Table of Contents
مقدمة عن العزم في الحركة الدورانية
العزم هو الكمية التي تربط بين القوة وتأثيرها في إحداث دوران حول محور معين. في الحركة الانتقالية رأينا أن القوة تغيّر سرعة الجسم الخطية، أمّا في الحركة الدورانية فالعزم هو المسؤول عن تغيير سرعة الجسم الزاوية. في هذا الفصل سنركّز على تعريف العزم، وكيفية حسابه، وعلاقته بقوانين نيوتن في الصورة الدورانية، مع أمثلة توضح كيفية استعماله في المسائل العملية.
تعريف العزم كمتجه
تخيّل بابا مثبتا بمفصل عند أحد طرفيه. إذا دفعت الباب من مكان قريب جدا من المفصل، تجد أنّه يتحرك بصعوبة، بينما إذا دفعت من حافته البعيدة عن المفصل، يتحرك بسهولة أكبر. مع أنّ مقدار القوة قد يكون نفسه، إلا أن تأثيرها في الدوران يختلف حسب موضع تأثيرها واتجاهها. هذه الفكرة هي جوهر العزم.
رياضيًا يعرّف العزم المتجهي لقوة $\vec{F}$ مؤثرة عند نقطة موضعها $\vec{r}$ بالنسبة لمحور أو نقطة مرجعية بـ:
$$
\vec{\tau} = \vec{r} \times \vec{F}
$$
حيث $\,\times\,$ هو الضرب الاتجاهي بين المتجهات.
العزم المتجهي لقوة:
$$
\vec{\tau} = \vec{r} \times \vec{F}
$$
متجه عمودي على المستوى الذي يضم متجهي $\vec{r}$ و $\vec{F}$.
اتجاه $\vec{\tau}$ يحدد وفق قاعدة اليد اليمنى، وهو يعطي "اتجاه" دوران القوة حول المحور. بما أنّ فهم الضرب الاتجاهي سبق في جبر المتجهات والضرب الاتجاهي، نركّز هنا على ما هو خاص بالعزم.
مقدار العزم وعلاقته بالزاوية بين القوة ونصف القطر
من تعريف العزم كضرب اتجاهي نستطيع كتابة مقدار العزم:
$$
\tau = r\,F\,\sin\theta
$$
حيث:
- $r$ مقدار متجه الموضع.
- $F$ مقدار القوة.
- $\theta$ الزاوية بين المتجهين $\vec{r}$ و $\vec{F}$.
مقدار العزم لقوة مفردة:
$$
\tau = r\,F\,\sin\theta
$$
من هذه العلاقة نلاحظ عدة حقائق مهمة:
- إذا كانت القوة موازية لمتجه الموضع $\vec{r}$ أي $\theta = 0^\circ$ أو $\theta = 180^\circ$ فإن $\sin\theta = 0$ وبالتالي يكون العزم صفرا. أي أنّ قوة تمر بمحور الدوران لا تولّد دورانًا حول هذا المحور.
- إذا كانت القوة عمودية على $\vec{r}$ أي $\theta = 90^\circ$ يكون العزم أعظميا ويساوي $\tau = r F$.
- كلما ابتعد خط عمل القوة عن المحور زاد تأثيرها الدوراني.
ذراع العزم والمسافة العمودية
لتبسيط التعبير عن العزم في الكثير من المسائل نستعمل مفهوم ذراع العزم. بدلاً من التعامل مع $r$ و $\theta$ معًا، نستطيع تعريف مسافة عمودية من محور الدوران إلى خط عمل القوة.
ذراع العزم $d$ هو المسافة العمودية من محور الدوران إلى خط عمل القوة. في هذه الحالة تصبح صيغة العزم:
$$
\tau = F d
$$
باستخدام ذراع العزم:
$$
\tau = F d
$$
حيث $d$ المسافة العمودية من المحور إلى خط عمل القوة.
هذا التعبير مفيد جدًا في المسائل العملية مثل مفاتيح الشد والمفاصل والرافعات، إذ يكفي معرفة المسافة العمودية عن المحور بدلا من التفصيل في الزاوية.
مثال توضيحي:
افترض بابًا طوله $1.0\ \text{m}$ مثبتا بمفصل عند أحد طرفيه. إذا أثرت قوة مقدارها $30\ \text{N}$ عمودية على الباب عند حافته الحرة، فما مقدار العزم حول المفصل؟
المسافة العمودية من المفصل إلى خط عمل القوة هي $d = 1.0\ \text{m}$، إذًا:
$$
\tau = F d = 30 \times 1.0 = 30\ \text{N·m}
$$
إشارة العزم والاتجاه (معيار عقارب الساعة)
في المسائل ذات البعد الواحد للدوران، مثل دوران جسم حول محور ثابت عمودي على مستوى الحركة، لا نحتاج في العادة إلى تمثيل متجهي كامل للعزم، بل نستخدم إشارة موجبة أو سالبة حسب اتجاه الدوران.
