s
$$

هذا التعبير شائع جدا في الحالات المدرسية البسيطة مثل جر صندوق على سطح أملس بسرعة ثابتة بقوة أفقية، أو رفع جسم رأسيا بسرعة ثابتة بقوة رأسية مساوية لوزنه.

في هذه الحالات لا يكون هناك حاجة لاستعمال المتجهات صراحة، ويكفي تتبع الإشارات. مثلا عند رفع جسم إلى أعلى مع اعتبار الاتجاه إلى أعلى موجبا، يكون الشغل الذي تبذله قوة الرفع موجبا، بينما يكون شغل وزن الجسم سالبا لأنه يعاكس الحركة.

مثال حسابي بسيط
عامل يجر عربة أفقيا على رصيف أملس بقوة ثابتة مقدارها $40\,\text{N}$ في اتجاه الحركة. بعد أن تحركت العربة مسافة $5\,\text{m}$ يكون الشغل المبذول بواسطة القوة
$$
W = F s = 40 \times 5 = 200\,\text{J}
$$
وحدة الشغل هي الجول، وسنعود إليها بعد قليل.

الشغل في حالة قوة غير موازية للحركة

في كثير من المواقف الواقعية لا تتجه القوة في نفس اتجاه الإزاحة. مثال مشهور هو جر جسم على سطح أفقي بواسطة حبل يميل إلى الأعلى بزاوية. في هذه الحالة لا "تساهم" كل القوة في دفع الجسم أفقيا، بل يساهم مركبها الموازي للحركة فقط.

من العلاقة العامة

$$
W = F s \cos\theta
$$

يمكن تفسير الشغل بطريقتين رياضيتين متكافئتين.

إما أن نقول إن الشغل يساوي حاصل ضرب مقدار الإزاحة في مركبة القوة الموازية للحركة، أي

$$
W = F_{\parallel} \, s
$$

حيث $F_{\parallel} = F \cos\theta$.

أو نقول إنه يساوي حاصل ضرب مقدار القوة في مركبة الإزاحة الموازية للقوة، أي

$$
W = F \, s_{\parallel}
$$

حيث $s_{\parallel} = s \cos\theta$.

الطريقة الأولى هي الأكثر استعمالا في مسائل الميكانيكا، لأننا غالبا نُحلِّل القوة إلى مركبات أفقية ورأسية.

مثال على قوة مائلة
شخص يجر صندوقا على سطح أفقي بقوة مقدارها $50\,\text{N}$ يميل حبل الجر عن الأفق بزاوية $30^\circ$. تحرك الصندوق مسافة $10\,\text{m}$ أفقيا.
الشغل المبذول بواسطة هذه القوة يساوي
$$
W = F s \cos\theta = 50 \times 10 \times \cos 30^\circ
$$
وبما أن $\cos 30^\circ \approx 0.866$ نحصل على
$$
W \approx 50 \times 10 \times 0.866 \approx 433\,\text{J}
$$
نلاحظ أن القيمة أقل مما لو كانت القوة أفقية تماما، لأن جزءا من القوة يُستخدم لرفع الصندوق قليلا وتقليل ضغطه على السطح، ولا يساهم هذا الجزء في دفعه أفقيا.

وحدة قياس الشغل

في النظام الدولي للوحدات يُقاس الشغل بوحدة الجول ويُرمز لها بـ J. يُعرَّف الجول الواحد بأنه الشغل المبذول عندما تؤثر قوة مقدارها نيوتن واحد على جسم في اتجاه حركته فتنقله مسافة متر واحد، أي

$$
1\,\text{J} = 1\,\text{N} \cdot 1\,\text{m}
$$

وبما أن النيوتن نفسه يُعرّف بدلالة الكتلة والتسارع، فيمكن كتابة الجول بدلالة الوحدات الأساسية كالتالي

$$
1\,\text{J} = 1\,\text{kg} \cdot \text{m}^2 / \text{s}^2
$$

هذه الصيغة ستظهر مرة أخرى عندما نربط الشغل بالطاقة الحركية والطاقة الكامنة.

