Kahibaro
Discord Login Register

طاقة الدوران وعزم القصور الذاتي

تمهيد

في هذه المرحلة من دراسة الحركة الدورانية، نكون قد تعرفنا على المفاهيم الكينماتيكية الزاوية وعلى العزم بوصفه الكمية الديناميكية المرتبطة بالدوران. في هذا الفصل نركّز على جانبين مترابطين مخصوصين بالحركة الدورانية، طاقة الدوران، وعزم القصور الذاتي. سنرى كيف يكون لعزم القصور الذاتي دور مشابه للكتلة في الحركة الخطية، وكيف تتوزع الطاقة الحركية في جسم يدور حول محور ما.

تشابه بين الحركة الخطية والدورانية

في الحركة الخطية نستخدم الكتلة $m$ لقياس "ممانعة" الجسم لتغيير سرعته الخطية. وفي الحركة الدورانية نحتاج إلى كمية تقيس ممانعة الجسم لتغيير سرعته الزاوية. هذه الكمية هي "عزم القصور الذاتي" ويُرمز له غالبًا بـ $I$.

في الحركة الخطية، الطاقة الحركية لجسم كتلته $m$ يتحرك بسرعة $v$ هي
$$
K = \frac{1}{2} m v^{2}.
$$

في الحركة الدورانية حول محور ثابت، توجد علاقة مماثلة بين طاقة الدوران والسرعة الزاوية $\omega$, ولكن مع استبدال الكتلة بـ $I$ والسرعة الخطية بالسرعة الزاوية.

$$
K_{\text{دوران}} = \frac{1}{2} I \omega^{2}.
$$

هذه الصيغة هي التعريف العملي لطاقة الدوران لجسم صلب يدور حول محور ثابت بسرعة زاوية $\omega$.

تعريف عزم القصور الذاتي لجسيم واحد

نبدأ من أبسط حالة، جسيم واحد كتلته $m$ يدور في مسار دائري حول محور ثابت بحيث يكون بعده العمودي عن المحور مساويا لـ $r$.

تعريف عزم القصور الذاتي لجسيم نقطي هو

$$
I = m r^{2}.
$$

كلما كان الجسيم أبعد عن المحور، زادت مساهمته في عزم القصور الذاتي. هذه الفكرة ستتعمم لاحقا على الأجسام الممتدة.

مثال بسيط
جسيم كتلته $2\,\text{kg}$ يقع على دائرة نصف قطرها $0.5\,\text{m}$ حول محور الدوران. عندها يكون
$$
I = m r^{2} = 2 \times (0.5)^{2} = 2 \times 0.25 = 0.5\,\text{kg·m}^{2}.
$$
إذا ضاعفنا نصف القطر إلى $1\,\text{m}$ مع نفس الكتلة، يصبح
$$
I = 2 \times 1^{2} = 2\,\text{kg·m}^{2}.
$$
نلاحظ أن مضاعفة البعد زادت عزم القصور أربعة أضعاف لأن $I$ يتناسب مع $r^{2}$.

عزم القصور الذاتي لمنظومة من جسيمات

إذا كان لدينا عدة جسيمات كتلتها $m_i$ وتبعد مسافات عمودية $r_i$ عن محور دوران معيّن، فإن عزم القصور الذاتي الكلي هو مجموع عزم كل جسيم.

$$
I = \sum_{i} m_{i} r_{i}^{2}.
$$

هذا التعريف مجرّد جمع مباشر لمساهمات جميع الجسيمات. استخدامه أساسي في الانتقال من الجسيم الواحد إلى الأجسام الممتدة التي يمكن اعتبارها مجموع عدد كبير من الجسيمات الصغيرة.

عزم القصور الذاتي لجسم ممتد والتعبير باستخدام التكامل

الأجسام الصلبة الحقيقية ليست مجرد عدد محدود من الجسيمات المنفصلة، بل يمكن اعتبارها توزيعًا مستمرًا للكتلة. في هذه الحالة نستبدل مجموع الجسيمات بتكامل على الجسم كله.

نقسّم الجسم إلى عناصر صغيرة جدًا من الكتلة $dm$, كل عنصر يبعد مسافة عمودية $r$ عن محور الدوران. عندها يصبح التعريف العام لعزم القصور الذاتي

$$
I = \int r^{2}\, dm.
$$

هذا التكامل يُجرى على كامل الجسم، مع الانتباه إلى كيفية توزيع الكتلة داخله. أحيانا نستخدم كثافة خطية أو سطحية أو حجمية للكتلة من أجل التعبير عن $dm$ بدلالة الإحداثيات الملائمة، ولكن تفاصيل هذه التقنيات تُتناول في فصول أخرى من المساق.

أمثلة قياسية على عزوم القصور الذاتي

في الممارسة، تُستخدم صيغ جاهزة لعزم القصور الذاتي لأجسام ذات أشكال متماثلة بسيطة بالنسبة لمحاور معينة. هذه الصيغ مشتقة من التكامل العام السابق وتُعتبر أدوات أساسية في مسائل الحركة الدورانية.

