Table of Contents
تمهيد عن الدوران حول محور ثابت
في هذا الفصل نركّز على حالة خاصة ومهمة من حركة الأجسام الصلبة, وهي عندما يدور الجسم حول محور واحد ثابت في الفضاء. في هذه الحالة تكون جميع النقاط في الجسم تصف دوائر متمركزة حول هذا المحور, ويُختَزل وصف الحركة إلى كمية زاوية واحدة هي الإزاحة الزاوية حول هذا المحور.
المحور الثابت قد يكون محورًا ماديًا يمر عبر الجسم, مثل محور دولاب سيارة متصل بمحور معدني, أو محورًا تخيليًا ثابتًا في الفضاء يمر عبر الجسم, مثل دوران الأرض حول محورها. المهم أنّ المحور لا يغيّر اتجاهه في الفضاء ولا يتحرك انتقالياً أثناء دراسة الحركة.
هذه الحالة هي أبسط حالات الحركة الدورانية للأجسام الصلبة, وتشكّل تمهيدًا لفهم الحركة العامة للأجسام الصلبة التي تتضمن انتقالًا ودورانًا معًا, وكذلك لفهم الظواهر المرتبطة بالدوران مثل حركة التدحرج ومبرهنة المحور الموازي.
وصف الحركة في الدوران حول محور ثابت
في الدوران حول محور ثابت, يمكن وصف موضع أي نقطة من الجسم عن طريق بعدها العمودي عن المحور وزاوية الدوران. إذا اعتبرنا محور الدوران هو محور $z$, فإن أي نقطة في الجسم تبعد مسافة $r$ عن المحور وتدور معه بزاوية $\theta(t)$ مشتركة, فتكون إحداثياتها في المستوى العمودي على المحور:
$$
x(t) = r \cos\theta(t), \quad y(t) = r \sin\theta(t)
$$
تتميز هذه الحركة بأن الزاوية $\theta(t)$ هي نفسها لجميع النقاط في الجسم, لكن السرعات الخطية تختلف باختلاف البعد عن المحور. فكلما ابتعدت النقطة عن محور الدوران زادت سرعتها الخطية.
تُستخدم في وصف هذه الحركة الكميات الزاوية التي سبق تعريفها في الكينماتيكا الزاوية, مثل الموضع الزاوي, السرعة الزاوية $\omega$, والتسارع الزاوي $\alpha$. في الدوران حول محور ثابت, تكون جميع المتجهات الزاوية موازية للمحور نفسه.
السرعة والتسارع لنقاط الجسم
لكل نقطة من الجسم سرعة خطية تعتمد على بعدها عن المحور. إذا كان الجسم يدور بسرعة زاوية مقدارها $\omega$, فإن نقطة تبعد مسافة $r$ عن المحور تملك سرعة خطية مقدارها
$$
v = \omega r
$$
واتجاه هذه السرعة يكون مماسًا لمسار الدائرة التي تتحرك عليها النقطة. بالنسبة للتسارع, يمكن أن يكون هناك مركبتان, واحدة مماسية نتيجة تغيّر سرعة الدوران, وأخرى مركزية نتيجة تغيّر اتجاه السرعة.
إذا كان التسارع الزاوي هو $\alpha$, فإن مقدار التسارع المماسي لنقطة تبعد مسافة $r$ عن المحور يكون
$$
a_{\text{مماسي}} = \alpha r
$$
أما التسارع المركزية (العمودي على السرعة, نحو المحور) فمقداره
$$
a_{\text{مركزي}} = \omega^2 r
$$
بهذا نرى أن النقاط الأبعد عن محور الدوران تتعرّض لتسارع أكبر سواء مماسياً أو مركزياً, ما يفسّر العديد من الظواهر العملية مثل قوّة الشد الأكبر على الحافة الخارجية لقرص يدور بسرعة عالية.
