Table of Contents
تمهيد
في هذا الفصل ننتقل من الصورة العامة للاحتكاك إلى التمييز بين أنواعه الرئيسة في الميكانيكا الكلاسيكية: الاحتكاك السكوني، والاحتكاك الحركي، والاحتكاك الدحرجي. هذه الأنواع الثلاثة تظهر في مواقف يومية مألوفة، لكنها توصف بقوانين فيزيائية بسيطة تقريبية، تساعدنا على تحليل الحركة، خاصة عند تطبيق قوانين نيوتن في المسائل العملية.
سنعتمد على فهم سابق للقوة والحركة، ولن نعيد صياغة قوانين نيوتن بالتفصيل، بل سنركّز على الخصائص الفيزيائية والقوانين التجريبية التي تميز كل نوع من هذه الأنواع.
الاحتكاك السكوني
الاحتكاك السكوني هو القوة التي تظهر بين سطحين متلامسين عندما نحاول تحريك أحدهما بالنسبة إلى الآخر، بينما لا يزال السطحان في حالة سكون نسبي. وظيفته أن "يمنع" بداية الانزلاق.
طبيعة الاحتكاك السكوني وحدّه الأعظمي
عندما نؤثر بقوة أفقية صغيرة على صندوق موضوع على أرضية أفقية خشنة، يبقى الصندوق ساكنًا. في هذه الحالة تنشأ قوة احتكاك من السطح تعاكس اتجاه القوة المؤثرة وتحافظ على توازن الصندوق. هذه القوة ليست ثابتة المقدار، بل "تتكيّف" مع القوة المؤثرة بحيث تظل المحصلة صفرًا طالما أن الانزلاق لم يبدأ.
كلما زدنا القوة المؤثرة يزداد مقدار قوة الاحتكاك السكوني المعاكسة، إلى أن نصل إلى قيمة حرجة، عندها لا يستطيع الاحتكاك السكوني أن يزداد أكثر، فيبدأ الجسم في الانزلاق. هذه القيمة الحرجة تسمى الاحتكاك السكوني الأعظمي.
يُعطى الحد الأعظمي لقوة الاحتكاك السكوني بالعلاقة التقريبية
$$
f_{s,\max} = \mu_s N
$$
حيث
$\mu_s$ هو معامل الاحتكاك السكوني بين السطحين
$N$ هو قوة رد الفعل العمودي بين السطحين.
ما دام الجسم غير منزلق فإن مقدار قوة الاحتكاك السكوني يحقق
$$
0 \le f_s \le f_{s,\max}.
$$
أي أن الاحتكاك السكوني قوة "قابلة للتكيّف" داخل هذا المجال.
معامل الاحتكاك السكوني
معامل الاحتكاك السكوني $\mu_s$ كمية لا بعدية تعتمد على طبيعة السطحين، مثل الخشب على الخشب، أو المطاط على الإسفلت، ولا تعتمد مباشرة على مساحة التلامس في النموذج البسيط. قيمته عادة أكبر من معامل الاحتكاك الحركي لنفس السطحين، وهذا يفسر أن بدء الحركة أصعب من الاستمرار فيها.
قيم $\mu_s$ تقاس تجريبيًا. في أبسط تجربة نضع جسمًا على سطح مائل، ونزيد زاوية الميل تدريجيًا حتى يبدأ الجسم بالانزلاق. عند زاوية حرجة $\theta_c$ يبدأ الانزلاق لأول مرة، ويمكن إظهار أن
$$
\mu_s = \tan{\theta_c}
$$
إذا أهملنا تأثيرات أخرى مثل مقاومة الهواء وعدم انتظام السطح.
مثال
وُضع صندوق خشبي على سطح مائل، وبدأ الصندوق ينزلق عندما وصلت زاوية الميل إلى $30^\circ$. في هذه الحالة
$$
\mu_s = \tan 30^\circ \approx 0.577.
$$
هذا الرقم يعبّر عن "خشونة" التلامس بين الخشب والسطح المائل المستخدم في التجربة.
اتجاه الاحتكاك السكوني
اتجاه الاحتكاك السكوني يكون دائمًا موازٍ لسطح التلامس، ومعاكسًا لاتجاه الحركة المحتملة، أي الاتجاه الذي "يريد" الجسم أن يتحرك فيه إذا أزيل الاحتكاك. عند تحليل المسائل، لا نعرف مسبقًا مقدار هذه القوة، بل نعتبرها قوة مجهولة ونستخدم شروط التوازن أو الحركة لتحديدها، مع التحقق في النهاية من أن قيمتها لا تتجاوز $f_{s,\max}$.