يُختار عادة معيار محدد:
- العزم الذي يسبب دورانًا عكس عقارب الساعة نعتبره موجبًا.
- العزم الذي يسبب دورانًا مع عقارب الساعة نعتبره سالبًا.
هذا الاختيار هو اتفاقي لكن من المهم الالتزام به في جميع خطوات الحل في المسألة الواحدة حتى لا تختلط الإشارات.
مثال بسيط على الإشارة:
لو أثرت قوتان على نفس العصا حول محور ثابت في طرفها:
- قوة $F_1$ تسبب دورانًا عكس عقارب الساعة بعزم مقداره $4\ \text{N·m}$.
- قوة $F_2$ تسبب دورانًا مع عقارب الساعة بعزم مقداره $6\ \text{N·m}$.
باختيار عكس عقارب الساعة موجبًا يكون:
$$
\tau_{\text{محصل}} = +4 - 6 = -2\ \text{N·m}
$$
الإشارة السالبة تعني أن المحصلة تدفع الجسم للدوران في اتجاه عقارب الساعة.
عزم مجموعة قوى والعزم المحصل
كما نجمع القوى للحصول على القوة المحصلة، نجمع أيضًا العزوم للحصول على العزم المحصل حول محور معين. لكن يجب الانتباه أن العزم يعتمد على موضع تأثير القوة، لذلك:
- نفس مجموعة القوى قد تعطي عزمًا مختلفًا إذا غيّرنا محور القياس.
- قد تكون محصلة القوى صفرًا بينما يكون العزم المحصل غير صفري، والعكس صحيح.
إذا كانت لدينا قوى $\vec{F}_1, \vec{F}_2, \dots$ تؤثر عند مواضع $\vec{r}_1, \vec{r}_2, \dots$ بالنسبة لمحور أو نقطة مرجعية، فإن:
$$
\vec{\tau}_{\text{محصل}} = \sum_i \vec{\tau}_i = \sum_i \left(\vec{r}_i \times \vec{F}_i\right)
$$
في الحالات ذات البعد الواحد للدوران حول محور ثابت يكفي غالبا جمع مقادير العزوم مع مراعاة الإشارات.
العزم المحصل لمجموعة قوى:
$$
\vec{\tau}_{\text{محصل}} = \sum_i \vec{r}_i \times \vec{F}_i
$$
اختيار محور الدوران وأثره في العزم
اختيار محور الدوران ليس أمرًا اعتباطيًا، بل أداة قوية في حل المسائل. إذ يمكن اختيار المحور بحيث يختفي عزم بعض القوى حوله، وهو ما يسهل الحسابات.
أمثلة على اختيارات مفيدة للمحور:
- اختيار المحور عند نقطة تماس أو مفصل، في هذه الحالة عادة تمر قوة رد الفعل بالمحور، وبالتالي يكون عزمها صفرًا ولا تظهر في معادلة العزوم.
- اختيار محور يمر بمركز الكتلة عند دراسة دوران جسم صلب في مسائل معينة، مما يبسّط ربط العزم بطاقة الدوران والزخم الزاوي.
من المهم التأكيد أن الشروط الفيزيائية الحقيقية للجسم لا تتغير باختيارنا للمحور، لكن طريقة الحساب تصبح أبسط أو أعقد وفق هذا الاختيار.
العزم وقانون نيوتن الثاني في الصورة الدورانية
في الحركة الانتقالية يربط قانون نيوتن الثاني بين القوة المحصلة وحركة مركز الكتلة عبر التسارع الخطي. في الحركة الدورانية نستخدم علاقة مشابهة تربط العزم المحصل بتسارع الجسم الزاوي وعزم قصوره الذاتي. التفصيل الكامل لهذه العلاقة يتناول في "الصيغة الدورانية لقوانين نيوتن" و"طاقة الدوران وعزم القصور الذاتي"، لذلك نكتفي هنا بذكر الصيغة العامة التي تربط العزم بالتغير في الزخم الزاوي.
لجسم يدور حول محور ثابت نأخذ قانون نيوتن في صورته الدورانية:
$$
\vec{\tau}_{\text{محصل}} = \frac{d\vec{L}}{dt}
$$
حيث $\vec{L}$ هو الزخم الزاوي. في حالة محور ثابت وعزم قصور ذاتي ثابت $I$ فإن هذه العلاقة ترتبط مباشرة بالتسارع الزاوي للجسم، وهو ما يناقش تفصيلا في الفصول اللاحقة.
العزم المحصل والتغير في الزخم الزاوي:
$$
\vec{\tau}_{\text{محصل}} = \frac{d\vec{L}}{dt}
$$
هذه الصيغة تشبه جدا الصيغة الخطية:
$$
\vec{F}_{\text{محصلة}} = \frac{d\vec{p}}{dt}
$$
مما يبرز التناظر بين الحركة الانتقالية والحركة الدورانية.
العزم في حالة توازن الأجسام الصلبة
عند دراسة توازن الأجسام الصلبة، سواء كانت ساكنة تماما أو في حركة انتقالية منتظمة، يجب التحقق من شرطين:
- توازن قوى.
