Table of Contents
مقدمة عن مقاومة الهواء
عندما يتحرك جسم في الهواء، لا يتحرك بحرية تامة، بل يتعرض لقوة تعيق حركته نسميها مقاومة الهواء. هذه القوة هي تطبيق خاص لمفهوم الاحتكاك في حالة جسم يتحرك خلال مائع، والهواء في هذه الحالة مائع غازي. في هذا الفصل نركّز على خصائص هذه القوة، وكيف تُنمذج في الميكانيكا الكلاسيكية، وكيف تؤثّر في حركة الأجسام، خصوصا في السرعات الصغيرة والكبيرة.
طبيعة مقاومة الهواء واتجاهها
مقاومة الهواء هي قوة تمارسها جزيئات الهواء على الجسم المتحرك عبرها. كلما تحرك الجسم اصطدم بجزيئات الهواء، فنقلت هذه الجزيئات كمية من الزخم من الجسم إلى الهواء، فينشأ تأثير معاكس لاتجاه الحركة.
اتجاه قوة مقاومة الهواء يكون دائما عكس اتجاه السرعة المتجهة للجسم بالنسبة للهواء المحيط. إذا كانت السرعة إلى الأعلى تكون مقاومة الهواء إلى الأسفل، وإذا تحرك الجسم أفقيا إلى اليمين تكون مقاومة الهواء إلى اليسار وهكذا. لذلك غالبا ما نكتب متجه قوة المقاومة متناسبا مع $-\vec v$ أي عكس السرعة.
العوامل المؤثرة في مقاومة الهواء
تعتمد قوة مقاومة الهواء على عدة عوامل فيزيائية، أهمها
- سرعة الجسم بالنسبة للهواء.
- شكل الجسم وأبعاده واتجاهه بالنسبة لحركة الهواء.
- مساحة المقطع العرضي المواجهة لحركة الهواء.
- خصائص الهواء نفسه مثل الكثافة واللزوجة.
هذه العوامل تظهر في صيغ مختلفة لقوة المقاومة، أبسطها الصيغة التربيعية التي تُستخدم كثيرا في المسائل التطبيقية.
نموذج مقاومة الهواء المتناسب مع مربع السرعة
في السرعات المتوسطة والكبيرة يكون نموذج مقاومة الهواء الأكثر استخداما هو النموذج التربيعي، حيث تكون القوة متناسبة مع مربع مقدار السرعة.
الصيغة التقريبية الشائعة لمقاومة الهواء
$$
F_\text{drag} = \frac{1}{2}\, C_d\, \rho\, A\, v^2
$$
حيث
$F_\text{drag}$ مقدار قوة مقاومة الهواء
$C_d$ معامل السحب ويعتمد على شكل الجسم
$\rho$ كثافة الهواء
$A$ مساحة المقطع العرضي المواجهة لحركة الجسم
$v$ مقدار سرعة الجسم بالنسبة للهواء
متجه القوة يكون في اتجاه معاكس للسرعة المتجهة، لذا نكتب أحيانا
$$
\vec F_\text{drag} = - \frac{1}{2}\, C_d\, \rho\, A\, v\, \vec v
$$
لأن $v = |\vec v|$ فيصبح اتجاه القوة عكس $\vec v$.
معامل السحب وأهمية الشكل الهندسي
معامل السحب $C_d$ عدد بلا أبعاد يختصر تأثير الشكل الهندسي وطبيعة الجريان حول الجسم. قيمته تختلف كثيرا من جسم لآخر. كرة ناعمة لها قيمة، ولوح مسطح له قيمة أخرى، وسيارة رياضية مصممة هوائيا لها قيمة أصغر من سيارة بصندوق خلفي مرتفع.
كلما كان الجسم أكثر انسيابية، أي مصمم بحيث يسمح للهواء بالانسياب حوله بسلاسة، كانت قيمة $C_d$ أصغر، وبالتالي تكون مقاومة الهواء أضعف عند نفس السرعة ومساحة المقطع.
يُستفاد من هذه الفكرة بشكل مباشر في تصميم الطائرات والسيارات والقطارات السريعة، إذ يُعدُّ تقليل مقاومة الهواء هدفا أساسيا لرفع الكفاءة وتخفيض استهلاك الوقود.
مثال رقمي مبسط على تأثير الشكل
افترض جسما له نفس المساحة $A$ يتحرك في الهواء بنفس السرعة، لكن في الحالة الأولى يكون لوحا مسطحا له $C_d \approx 1$، وفي الحالة الثانية جسم انسيابي له $C_d \approx 0.2$.