زاوية الاحتكاك
من الطرق المفيدة لوصف الاحتكاك السكوني تعريف زاوية تسمى زاوية الاحتكاك. في حالة التلامس بين سطحين، يمكننا تعريف زاوية $\phi$ بين قوة رد الفعل المحصلة التي يبذلها السطح على الجسم وبين العمود على السطح.
عند حد الانزلاق، تكون قوة الاحتكاك السكوني في أقصى قيمها، وتكون قوة رد الفعل المحصلة $\vec{R}$ هي محصلة رد الفعل العمودي $\vec{N}$ وقوة الاحتكاك $\vec{f}_s$، وتشكل زاوية $\phi$ مع العمود، حيث
$$
\tan \phi = \mu_s.
$$
تسمى $\phi$ زاوية الاحتكاك. هذه الزاوية مفيدة في بعض المسائل الهندسية، مثل الاحتكاك في الكُوَّات والأوتاد والأسطح المائلة.
الاحتكاك الحركي
عندما يتجاوز تأثير القوة الخارجية حد الاحتكاك السكوني الأعظمي، يبدأ الجسم في الانزلاق. منذ لحظة بداية الانزلاق يتحول الاحتكاك إلى نوع آخر يسمى الاحتكاك الحركي، أو احتكاك الانزلاق.
القانون التقريبي للاحتكاك الحركي
التجربة تظهر أنه عندما ينزلق جسم بسرعة ثابتة تقريبًا فوق سطح، تكون قوة الاحتكاك الحركي تقريبًا ثابتة المقدار، وتعطى في النموذج البسيط بالعلاقة
$$
f_k = \mu_k N
$$
حيث
$\mu_k$ معامل الاحتكاك الحركي للسطحين
$N$ قوة رد الفعل العمودية.
غالبًا ما يكون $\mu_k < \mu_s$. هذا يعني أن القوة التي "تمنع" بداية الانزلاق أكبر عادة من القوة التي تعيق الاستمرار في الانزلاق بعد أن يبدأ.
الفروق الرئيسة بين الاحتكاك السكوني والحركي
هناك عدة فروق مهمة بين النوعين، من دون الدخول في تفاصيل مجهرية للسطوح.
أولًا: الاحتكاك السكوني متغير القيمة حتى يبلغ حدًا أعظميًا، بينما الاحتكاك الحركي في النموذج البسيط ثابت المقدار عند قيمة واحدة مرتبطة بـ $\mu_k$.
ثانيًا: لكي يبدأ الجسم في الحركة يجب أن تتغلب القوة المؤثرة على $f_{s,\max}$، أي على $\mu_s N$. بعد أن يبدأ الانزلاق، تكون قوة الاحتكاك التي تعيق الحركة هي $f_k = \mu_k N$، الأقل عادة، ولهذا يسهل دفع جسم متحرك أصلاً مقارنة بدفعه من السكون.
ثالثًا: في الاحتكاك السكوني لا يوجد انزلاق فعلي، فيكون العمل الذي يبذله الاحتكاك على الجسم في الغالب صفراً إذا ظل الجسم ساكنًا، بينما في الاحتكاك الحركي يبذل الاحتكاك شغلاً سالبًا باستمرار، مما يحول الطاقة الميكانيكية إلى حرارة.
مثال
شخص يدفع صندوقًا على أرضية أفقية بقوة أفقية متزايدة تدريجيًا.
- من $F = 0$ حتى $F = 80 \ \text{N}$ يبقى الصندوق ساكنًا، وتكون قوة الاحتكاك السكوني مساوية للقوة المؤثرة في المقدار ومعاكسة لها في الاتجاه.
- عندما تصل القوة إلى $F = 80 \ \text{N}$ يبدأ الصندوق في الانزلاق، وهي القيمة التي تمثل $f_{s,\max}$.
- بمجرد أن ينزلق الصندوق، تصبح قوة الاحتكاك $f_k = 60 \ \text{N}$ مثلًا، وهي ثابتة تقريبًا، بحيث إن أي قوة أكبر من $60 \ \text{N}$ تجعل الصندوق يتسارع.
