Table of Contents
مدخل إلى قوانين الحفظ في أنظمة الجسيمات
في هذا الفصل نركز على فكرة مركزية في الميكانيكا الكلاسيكية, وهي أن بعض الكميات يمكن أن تبقى ثابتة أثناء حركة نظام كامل من الجسيمات، حتى لو كانت حركة كل جسيم معقدة. هذه الكميات تسمى "كميات محفوظة"، والقواعد التي تحكم ثباتها تسمى "قوانين الحفظ".
في سياق أنظمة الجسيمات، تكون قوانين الحفظ أداة قوية تربط بين التأثير الكلي للقوى الخارجية على النظام وسلوك مقادير مثل الزخم الخطي، الزخم الزاوي، والطاقة، من دون الحاجة إلى تتبع تفاصيل حركة كل جسيم على حدة.
مفهوم الحفظ في مقابل التغير
عندما نقول إن كمية فيزيائية "محفوظة" في نظام ما، نعني أن مجموع قيمتها لكل الجسيمات في النظام لا يتغير مع الزمن، بشرط أن تتحقق شروط معينة تتعلق بالقوى الخارجية أو بشكل تفاعل النظام مع الوسط المحيط.
يمكن التمييز بين:
- كميات "محفوظة تمامًا" في نظام معزول، حيث لا تؤثر قوى أو تدفقات من الخارج.
- كميات "تتغير وفق قانون محدد" في نظام غير معزول، حيث يحدد قانون الحفظ كيف يتغير المجموع الكلي نتيجة التأثيرات الخارجية، مثل تدفق الزخم أو الطاقة عبر حدود النظام.
هذه الرؤية تجعل قوانين الحفظ صلة الوصل بين القوى الخارجية من جهة، وسلوك النظام الكلي من جهة أخرى.
الزخم الخطي وحفظه في أنظمة الجسيمات
تمت دراسة تعريف الزخم الخطي وحفظه لجسيم منفرد في موضع آخر، وهنا نركز على ما يميز أنظمة الجسيمات.
إذا كان لدينا نظام مكون من $N$ جسيمات، فإن الزخم الخطي الكلي للنظام هو مجموع زخوم جميع الجسيمات:
$$
\vec{P} = \sum_{i=1}^{N} \vec{p}_i = \sum_{i=1}^{N} m_i \vec{v}_i
$$
حسب ديناميكا أنظمة الجسيمات، يمكن ربط تغير الزخم الخطي الكلي بقوة خارجية كلية تؤثر على النظام ككل:
$$
\frac{d\vec{P}}{dt} = \vec{F}_{\text{الخارجية الكلية}}
$$
القوى الداخلية بين الجسيمات، كما تمت مناقشتها في سياق القوى الداخلية والخارجية، لا تسهم في تغير الزخم الكلي للنظام لأنها تأتي في أزواج متساوية في المقدار ومتعاكسة في الاتجاه بين كل جسيمين، فيلغي بعضها بعضًا عند جمعها على مستوى النظام كله.
من هذه العلاقة نحصل على صورة قانون الحفظ:
إذا كانت محصلة القوى الخارجية على النظام تساوي الصفر، فإن الزخم الخطي الكلي محفوظ، أي:
إذا كانت $ \vec{F}_{\text{الخارجية الكلية}} = \vec{0} $ فإن
$$
\vec{P} = \text{ثابت}
$$
مثال توضيحي
تصادم كرتين على سطح أفقي أملس بحيث يمكن إهمال الاحتكاك مع السطح، وقوى الوزن ورد الفعل العمودي تتعادل ولا تؤثر في الحركة الأفقية. في الاتجاه الأفقي تكون محصلة القوى الخارجية على النظام المكون من الكرتين تساوي صفرًا تقريبًا، لذا يكون الزخم الخطي الكلي في هذا الاتجاه محفوظًا أثناء التصادم، مهما كانت تفاصيل القوى الداخلية بين الكرتين.
مركز الكتلة وقوانين الحفظ
جرى تعريف مركز الكتلة وخواصه في فصل آخر، وهنا نربط قانون الحفظ بحركة مركز الكتلة. من العلاقة الأساسية
$$
\vec{P} = M \vec{V}_{\text{cm}}
$$
حيث $M$ الكتلة الكلية للنظام و$\vec{V}_{\text{cm}}$ سرعة مركز الكتلة، ومع
$$
\frac{d\vec{P}}{dt} = \vec{F}_{\text{الخارجية الكلية}}
$$
نحصل على معادلة حركة مركز الكتلة:
$$
M \frac{d\vec{V}_{\text{cm}}}{dt} = \vec{F}_{\text{الخارجية الكلية}}
$$
هذه المعادلة تقول إن مركز الكتلة يتحرك كما لو كان جسيمًا واحدًا كتلته الكلية $M$ تؤثر عليه فقط القوى الخارجية. من ثم:
إذا كانت محصلة القوى الخارجية تساوي صفرًا، فإن تسارع مركز الكتلة يساوي صفرًا، أي أن مركز الكتلة يتحرك بسرعة ثابتة أو يكون ساكنًا، وهو تجسيد آخر لحفظ الزخم الخطي.