قضيب رفيع يدور حول محور يمر بطرفه

نعتبر قضيبًا طوله $L$ وكتلته الكلية $M$، كثافته خطية ثابتة، والمحور عمودي على القضيب ويمر بأحد طرفيه. في هذه الحالة يكون عزم القصور الذاتي

$$
I_{\text{قضيب عن طرفه}} = \frac{1}{3} M L^{2}.
$$

قضيب رفيع يدور حول محور يمر بمنتصفه

إذا بقي القضيب نفسه لكن المحور صار مارًا بمركزه الهندسي وعموديًا عليه، يكون

$$
I_{\text{قضيب عن مركزه}} = \frac{1}{12} M L^{2}.
$$

نلاحظ أن تغيير موضع المحور يؤثر بشدة في قيمة $I$, وهو ما يفسر أهمية اختيار المحور في المسائل.

قرص مصمت رقيق أو اسطوانة مصمتة حول محور تماثلها

لأسطوانة مصمتة أو قرص رقيق نصف قطره $R$ وكتلته $M$, عندما يكون محور الدوران هو محور التماثل المار عبر مركزه عموديًا على سطح القرص يكون

$$
I_{\text{قرص مصمت}} = \frac{1}{2} M R^{2}.
$$

حلقة رفيعة أو طوق رفيع

لطوق رفيع نصف قطره $R$ وكتلته $M$, مع دوران حول محور يمر بمركز الحلقة وعمودي على مستواها، تكون جميع النقاط تقريبًا على نفس البعد $R$ من المحور. عندها

$$
I_{\text{حلقة رفيعة}} = M R^{2}.
$$

هذه القيمة أكبر من قيمة قرص مصمت له نفس الكتلة ونصف القطر، لأن الكتلة في الطوق متركزة بعيدًا عن المحور أكثر مما في القرص.

مقارنة قرص وحلقة
لنأخذ قرصًا مصمتًا وطوقًا رفيعًا لهما نفس الكتلة $M$ ونصف القطر $R$ ويدوران حول المحور نفسه.
للقرص
$$
I_{\text{قرص}} = \frac{1}{2} M R^{2}.
$$
للطوق
$$
I_{\text{حلقة}} = M R^{2}.
$$
إذًا
$$
I_{\text{حلقة}} = 2 I_{\text{قرص}}.
$$
هذا يعني أن تسريع الطوق دورانيًا أصعب من القرص، إذا كانت نفس العزوم مطبقة عليهما.

ربط طاقة الدوران بالحركة الخطية لنقاط الجسم

كل نقطة في جسم صلب يدور حول محور ثابت تتحرك حركة دائرية ذات نصف قطر $r$ وسرعة خطية $v$. توجد علاقة بين السرعة الخطية والسرعة الزاوية هي
$$
v = \omega r.
$$

إذا اعتبرنا الجسم مركبًا من جسيمات، فإن الطاقة الحركية الكلية هي مجموع طاقات هذه الجسيمات. للجسيم $i$ كتلة $m_i$ وسرعته $v_i$, نجد

$$
K = \sum_{i} \frac{1}{2} m_i v_i^{2}.
$$

باستخدام العلاقة $v_i = \omega r_i$ يصبح

$$
K = \sum_{i} \frac{1}{2} m_i (\omega r_i)^{2}
= \frac{1}{2} \omega^{2} \sum_{i} m_i r_i^{2}.
$$

ولكن مجموع $m_i r_i^{2}$ هو تعريف $I$, لذا نحصل على

$$
K = \frac{1}{2} I \omega^{2}.
$$

هذا الاشتقاق يوضح أن طاقة الدوران ليست مجرد تعريف معزول، بل تنبع مباشرة من تجميع طاقات الجسيمات المكوِّنة للجسم.

طاقة الدوران مع انتقال مركز الكتلة

في كثير من المسائل الواقعية لا يكون الجسم في حالة دوران فقط، بل يجمع بين حركة انتقالية لمركز كتلته وحركة دورانية حول مركز الكتلة أو حول محور آخر. في هذه الحالة يمكن التعبير عن الطاقة الحركية الكلية بوصفها مجموع مساهمتين.

إذا تحرك مركز الكتلة بسرعة خطية $v_{\text{CM}}$، ودار الجسم حول محور ممرت بمركز الكتلة بسرعة زاوية $\omega$, يكون شكل الطاقة الحركية

$$
K_{\text{كلية}} = \frac{1}{2} M v_{\text{CM}}^{2} + \frac{1}{2} I_{\text{CM}} \omega^{2}.
$$

حيث $M$ هي الكتلة الكلية و $I_{\text{CM}}$ هو عزم القصور الذاتي المحسوب حول محور يمر بمركز الكتلة. هذه الصيغة مهمة جدًا لتحليل حركات مثل التدحرج، ولكن التفاصيل الكاملة لتطبيقاتها تُترَك للفصول المختصة.