طاقة الحركة في الدوران حول محور ثابت
في الحركة الدورانية حول محور ثابت, تتوزّع السرعة على النقاط المختلفة وفقًا لبعدها عن المحور. لذلك لا تكفي معرفة سرعة زاوية واحدة لوصف الطاقة الحركية إلا إذا أخذنا توزيع الكتلة بالنسبة للمحور في الحسبان. هذا يقود إلى مفهوم عزم القصور الذاتي الذي يتم تناوله بالتفصيل في فصل الديناميكا الدورانية.
مع ذلك, من المفيد هنا أن نلاحظ أن طاقة الحركة للجسم الصلب في حالة دوران حول محور ثابت يمكن التعبير عنها بدلالة السرعة الزاوية وتوزيع الكتلة. بالنسبة لعنصر كتلة صغير $dm$ على بعد $r$ من المحور, طاقته الحركية هي
$$
dK = \frac{1}{2} dm \, v^2 = \frac{1}{2} dm \, (\omega^2 r^2)
$$
وبجمع هذه العناصر على كامل الجسم نحصل على صيغة تعتمد على الكمية التي تُعرَف بعزم القصور الذاتي حول المحور.
$$
K = \frac{1}{2} I \omega^2
$$
حيث $I$ هو عزم القصور الذاتي للجسم بالنسبة لمحور الدوران الثابت.
هذه الصيغة تشبه تمامًا صيغة الطاقة الحركية للحركة الانتقالية $K = \frac{1}{2} m v^2$ مع استبدال $m$ بـ $I$ و $v$ بـ $\omega$. الفرق أن $m$ خاصية للجسم ككل مستقلة عن المحور, بينما $I$ يعتمد على توزيع الكتلة بالنسبة للمحور المحدد.
مثال توضيحي مختصر
اعتبر قرصًا صلبًا متجانسًا يدور حول محور يمر بمركزه وعمودي على سطحه بسرعة زاوية ثابتة. النقاط القريبة من المركز تتحرك بسرعات خطية صغيرة, بينما النقاط عند الحافة تتحرك بأكبر سرعة خطية. مع ذلك, يمكن وصف طاقة الحركة للديسك كله بالصيغة المختصرة $K = \frac{1}{2} I \omega^2$, بدل جمع طاقات جميع العناصر الصغيرة من الكتلة نقطة نقطة.
القوى والعزوم في حالة محور ثابت
في الحركة الدورانية حول محور ثابت, تكون القوى الفاعلة على الجسم مرتبة بطريقة تضمن بقاء المحور ثابتًا في الفضاء. غالبًا ما يقوم المحور نفسه بتوليد قوى رد فعل داخلية تمنع الجسم من الانتقال, بحيث تصبح النتيجة النهائية حركة دورانية خالصة.
القوى التي لا تمر بمحور الدوران تولد عزومًا حول هذا المحور, والعزم هو الكمية المسؤولة عن إحداث تغيّر في الحركة الدورانية. في حالة محور ثابت, يكفي دراسة مركّبة العزم حول هذا المحور فقط, لأن الحركة حول المحاور الأخرى ممنوعة بفعل القيود الميكانيكية.
في هذا السياق تنشأ العلاقة بين محصلة العزوم حول المحور وتسارع دوران الجسم, والتي يتم تقديمها بشكل عام في الصيغة الدورانية لقوانين نيوتن. في حالة محور ثابت تأخذ هذه العلاقة شكلًا مبسّطًا لأن محور الدوران لا يتغيّر اتجاهه, ولا يوجد انتقال لمركز الكتلة مرتبط بالدوران.
يُساعد ثبات المحور على تجزئة المسألة, فنفصل بين مسألة التوازن أو الحركة الانتقالية لمركز الكتلة ومسألة الدوران حول المحور نفسه. في العديد من الأجهزة الميكانيكية يتم تثبيت المحور بتحمّله لقوى رد فعل كبيرة, بينما تؤثر القوى الخارجية على بقية أجزاء الجسم لتنتج عزمًا حول هذا المحور.