مثال قصير
في انفجار جسم ساكن إلى شظايا متعددة في الفضاء بعيدًا عن أي تأثيرات خارجية، يكون الزخم الكلي قبل الانفجار صفرًا، وبما أن القوى الداخلية وحدها لا تغير الزخم الكلي، يبقى الزخم الكلي صفرًا بعد الانفجار أيضًا. هذا يعني أن مركز الكتلة يبقى ساكنًا في موضعه الأصلي على الرغم من تفرق الشظايا في اتجاهات متعددة.
الزخم الزاوي وحفظه
للأنظمة التي فيها حركات دورانية أو مواضع بعيدة عن محور مرجعي، يدخل مفهوم الزخم الزاوي. تمت دراسة الزخم الزاوي بتفصيل في فصل الحركة الدورانية، وهنا نركز على صيغته العامة في أنظمة الجسيمات وقانون حفظه.
بالنسبة لنظام مكون من $N$ جسيمات، يكون الزخم الزاوي الكلي حول نقطة مرجعية $O$ هو:
$$
\vec{L} = \sum_{i=1}^{N} \vec{r}_i \times \vec{p}_i
$$
حيث $\vec{r}_i$ متجه موضع الجسيم $i$ بالنسبة إلى النقطة $O$.
ينص قانون الديناميكا الدورانية لأنظمة الجسيمات على أن معدل تغير الزخم الزاوي الكلي حول النقطة $O$ يساوي عزم القوى الخارجية حول هذه النقطة:
$$
\frac{d\vec{L}}{dt} = \vec{\tau}_{\text{الخارجية الكلية}}
$$
القاعدة المهمة هنا هي أن العزوم الناتجة عن القوى الداخلية بين الجسيمات تلغي بعضها بسبب قانون نيوتن الثالث، بشرط أن تكون القوى الداخلية على شكل أزواج عمل ورد فعل تقع على خط الواصل بين الجسيمين، وهي حالة شائعة في القوى المركزية مثل قوى الجذب أو التنافر بين الجسيمات.
إذن إذا كان العزم الكلي للقوى الخارجية حول نقطة معينة يساوي صفرًا، يكون الزخم الزاوي الكلي حول تلك النقطة محفوظًا:
إذا كانت $ \vec{\tau}_{\text{الخارجية الكلية}} = \vec{0} $ حول نقطة ما، فإن
$$
\vec{L} = \text{ثابت بالنسبة لتلك النقطة}
$$
يجب الانتباه إلى أن حفظ الزخم الزاوي يعتمد على اختيار النقطة أو المحور المرجعي. قد يكون العزم الكلي حول نقطة ما صفراً فيحفظ الزخم الزاوي حولها، بينما لا يكون كذلك حول نقطة أخرى.
مثال توضيحي
نعتبر كوكبًا يدور حول الشمس ونأخذ النظام "الشمس + الكوكب". إذا اعتبرنا قوى الجذب بينهما قوى داخلية في النظام، وكان تأثير الأجرام الأخرى مهملًا تقريبًا، فإن عزم القوى الخارجية حول مركز الشمس يكاد يساوي صفرًا، لهذا يكون الزخم الزاوي للكوكب حول الشمس محفوظًا تقريبًا، وهو ما يرتبط مباشرة بقوانين كبلر للحركة الكوكبية.
الطاقة الميكانيكية وحفظها
الطاقة الميكانيكية ودورها في الحركة تناقش بتفصيل في فصل الشغل والطاقة، ولكن في سياق أنظمة الجسيمات يكون الاهتمام بكيفية ارتباط الشغل الكلي للقوى الخارجية بتغير الطاقة الميكانيكية الكلية للنظام.
الطاقة الميكانيكية الكلية هي مجموع الطاقة الحركية والطاقة الكامنة لجميع الجسيمات والتآثرات بينها، ويكتب بصورة عامة:
$$
E_{\text{الميكانيكية}} = K_{\text{كلي}} + U_{\text{كلي}}
$$
هناك مبدأ عام يمكن صياغته على مستوى النظام كله:
التغير في الطاقة الميكانيكية الكلية للنظام يساوي مجموع الشغل الذي تبذله القوى غير المحافظة الخارجية والداخلية، إضافة إلى أي تحويل للطاقة إلى أشكال أخرى مثل الحرارة أو الصوت.