مثال نوعي
تخيل أسطوانة مصمتة تتدحرج دون انزلاق على سطح أفقي. مركز كتلتها يتحرك بسرعة $v_{\text{CM}}$, وفي نفس الوقت تدور بسرعة زاوية $\omega$ مرتبطة بشرط عدم الانزلاق. الطاقة الحركية الكلية ليست طاقة انتقالية فقط وليست طاقة دورانية فقط، بل مجموع الاثنتين كما في الصيغة السابقة.

تفسير فيزيائي لعزم القصور الذاتي

من التعريفات والصيغ السابقة يمكن تكوين حدس عن معنى عزم القصور الذاتي. هذه بعض النقاط التفسيرية الأساسية.

أولًا، عزم القصور الذاتي يعتمد على الكتلة وعلى كيفية توزعها حول المحور. جسمان متساويا الكتلة يمكن أن يكون لهما عزوم قصور مختلفة جدًا إذا اختلف توزيع الكتلة. تركيز الكتلة بعيدًا عن المحور يزيد $I$, بينما تركيزها قرب المحور يقلله.

ثانيًا، عزم القصور الذاتي هو مقياس لممانعة الجسم لتغيير حالته الدورانية. إذا طبقنا نفس العزم على جسمين لهما نفس السرعة الزاوية الابتدائية، فإن الجسم ذي عزم القصور الأكبر سيتسارع أو يتباطأ بمعدل زاوي أقل. هذا يشبه تمامًا تأثير الكتلة في الحركة الخطية.

ثالثًا، لعزم القصور الذاتي دور أساسي في تخزين الطاقة. باستخدام $K = \frac{1}{2} I \omega^{2}$ نرى أن الأجسام ذات عزم قصور كبير يمكنها تخزين كمية كبيرة من طاقة الدوران عند نفس السرعة الزاوية مقارنة بأجسام ذات عزم قصور أصغر. لهذا السبب تُستخدم العجلات الطيارة في بعض الآلات لادخار طاقة دورانية.

ملاحظة نوعية على الأمان
في الأجهزة الدوارة السريعة، مثل أقراص التخزين أو شفرات التوربين، يمكن أن تكون الطاقة المخزنة في الدوران كبيرة جدًا، حتى إن توقّفها الفجائي قد يتطلب عزومًا كبيرة جدًا أو يسبب كسورًا في المواد إذا لم تُصمَّم لتحمل هذه العزوم. تفسير ذلك يعود مباشرة إلى العلاقة بين $I$, $\omega$ وطاقة الدوران.

الاعتماد على اختيار المحور

من الجوانب المهمة لعزم القصور الذاتي أنه ليس خاصية مطلقة للجسم وحده، بل خاصية مشتركة للجسم مع محور معين. لجسم واحد يمكن حساب عزوم قصور مختلفة باختلاف المحور المستخدم.

لذلك، في أي مسألة في الحركة الدورانية يجب تحديد المحور بوضوح عند ذكر قيمة $I$. الفصول القادمة التي تتناول مبرهنة المحور الموازي وحركة التدحرج توضح كيف يمكن الانتقال بين عزوم القصور حول محاور مختلفة بطريقة منظمة، وكيف يؤثر ذلك في الطاقة الحركية وخصائص الحركة.

طاقة الدوران ومبرهنة الشغل والطاقة

في الدراسة العامة للشغل والطاقة نجد أن الشغل المبذول بواسطة القوة يغير الطاقة الحركية. في النسخة الدورانية من هذه الفكرة، الشغل المبذول بواسطة عزم معين يغير طاقة الدوران للجسم.

إذا أثّر عزم محصلة $\tau$ ثابت على جسم صلب يدور حول محور ثابت، وجعل سرعته الزاوية تتغير من $\omega_{1}$ إلى $\omega_{2}$، فإن الشغل الدوراني المبذول يساوي التغير في طاقة الدوران

$$
W_{\text{دوراني}} = \Delta K_{\text{دوران}}
= \frac{1}{2} I \omega_{2}^{2} - \frac{1}{2} I \omega_{1}^{2}.
$$

هذه العلاقة تجعل من طاقة الدوران أداة مريحة لتحليل المسائل، خصوصًا عندما يصعب تتبّع التفاصيل الزمنية للتسارع الزاوي.

خلاصة

في هذا الفصل تم التركيز على مفهومين متلازمين في الحركة الدورانية. عزم القصور الذاتي الذي يقيس مقاومة الجسم لتغيير حالته الدورانية ويعتمد على توزيع الكتلة حول المحور, وطاقة الدوران التي تأخذ الشكل $K = \frac{1}{2} I \omega^{2}$ وتشكل النظير الدوراني للطاقة الحركية الخطية. فهم هاتين الكميتين ضروري للانتقال إلى الصيغ الدورانية لقوانين نيوتن والزخم الزاوي وحفظه، إضافة إلى تحليل واسع لمسائل الحركة الدوارة والتدحرج في بقية فصول الميكانيكا.

Views: 6

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!