اعتماد الاحتكاك الحركي على السرعة
في النموذج البسيط الذي نستخدمه عادة في الميكانيكا التمهيدية، نعتبر أن $\mu_k$ لا تعتمد على سرعة الانزلاق، ما دام السرعة ليست كبيرة جدًا. في الواقع، التجارب الدقيقة تظهر أن قوة الاحتكاك الحركي قد تعتمد قليلًا على السرعة، وعلى درجة الحرارة، وحالة الأسطح، لكن هذه التفاصيل تتجاوز مستوى هذا الفصل، ولذلك نعتمد النموذج البسيط الذي يعد كافيًا لمعظم التطبيقات الأولية.
اتجاه الاحتكاك الحركي
كما في الاحتكاك السكوني، يكون اتجاه الاحتكاك الحركي موازيًا للسطح، ولكن هذه المرة يعاكس اتجاه السرعة النسبية الفعلية للسطحين. في حالة انزلاق جسم على سطح أفقي، تكون قوة الاحتكاك الحركي معاكسة لاتجاه حركة الجسم بالنسبة إلى السطح.
الاحتكاك الدحرجي
نوع ثالث مهم من الاحتكاك يظهر عندما يدحرج جسم مثل عجلة أو كرة فوق سطح. في هذه الحالة قد يكون الانزلاق ضعيفًا أو منعدمًا، لكن تظل هناك مقاومة لحركة الدحرجة، تسمى الاحتكاك الدحرجي أو مقاومة الدحرجة.
الفرق المفهومي بين الدحرجة والانزلاق
للتفريق، تخيل قرصًا يدور على طاولة:
إذا كان القرص ينزلق فقط دون دوران، فهذا احتكاك حركي انزلاقي.
إذا كان القرص يدور بحيث يتدحرج دون انزلاق، فإن نقطة التلامس اللحظية بين القرص والسطح تكون ساكنة لحظيًا بالنسبة للسطح. في هذه الحالة، لا يظهر احتكاك حركي من النوع نفسه، بل يكون هناك نموذج مختلف لمقاومة الحركة يرتبط بتشوه السطوح.
في الدحرجة النقيّة، يتحقق شرط خاص يربط بين الحركة الانتقالية والدورانية للجسم، وهو موضوع يعالج بالتفصيل في فصول الحركة الدورانية. هنا نهتم فقط بالقوة المقاومة للدحرجة.
منشأ الاحتكاك الدحرجي
منشأ الاحتكاك الدحرجي يرتبط أساسًا بالتشوه المرن أو اللدن للسطح أو الجسم الدوار. عندما تدحرج عجلة مطاطية على إسفلت، ينضغط جزء من المطاط أسفل نقطة التلامس ثم يعود إلى شكله فيما بعد. هذه التشوهات تؤدي إلى عدم تماثل في توزيع قوة رد الفعل العمودية تحت العجلة، بحيث لا تمر محصلة القوة عبر مركز العجلة تمامًا، بل تتزحزح قليلاً إلى الأمام أو الخلف. نتيجة لذلك تظهر عزوم مقاومة للدحرجة وقوة فعالة تعيق الحركة.
هذا السلوك يختلف جذريًا عن الاحتكاك الانزلاقي، الذي يعتمد أساسًا على التلامس المجهري لحبيبات السطحين والانزلاق بينها.
نموذج تقريبي لقوة الاحتكاك الدحرجي
يستخدم في بعض الأحيان نموذج بسيط لمقاومة الدحرجة، يعتمد على معامل يسمى أحيانًا "معامل الدحرجة" أو نصف قطر الدحرجة $b$. الفكرة هي أن موضع محصلة القوة العمودية ينزاح بمسافة صغيرة $b$ عن موضعه المثالي.
في هذا النموذج يمكن تمثيل عزم مقاومة الدحرجة حول مركز العجلة بالعلاقة
$$
\tau_r = f_r R = N b
$$
حيث
$\tau_r$ عزم مقاومة الدحرجة
$f_r$ القوة المكافئة لمقاومة الدحرجة
$R$ نصف قطر العجلة
$N$ قوة رد الفعل العمودية
$b$ مسافة الانزياح الفعالة، وتسمى أحيانًا معامل الدحرجة.