- توازن عزوم حول أي محور.
نتعامل مع توازن العزوم بطريقة تشبه إلى حد كبير توازن القوى. في حالة توازن ساكن حول محور محدد يكون العزم المحصل صفرًا:
$$
\sum_i \tau_i = 0
$$
مع الأخذ بعين الاعتبار الإشارات وذراع العزم لكل قوة. هذا الشرط شرط أساسي عند تحليل الجسور والعوارض وأجهزة الرفع والميزان ذي الكفتين، وغيرها من الأنظمة التي تخضع لتوازن دوراني.
مثال على توازن العزوم:
عصا خفيفة طولها $2\ \text{m}$ أفقية ومثبتة في منتصفها. تعلّق كتلة $m_1 = 4\ \text{kg}$ على بعد $0.5\ \text{m}$ من المركز في جهة اليمين. ما الكتلة $m_2$ التي يجب تعليقها على بعد $1.0\ \text{m}$ من المركز في جهة اليسار كي تبقى العصا في توازن دوراني؟
نختار عكس عقارب الساعة موجبًا، والمحور في المنتصف. وزن الكتلتين يعطي عزومًا متعاكسة. العزم الناتج عن $m_1$:
$$
\tau_1 = m_1 g (0.5)
$$
اتجاهه نحو الأسفل يمينًا فيسبب دورانًا مع عقارب الساعة، لذا:
$$
\tau_1 = -m_1 g (0.5)
$$
العزم الناتج عن $m_2$:
$$
\tau_2 = m_2 g (1.0)
$$
اتجاهه نحو الأسفل يسارًا فيسبب دورانًا عكس عقارب الساعة، لذا:
$$
\tau_2 = +m_2 g (1.0)
$$
شرط التوازن:
$$
\tau_1 + \tau_2 = 0 \\
-m_1 g (0.5) + m_2 g (1.0) = 0 \\
m_2 = \frac{m_1 (0.5)}{1.0} = 2\ \text{kg}
$$
العلاقة بين العزم والعمل الدوراني
يمكن ربط العزم بمفهوم الشغل عندما يسبب العزم دورانًا للجسم. عند دوران جسم صلب حول محور ثابت نتيجة تأثير عزم ثابت $\tau$ وزاوية دوران $\Delta\theta$ يكون الشغل المبذول:
$$
W = \tau \,\Delta\theta
$$
حيث تقاس الزاوية $\Delta\theta$ بالراديان. هذه العلاقة تمثل النظير الدوراني للعلاقة الخطية $W = F \, d$، وهي تمهيد ضروري عند الانتقال لبحث طاقة الدوران.
الشغل الناتج عن عزم ثابت:
$$
W = \tau \,\Delta\theta
$$
هذه الصيغة تصبح أساسًا عند ربط العزم بطاقة الدوران الحركية، وعند دراسة المحركات والأدوات الدوارة مثل المثاقب والمحركات الكهربائية.
العزم وقوى الاحتكاك في الدوران
في كثير من الأنظمة الدورانية تلعب قوى الاحتكاك دورا مهمًا في توليد العزم أو مقاومته، كالعجلات على الأسطح أو الفرامل. في هذه الحالات:
- قد تنتج عن قوة الاحتكاك عزمًا يسبب دوران الجسم مثل احتكاك الإطارات بالأرض عند تحريك السيارة.
- أو يكون دور الاحتكاك مقاومة الدوران مثل احتكاك وسادات الفرامل بالقرص الدوار.
في كلا الحالتين نحسب عزم الاحتكاك بنفس الطريقة، بقوة احتكاك مقدارها $f$ تؤثر على بعد عمودي $d$ عن المحور:
$$
\tau_{\text{احتكاك}} = f d
$$
مع تحديد إشارته حسب اتجاه الدوران الذي يسببه أو يعارضه. تأثير هذه العزوم الاحتكاكية يظهر بوضوح عند دراسة الاهتزازات المخمدة والحركة الدورانية الواقعية لاحقا.
ملخص مفاهيم العزم
العزم هو الرابط الأساسي بين القوى والحركة الدورانية. ما يميز العزم عن القوة ليس مقداره فقط بل أيضًا مكان تطبيق القوة واتجاهها بالنسبة لمحور الدوران. من خلال العزم نستطيع:
- تفسير لماذا يسهل فتح الباب من حافته البعيدة عن المفصل.
- فهم كيف تعمل المفاتيح والرافعات والأذرع الميكانيكية.
- تحليل توازن الأجسام الصلبة المركبة.
- ربط القوى بالحركة الدورانية كما ربطناها سابقًا بالحركة الانتقالية.
في الفصول التالية حول "طاقة الدوران وعزم القصور الذاتي" و"الصيغة الدورانية لقوانين نيوتن" و"الزخم الزاوي" سنستفيد من مفهوم العزم بشكل أعمق، ونرى كيف يتكامل مع هذه الكميات ليعطي وصفًا كاملا للحركة الدورانية للأجسام الصلبة.