الشروط الهندسية لبقاء المحور ثابتًا
لكي يبقى المحور ثابتًا في الفضاء, لا بد أن تتحقق شروط هندسية معينة تتعلق بالقوى والعزوم. بشكل نوعي, يمكن القول إن الدوران حول محور ثابت يتطلب ما يلي.
أولًا, القيود الميكانيكية عند المحور يجب أن تمنع الحركة الانتقالية للجسم في جميع الاتجاهات العمودية والطولية بالنسبة للمحور. يحدث هذا عادة في المحامل ومحاور الدوران التي تتيح حرية الدوران حول المحور, لكنها تمنع الانزلاق أو الانحراف عن مساره.
ثانيًا, يجب أن تكون المحصلة النهائية للعزوم التي تميل إلى تغيير اتجاه المحور إما معدومة أو متزنة بواسطة عزوم رد فعل عند نقاط التثبيت. وإلا فسيتعرّض المحور نفسه لحركة معقدة, ولن يبقى ثابتًا في الفضاء.
ثالثًا, إذا وُجدت قوى لا تمر عبر المحور, فيجب أن يكون تأثيرها الصافي إحداث دوران حول هذا المحور فقط, لا حول محاور أخرى. يتحقق هذا إما بتموضع القوى في مستويات عمودية على المحور أو بتوازن مركّبات العزوم حول المحاور الأخرى.
هذه الشروط لا تُدرَس عادة بشكل مستقل في المسائل البسيطة, بل تُضمَّن ضمن فرضية أن الجسم مقيد بحيث يدور حول محور ثابت. لكن فهمها مفيد عند الانتقال إلى الحركة العامة للأجسام الصلبة, وعند تحليل الأجهزة الحقيقية التي قد لا يكون فيها المحور ثابتًا تمامًا.
مثال نوعي
مروحة سقف تدور حول محور ثابت تقريبًا يمر بمركزها ومثبت في السقف. المحامل المعدنية في السقف تمنع مركز المروحة من الحركة الجانبية أو العمودية, ولا تسمح إلا بالدوران حول المحور الرأسي. أي عدم توازن في توزيع الكتلة أو في القوى المؤثرة يمكن أن يؤدي إلى اهتزازات صغيرة تعني أن المحور لم يعد ثابتًا تمامًا, فتظهر حركة معقدة أكثر من دوران بسيط حول محور ثابت.
الربط مع حركة التدحرج ومبرهنة المحور الموازي
فهم الدوران حول محور ثابت ضروري لفهم حركة التدحرج التي تجمع بين حركة انتقالية لمركز الكتلة ودوران حول محور يلازم الجسم. في التدحرج النقي يمكن النظر إلى الحركة بالنسبة للأرض كدوران حول محور متحرك, لكن بالنسبة لمركز الكتلة نرى نوعًا من الدوران حول محور ثابت يمر بمركز الجسم. لذا يكون التعامل مع طاقة الحركة وكتلة الجسم في التدحرج مبنيًا على مفاهيم هذا الفصل.
أيضًا, حين نغيّر المحور الذي ندرس الدوران حوله, نحتاج إلى ربط عزم القصور الذاتي للمحور الجديد بعزم القصور لمحور يوازيه. هذا هو موضوع مبرهنة المحور الموازي, التي تُعتبر امتدادًا طبيعيًا لدراسة الدوران حول محور ثابت, إذ تبين كيف تتغيّر صفة الدوران للجسم إذا نقلنا المحور مع بقائه ثابتًا في الفضاء.
بهذا تكون حالة الدوران حول محور ثابت حجر الأساس لفهم كل من مذهبي الطاقة والزخم الزاوي في الأجسام الصلبة, وللانتقال لاحقًا إلى الحركة العامة والديناميكا الدورانية في صورها الأكثر تعقيدًا.