عند السرعة نفسها تكون قوة مقاومة الهواء على الجسم الانسيابي تقريبا خمس مقاومة الهواء على اللوح المسطح، لأن القوة تتناسب طرديا مع $C_d$.
نموذج مقاومة الهواء المتناسبة مع السرعة
في السرعات الصغيرة جدا، وعندما تكون تأثيرات اللزوجة هي المسيطرة، يمكن أن يكون نموذج المقاومة المتناسب مع مربع السرعة غير مناسب. في هذه الحالة يُستخدم نموذج خطي أبسط، حيث تكون القوة متناسبة مباشرة مع مقدار السرعة
نموذج المقاومة الخطي في السرعات الصغيرة
$$
\vec F_\text{drag} = - b\, \vec v
$$
حيث $b$ ثابت يتوقف على شكل الجسم ولزوجة المائع وأبعاده.
هذا النموذج يُستخدم بكثرة في دراسة الأجسام الصغيرة التي تتحرك في مائع لزج مثل قطرات صغيرة في زيت أو كريات صغيرة في ماء، كما يظهر في قانون ستوكس في سياق أكثر تقدما.
السرعة الحدية مع مقاومة الهواء
من أهم النتائج المتعلقة بمقاومة الهواء ظهور مفهوم السرعة الحدية. عندما يسقط جسم في الهواء تحت تأثير الجاذبية يتسارع في البداية لأن قوة الجاذبية أكبر بكثير من مقاومة الهواء. مع زيادة السرعة تكبر مقاومة الهواء. في لحظة ما تصبح قوة مقاومة الهواء مساوية لوزن الجسم، وعندها تتوقف الزيادة في السرعة ويصل الجسم إلى سرعة ثابتة نسميها السرعة الحدية.
السرعة الحدية في نموذج المقاومة الخطي
إذا استخدمنا نموذج مقاومة الهواء الخطي $F_\text{drag} = b v$ لجسم يسقط رأسيا إلى أسفل، وتجاهلنا قوى أخرى، يكون التوازن عند السرعة الحدية عندما
$$
mg = b v_\text{t}
$$
حيث $v_\text{t}$ السرعة الحدية.
السرعة الحدية في حالة مقاومة خطية
$$
v_\text{t} = \frac{mg}{b}
$$
كلما كان الجسم أثقل أو كانت مقاومة الهواء أضعف زادت السرعة الحدية.
السرعة الحدية في نموذج المقاومة التربيعي
في النموذج التربيعي، وعند سقوط جسم في الهواء عموديا، تكون مقاومة الهواء عند السرعة الحدية مساوية للوزن أيضا، أي
$$
mg = \frac{1}{2} C_d\, \rho\, A\, v_\text{t}^2
$$
السرعة الحدية في حالة مقاومة تربيعية
$$
v_\text{t} = \sqrt{\frac{2mg}{C_d\, \rho\, A}}
$$
توضح هذه العلاقة أن زيادة الكتلة تزيد السرعة الحدية، بينما زيادة مساحة المقطع أو كثافة الهواء أو معامل السحب تقلل السرعة الحدية. لهذا السبب يكون المظلي قبل فتح المظلة أسرع بكثير من بعد فتحها لأن مساحة المقطع $A$ تكبر فجأة.
مثال على تأثير المظلة
إذا تضاعفت مساحة المقطع العرضي 4 مرات بعد فتح المظلة، وبقيت باقي العوامل نفسها، فإن السرعة الحدية تتغير تقريبا بنسبة
$$
v_\text{t,\,new} = \sqrt{\frac{1}{4}}\, v_\text{t,\,old} = \frac{1}{2} v_\text{t,\,old}
$$
أي تنخفض إلى نصف قيمتها السابقة تقريبا.
مقاومة الهواء في المعادلة العامة للحركة
عند إدخال مقاومة الهواء في معادلة الحركة يضاف حد جديد إلى مجموع القوى. في حالة السقوط العمودي مثلا، إذا أخذنا اتجاه الأسفل موجب، وكان نموذج المقاومة تربيعيا، تصبح معادلة نيوتن الثانية على شكل
$$
m \frac{dv}{dt} = mg - \frac{1}{2} C_d\, \rho\, A\, v^2
$$
هذه معادلة تفاضلية غير خطية لأن سرعة الجسم تظهر مرفوعة إلى القوة الثانية، وتحليلها الكامل يحتاج إلى أدوات رياضية أكثر تقدما. مع ذلك يمكننا فهم السلوك النوعي للحركة من دون حلها بالتفصيل. في البداية يكون $v$ صغيرا ويكون الحد التربيعي ضعيفا فيقترب التسارع من $g$، ومع الوقت يكبر الحد التربيعي فيقل التسارع تدريجيا حتى يصل إلى الصفر عند السرعة الحدية.