الشغل وقوى المحافظة وغير المحافظة

مع أن دراسة القوى المحافظة وغير المحافظة تُفصّل في مواضع لاحقة، من المفيد هنا الإشارة باختصار إلى العلاقة العامة بين نوع القوة وطريقة حساب الشغل في الحركة العامة.

القوة المحافظة هي التي يعتمد الشغل المبذول بواسطتها فقط على موضعي البداية والنهاية، ولا يعتمد على المسار المتبع بينهما. مثال مهم على ذلك قوة الجاذبية وقوة النابض المثالي. هذا يعني أن الشغل في هذه الحالة يمكن ربطه بدالة طاقة كامنة، ويكون لحركة الجسم تفسير أنيق من حيث حفظ الطاقة.

في المقابل القوى غير المحافظة مثل الاحتكاك ومقاومة الهواء يبذل شغلها اعتمادا على طبيعة المسار وطوله، ولا يمكن اختصاره بدلالة موضعي البداية والنهاية فقط. هذا الاختلاف سيكون أساسيا عندما ندرس حفظ الطاقة وفقدانها إلى أشكال أخرى مثل الحرارة.

في هذا الفصل نكتفي بالإشارة إلى أن الشغل الذي تبذله قوة ما يمكن أن يكون تعبيرا عن "نقل الطاقة" من نوع إلى آخر، وأن نوع القوة سيحدد كيف يُحسب هذا الشغل، وهل يمكن ربطه بطاقة كامنة أم لا.

الشغل كتكامل خطي للقوة

حينما تكون القوة غير ثابتة أو يكون مسار الحركة منحنيا، لا تكفي العلاقة البسيطة $W = F s \cos\theta$ بوصفها ضرب عددين فقط. في هذه الحالات نتعامل مع المسار على أجزاء صغيرة جدا بحيث تكون القوة ثابتة تقريبا على كل جزء صغير، ثم نجمع مساهمات الشغل على طول المسار كله. هذه الفكرة التعبيرية تقودنا إلى تعريف تكاملي عام للشغل.

إذا أثّرت قوة متجهة $\vec{F}$ على جسم يتحرك على مسار ما، وكان عنصر الإزاحة الصغير على المسار هو المتجه $d\vec{s}$، فإن الشغل التفاضلي الذي تبذله القوة على هذا الجزء الصغير هو

$$
dW = \vec{F} \cdot d\vec{s}
$$

للحصول على الشغل الكلي من الموضع الأول إلى الموضع الأخير على طول المسار نستخدم التكامل الخطي

$$
W = \int_{\text{المسار}} \vec{F} \cdot d\vec{s}
$$

في هذا التعبير تُطبَّق نفس الفكرة التي رأيناها في حالة القوة الثابتة، ولكن بطريقة عامة تسمح بتغيّر مقدار القوة واتجاهها وتغيّر اتجاه الإزاحة على طول المسار.

في هذا المستوى يكفي أن نفهم أن هذا التكامل هو طريقة "جمع" مساهمات صغيرة من الشغل على طول مسار الحركة عندما لا نستطيع استعمال العلاقة البسيطة. التفاصيل الرياضية لحساب هذه التكاملات تُناقش على نحو أوسع في الفصول المخصصة للتكاملات الخطية وفي تطبيقات الشغل على قوى محددة.

مثال وصفي بدون حساب تفصيلي
تخيّل جسما يتحرك في مجال جاذبية غير منتظم حول كوكب غير كروي، بحيث تتغير قوة الجاذبية في المقدار والاتجاه مع تغير موضع الجسم. إذا أردنا حساب الشغل الذي تبذله قوة الجاذبية على الجسم أثناء انتقاله في مدار معقد لا يمكننا استعمال $W = F s$ مباشرة، بل نحتاج إلى تتبع المسار وتقسيمه إلى أجزاء صغيرة جدا، وحساب $dW$ لكل جزء، ثم جمع كل هذه المساهمات باستعمال التكامل
$$
W = \int \vec{F} \cdot d\vec{s}
$$
وهو بالضبط ما يُسمَّى تكاملا خطيا على المسار.