في الحالة المثالية حيث تكون كل القوى داخلية ومحافظة، ولا توجد احتكاكات أو تحويلات حرارية أو غيرها، ينشأ قانون حفظ الطاقة الميكانيكية:
في نظام معزول، وكل قواه محافظة، تكون الطاقة الميكانيكية الكلية محفوظة:
$$
E_{\text{الميكانيكية}} = \text{ثابت}
$$
بالنسبة لأنظمة الجسيمات، هذا يعني أن الطاقة يمكن أن تنتقل بين الجسيمات، فتزداد طاقة جسيم وتقل طاقة آخر، لكن مجموع الطاقة الميكانيكية يبقى ثابتًا في غياب التأثيرات الخارجية غير المحافظة.
مثال مختصر
في نظام مكون من كرتين متصلتين بنابض خفيف على سطح أفقي أملس، إذا أهملنا الاحتكاك وقوى الهواء، وكانت قوة النابض محافظة، فإن الطاقة الميكانيكية الكلية للنظام تبقى ثابتة. تتبادل الكرتان الطاقة الحركية والطاقة الكامنة في النابض، لكن مجموعهما يظل ثابتًا مع الزمن.
الربط بين قوانين الحفظ والتماثلات
من النظرة الحديثة للفيزياء، لا تظهر قوانين الحفظ بشكل اعتباطي، بل ترتبط بوجود "تماثلات" في القوانين التي تحكم النظام. الفكرة التفصيلية لهذا الارتباط تعالج في موضع آخر، إنما نذكر هنا جوهر العلاقة:
- حفظ الزخم الخطي يرتبط بتماثل القوانين تحت "الانتقالات في الفضاء"، أي أن نتائج التجارب لا تعتمد على مكان إجرائها.
- حفظ الزخم الزاوي يرتبط بتماثل القوانين تحت "الدوران في الفضاء"، أي أن القوانين لا تختلف إذا أدرنا نظام الإحداثيات.
- حفظ الطاقة يرتبط بتماثل القوانين تحت "الانتقالات في الزمن"، أي أن قوانين الطبيعة لا تتغير مع مرور الزمن.
هذه الرؤية تجعل قوانين الحفظ تعبيرًا عن ثبات القوانين نفسها، لا مجرد ملاحظات تجريبية معزولة.
قوانين الحفظ والأطر المرجعية
بما أن أنظمة الجسيمات يمكن أن تدرس من أطر مرجعية مختلفة، يصبح من المهم فهم سلوك الكميات المحفوظة عند الانتقال من إطار إلى آخر.
في الأطر العطالية التي تتحرك بسرعات ثابتة بعضها بالنسبة لبعض، توجد خصائص مهمة:
- إذا كان الزخم الخطي الكلي محفوظًا في إطار عطالي، سيبقى أيضًا محفوظًا في أي إطار عطالي آخر، مع تحول قيمته بما يتوافق مع تحويل السرعات بين الإطارين.
- نفس الفكرة تنطبق على الطاقة والزخم الزاوي، مع ضرورة الانتباه إلى إضافة طاقة حركة كلية مرتبطة بسرعة مركز الكتلة عند تغيير الإطار.
ما يبقى أساسيًا هو أن "وجود قانون الحفظ" لا يعتمد على الإطار العطالي المستخدم، وإن كانت القيم العددية للكميات تختلف من إطار لآخر.
قوانين الحفظ كنقطة انطلاق لحل المسائل
في أنظمة الجسيمات المعقدة التي تشمل عددًا كبيرًا من الجسيمات أو تآثرات داخلية معقدة، يكون تتبع حركة كل جسيم على حدة أمرًا شبه مستحيل. في مثل هذه الحالات تصبح قوانين الحفظ أداة أولية قوية:
- يمكن بواسطة حفظ الزخم الخطي والزخم الزاوي دراسة نتائج التصادمات والتفاعلات بين الأجسام من دون معرفة دقيقة للقوى الداخلية أو زمن حدوث التفاعل.
- باستخدام حفظ الطاقة يمكن استنتاج سرعات، وارتفاعات، وحالات نهائية من معرفة الحالات الابتدائية فقط.
- في كثير من التطبيقات، مثل حركة المراكز الكتلية، تتيح قوانين الحفظ اختزال المشكلة من نظام متعدد الجسيمات إلى جسيم مكافئ يمثل حركة مركز الكتلة.
بهذه الصورة تشكل قوانين الحفظ إطارًا موحدًا لفهم سلوك أنظمة الجسيمات، وتسمح بدراسة واسعة للطبيعة اعتمادًا على مبادئ قليلة لكنها قوية.