في نموذج المقاومة الخطي تأخذ المعادلة شكلا أبسط
$$
m \frac{dv}{dt} = mg - b v
$$
ويمكن حلها تحليليا بسهولة أكبر، لكنها مناسبة فقط عندما تكون السرعات صغيرة نسبيا.
مقاومة الهواء في الحركة الأفقية وحركة المقذوفات
عندما يتحرك جسم أفقيا في الهواء أو بزاوية على خط الأفق، تؤثر مقاومة الهواء في مركبتي الحركة الأفقية والعمودية. في نماذج المقذوفات البسيطة يهمل تأثير الهواء لأن تحليله بدونه يعطي مسارات قطعية مريحة رياضيا. لكن في الواقع الفعلي عند السرعات الكبيرة أو الأجسام الخفيفة لا يمكن تجاهل مقاومة الهواء، ويصبح مسار الجسم أقصر وأكثر انحناء.
في الحركة الأفقية، مثلا كرة تتدحرج على طاولة أو سيارة تتحرك على طريق مستقيم، تتناقص سرعتها بمرور الزمن لأن مقاومة الهواء، مع الاحتكاك الآخر في السطح، تستنزف الطاقة الحركية وتحوّلها في النهاية إلى طاقة حرارية في الهواء والسطح والإطارات.
مقاومة الهواء والطاقة الحركية
قوة مقاومة الهواء قوة غير محافظة. هذا يعني أن الشغل الذي تقوم به يعتمد على المسار وقيمة المسافة التي يقطعها الجسم في الهواء. عند وجود مقاومة الهواء لا يكون مجموع الطاقة الحركية والكمون الثقالية محفوظا، بل يتناقص عادة بمرور الزمن لأن جزءا من الطاقة يتحول إلى حرارة في الهواء المحيط.
إذا كان متجه السرعة في نفس اتجاه الحركة، فمتجه مقاومة الهواء في عكسه، لذا يكون الشغل التفاضلي الذي تؤديه هذه القوة سالبا
$$
dW_\text{drag} = \vec F_\text{drag} \cdot d\vec r < 0
$$
ونتيجة ذلك أن الطاقة الحركية تقل بمرور الزمن إن لم تدعمها قوة أخرى مثل قوة المحرك في السيارة أو قوة الدفع في الطائرة.
التقريب بين النماذج المختلفة لمقاومة الهواء
في كثير من المسائل التطبيقية نختار بين النموذج الخطي والتربيعي بناء على مدى السرعات وطبيعة الجسم والمائع. عند السرعات الصغيرة جدا يمكن تقريب النموذج التربيعي بنموذج خطي محلي، بينما عند السرعات الكبيرة يغدو النموذج التربيعي أكثر ملاءمة.
عمليا يمكن للمهندس أو الفيزيائي أن يقدّر أي النموذجين أدق من خلال معرفة رقم رينولدز الخاص بالجريان، وهو كمية بلا أبعاد تقارن تأثيرات العطالة باللزوجة. إلا أن دراسة رقم رينولدز تنتمي إلى ديناميكا الموائع المتقدمة وليست جزءا أساسيا من هذا المستوى.
تطبيقات عملية لمقاومة الهواء
تلعب مقاومة الهواء دورا مركزيا في كثير من الظواهر والتقنيات اليومية. في القفز بالمظلات تحدد هذه القوة سرعة السقوط وقيمة التسارع الذي يشعر به القافز. في صناعة السيارات تُستخدم أنفاق هوائية خاصة لاختبار مقاومة الهواء وتقليلها عبر تحسين التصميم الخارجي. في الرياضات مثل ركوب الدراجات يضع الرياضيون أجسامهم في وضعيات انسيابية لتقليل مساحة المقطع وتقليل القوة المقاومة.
حتى في تصميم ناطحات السحاب والجسور الطويلة يجب أخذ تأثير الرياح في الحسبان، لأن الهواء المتحرك يشكل قوة مقاومة على البناء نفسه مما يؤدي إلى قوى وأحمال دورية تتعلق بالجريان حول هذه الأجسام الكبيرة.
بهذا نرى أن مقاومة الهواء ليست مجرد تفصيل ثانوي في المسائل النظرية، بل عنصر أساسي في فهم حركة الأجسام في الحياة اليومية وفي التطبيقات الهندسية المختلفة.