من هذه العلاقة يمكن تعريف قوة مقاومة الدحرجة كأنها قوة احتكاك مكافئة
$$
f_r = \frac{N b}{R}.
$$
في كثير من التطبيقات التمهيدية، يكتفى بالقول إن مقاومة الدحرجة أصغر كثيرًا من الاحتكاك الحركي الانزلاقي، لذلك نُهمِلها ما لم يكن لها تأثير بارز.
مقارنة الاحتكاك الدحرجي بالاحتكاك الحركي
أهم خصائص الاحتكاك الدحرجي التي تهمنا في التطبيقات البسيطة هي:
أولًا: لمقاومة الدحرجة عادة مقدار أصغر بكثير من الاحتكاك الانزلاقي الحركي لنفس السطوح، وهذا يفسر لماذا يسهل تحريك جسم ثقيل على عجَلات مقارنة بسحبه على سطح خشن.
ثانيًا: في الدحرجة النقية دون انزلاق، لا يكون هناك احتكاك حركي من النوع العادي عند نقطة التلامس، لأن النقطة اللحظية على محيط العجلة التي تلامس الأرض تكون ساكنة بالنسبة للأرض. مع ذلك، توجد خسائر طاقة بسبب التشوهات الداخلية، وهذه هي التي نمثلها بمقاومة الدحرجة.
ثالثًا: في كثير من النماذج البسيطة في الميكانيكا، يعامل الاحتكاك الدحرجي كعزم مقاوم يتناسب مع القوة العمودية، وليس كقوة أفقية فقط، لأن تأثيره الرئيس هو إبطاء دوران العجلة أو الكرة.
مثال تصوري
قارن بين حالتين لتحريك صندوق ثقيل من مكانه:
- سحب الصندوق مباشرة على أرضية خرسانية، حيث يكون الاحتكاك الحركي كبيرًا، والقوة المطلوبة كبيرة.
- وضع الصندوق على عربة لها عجلات معدنية جيدة التزييت، ثم دفع العربة. في هذه الحالة يكون الاحتكاك بين العجلات ومحاورها، ومقاومة الدحرجة بين العجلات والأرض، وكلاهما أصغر بكثير من الاحتكاك الانزلاقي في الحالة الأولى.
هذا يوضح فائدة استبدال الانزلاق بالدحرجة كلما أمكن ذلك.
ملاحظات عملية حول استخدام معاملات الاحتكاك
بما أن معاملات الاحتكاك $\mu_s$ و $\mu_k$ وكمية مثل $b$ في الدحرجة هي كميات تجريبية، فإن قيمها المعطاة في الجداول تقريبية، وتعتمد على:
نوع المادة، مثل فولاذ على فولاذ، أو خشب على خرسانة.
خشونة السطحين وحالتهما، هل هما جافان أو مزيّتان.
وجود شوائب أو أتربة أو رطوبة.
درجة الحرارة في بعض الحالات.
في حل المسائل التمهيدية نتعامل مع هذه المعاملات كقيم ثابتة معطاة، ولا نبحث في التعقيدات المجهرية، بل نستخدم العلاقات الخطية المبسطة، مثل
$$
f_{s,\max} = \mu_s N,\quad f_k = \mu_k N,
$$
أو نماذج مقاربة للاحتكاك الدحرجي عند الحاجة.
خلاصة
الاحتكاك السكوني، والاحتكاك الحركي، والاحتكاك الدحرجي تمثل ثلاثة أنماط رئيسة للتفاعل المقاوم بين الأسطح المتلامسة. الاحتكاك السكوني يمنع بداية الحركة حتى حد أعظمي يتناسب مع القوة العمودية، بينما الاحتكاك الحركي يعوق الانزلاق المستمر بقوة تقريبًا ثابتة أصغر من الحد السكوني الأعظمي في العادة. الاحتكاك الدحرجي يرتبط بحركة الدحرجة وتشوه السطوح، ومقداره عادة أصغر بكثير من الاحتكاك الانزلاقي، مما يفسر الاستخدام الواسع للعجلات والمحامل في تقليل المقاومة الميكانيكية.
هذه المفاهيم ستستخدم لاحقًا عند تطبيق قوانين نيوتن على الأنظمة الواقعية، وخاصة في حركة الأجسام على الأسطح الخشنة، وحركة العربات والعجلات، وتحليل المسائل التي يظهر فيها الاحتكاك كقوة حاسمة في تحديد الحركة.