الشغل والرسوم البيانية للقوة مع الإزاحة

طريقة مفيدة لفهم الشغل في حالة القوى التي تعتمد على الإزاحة هي استعمال الرسوم البيانية. إذا رسمنا مبيانا لمقدار القوة $F$ بدلالة الإزاحة $x$ في حالة حركة على خط مستقيم، فإن الشغل المبذول من الموضع $x_1$ إلى الموضع $x_2$ يساوي "المساحة" تحت منحنى $F(x)$ بين هذين الموضعين.

في حالة القوة الثابتة يكون المنحنى خطا أفقيا، وتكون المساحة مستطيلا مساحته $F (x_2 - x_1)$، وهو ما يطابق العلاقة البسيطة $W = F s$.

إذا تغيّرت القوة مع الإزاحة، تصبح المساحة تحت المنحنى غير منتظمة، ويصبح حساب هذه المساحة مرتبطا بالتكامل

$$
W = \int_{x_1}^{x_2} F(x)\, dx
$$

هذه الطريقة البصرية تساعد على بناء إحساس هندسي بمعنى الشغل كـ"تجميع" لتأثير القوة على امتداد المسافة.

شغل مجموعة من القوى والشغل الكلي

في كثير من المسائل الواقعية لا توجد قوة واحدة فقط، بل عدة قوى تؤثر على الجسم في الوقت نفسه. في هذه الحالة يمكن التفكير بطريقتين مكافئتين:

إما أن نحدد "المحصلة" الكلية للقوى، أي القوة المتجهة المكافئة لجميع القوى، ثم نحسب الشغل الذي تبذله هذه المحصلة على الجسم.

أو أن نحسب الشغل الذي تبذله كل قوة على حدة، ثم نجمع الشغول جبريا.

إذا كانت القوى المؤثرة هي $\vec{F}_1$ و $\vec{F}_2$ و $\vec{F}_3$ مثلا، وكان الجسم يتحرك بإزاحة $\vec{s}$، فإن الشغل الناتج عن كل قوة هو

$$
W_1 = \vec{F}_1 \cdot \vec{s}, \quad
W_2 = \vec{F}_2 \cdot \vec{s}, \quad
W_3 = \vec{F}_3 \cdot \vec{s}
$$

والشغل الكلي هو

$$
W_{\text{كلي}} = W_1 + W_2 + W_3
$$

كما يمكننا أن نجمع القوى أولا ثم نحسب الشغل مباشرة من القوة المحصلة $\vec{F}_{\text{محصلة}} = \vec{F}_1 + \vec{F}_2 + \vec{F}_3$ بحيث

$$
W_{\text{كلي}} = \vec{F}_{\text{محصلة}} \cdot \vec{s}
$$

هاتان الطريقتان تعطيان النتيجة نفسها إذا حسبناهما بشكل صحيح، لأن الضرب القياسي يوزَّع على جمع المتجهات.

قاعدة مهمة
الشغل كمية "جمعية". الشغل الكلي المبذول على جسم يساوي مجموع الشغول التي تبذلها القوى المختلفة المؤثرة عليه. هذه الفكرة أساسية عندما نربط الشغل بتغير الطاقة الحركية في مبرهنة الشغل والطاقة.

ملخص الأفكار الأساسية في هذا الفصل

في هذا الفصل ركزنا على بناء المفهوم الفيزيائي والرياضي للشغل بوصفه ناتج الضرب القياسي بين القوة والإزاحة. رأينا أن الشغل يعتمد على مقدار القوة ومقدار الإزاحة والزاوية بينهما، وأن الشغل يمكن أن يكون موجبا أو سالبا أو صفرا. تعرفنا على وحدة الجول كتعريف معياري للشغل، وأشرنا إلى أن الشغل في الحالات العامة يُحسَب كتكامُل خطي للقوة على مسار الحركة، وأن الشغل الكلي يمكن اعتباره مجموع شغول القوى المختلفة أو شغل القوة المحصلة.

في الفصول اللاحقة سيُستعمل هذا المفهوم لتكوين جسر حيوي بين القوى والطاقة، من خلال مبرهنة الشغل والطاقة، ومن خلال ربط الشغل بالطاقة الحركية والطاقة الكامنة وحفظ الطاقة في الأنظمة المختلفة.

Views: 5

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!