Kahibaro
Discord Login Register

ديناميكا الأجسام الصلبة

تمهيد إلى ديناميكا الأجسام الصلبة

ديناميكا الأجسام الصلبة تهتم بدراسة كيف تتحرك الأجسام التي نعاملها على أنها صلبة، تحت تأثير القوى وعزوم القوى. في الفصول السابقة عن الحركة الدورانية درست الكينماتيكا الزاوية وطاقة الدوران وعزم القصور الذاتي والزخم الزاوي، أي كيف نصف الحركة عندما تكون معطاة. في هذا الفصل ننتقل إلى السؤال: كيف تنتج هذه الحركة عن القوى المؤثرة، وكيف نربط بين القوى وعزومها وبين حركة الجسم الصلب، خاصة عندما يجمع بين الانتقال والدوران.

في هذا السياق يكون الجسم الصلب مجموعة ضخمة من الجسيمات المترابطة التي لا تتغير المسافات بينها في الزمن. هذا الافتراض يبسّط تحليل الحركة بشكل كبير، ويتيح تعريفات مثل محور الدوران ومركز الكتلة وعزم القصور الذاتي، التي استُخدمت سابقًا، لكنه يسمح لنا الآن بكتابة قوانين حركة شبيهة بقوانين نيوتن للجسيمات، ولكن مواءَمة للأجسام الممتدة.

درجات الحرية ووصف حركة الجسم الصلب

الجسم المادي في الواقع قد يتشوه ويتمدّد وينضغط، لكن الجسم الصلب المثالي لا يملك حرية تشوه، بل يملك فقط حرية حركة في الفضاء. لكي نحدد وضع جسم صلب في الفضاء ثلاثي الأبعاد نحتاج:

  1. لتحديد موضع نقطة مرجعية فيه عادة مركز الكتلة، وهذا يتطلب ثلاثة إحداثيات.
  2. لتحديد كيفية دوران الجسم حول هذه النقطة، وهذا يتطلب ثلاث زوايا مستقلة.

إذًا وضع جسم صلب في الفضاء يحتاج في العموم إلى ست درجات حرية. التغير في هذه المتغيرات الستة مع الزمن يعطي الحركة العامة: انتقال لمركز الكتلة، ودوران للجسم حول مركز كتلته. في الفصول اللاحقة عن "الدوران حول محور ثابت" و"الحركة العامة للأجسام الصلبة" سيتم تفصيل هذه الجوانب، لكن في هذا الفصل نركّز على الربط الديناميكي بين القوى وعزومها من جهة، وحركة مركز الكتلة والدوران من جهة أخرى.

قوانين نيوتن للأجسام الصلبة في صورة مجمعة

قوانين نيوتن للحركة صيغت أساسًا للجسيمات، لكن يمكن تعميمها للأجسام الصلبة باستعمال مفهوم "نظام الجسيمات" الذي تمت دراسته في فصل "حركة أنظمة الجسيمات". الجسم الصلب هو حالة خاصة من نظام الجسيمات، إذ تكون القوى الداخلية فيه محكومة بقيود تحافظ على ثبات المسافات.

عند جمع معادلات الحركة لكل جسيم داخل جسم صلب، مع استخدام مفاهيم مركز الكتلة والزخم الخطي والزخم الزاوي، نحصل على صورتين أساسيتين لحركة الجسم الصلب:

  1. معادلة الحركة الانتقالية لمركز الكتلة، وهي لا تختلف عن حالة الجسيم النقطي.
  2. معادلة الحركة الدورانية حول مركز الكتلة أو حول محور معلوم.

هاتان المعادلتان هما جوهر ديناميكا الأجسام الصلبة، وتسمحان بفصل الكثير من المسائل إلى جزء انتقالي وجزء دوراني، مع الانتباه إلى أن هذا الفصل ليس دائمًا مستقلًا تمامًا، لكنه يكون مفيدًا في عدد كبير من التطبيقات العملية.

معادلة انتقال مركز الكتلة

تبيّن في فصل "حركة أنظمة الجسيمات" أن مجموع القوى الخارجية على نظام من الجسيمات مسؤول عن حركة مركز الكتلة. هذه النتيجة تأخذ شكلاً بسيطًا جدًا عند التعامل مع جسم صلب، إذ يمكن النظر إلى الجسم بأكمله كما لو كان جسيمًا ذا كتلة كلية $M$ متركزة في مركز الكتلة.

معادلة حركة مركز الكتلة لجسم صلب:
$$
\vec{F}_{\text{المحصلة}} = M \vec{a}_{\text{cm}}
$$
حيث $M$ كتلة الجسم الكلية، و $\vec{a}_{\text{cm}}$ تسارع مركز الكتلة.

هذه المعادلة تخبرنا أن كل القوى الداخلية التي تشد أجزاء الجسم الصلب بعضها إلى بعض لا تؤثر في حركة مركز الكتلة. الوحيد الذي يهم هو القوى الخارجية المحصلة. لذلك ففي كثير من المسائل يمكن تجاهل التفاصيل الدقيقة لتوزيع الكتلة ومعرفة مركز الكتلة فقط، كي نحسب مسار الجسم ككل.

مثال توضيحي مختصر
كرة تتدحرج من منحدر. يمكن وصف حركة مركز كتلة الكرة باستخدام المعادلة
$$
\vec{F}_{\text{موازية للمستوى}} = M \vec{a}_{\text{cm}}
$$
حيث تعبر $\vec{F}_{\text{موازية للمستوى}}$ عن مركبة الوزن الموازية للمستوى ناقص أي قوى احتكاك أو مقاومة أخرى. تفاصيل الدوران الداخلي حول مركز الكتلة لا تغير هذه العلاقة لموضع مركز الكتلة كجسيم.

في الأمثلة الأكثر تعقيدًا سيتفاعل الجزء الانتقالي مع الجزء الدوراني من خلال قوى مثل الاحتكاك أو القوى الموزعة، لكن معادلة مركز الكتلة نفسها تبقى صحيحة دائمًا.

معادلة الحركة الدورانية العامة

في فصل "الديناميكا الدورانية" تم تقديم العلاقة بين العزم والتسارع الزاوي حول محور معيّن في حالة الدوران حول محور ثابت. في ديناميكا الأجسام الصلبة نحتاج إلى نسخة أكثر عمومية من هذه المعادلة، تأخذ في الحسبان أن محور الدوران قد لا يكون ثابتًا وأن الجسم قد يدور حول أكثر من محور في الوقت نفسه.

نقطة الانطلاق هي تعريف العزم المحصل للقوى حول نقطة مرجعية معيّنة، غالبًا مركز الكتلة. بالنسبة لجسم صلب يمكن كتابة العزم المحصل الخارجي حول مركز الكتلة على الصورة

$$
\vec{\tau}_{\text{ext, cm}} = \frac{d \vec{L}_{\text{cm}}}{dt}
$$

حيث $\vec{L}_{\text{cm}}$ الزخم الزاوي للجسم المقاس بالنسبة إلى مركز كتلته. هذه العلاقة هي الصيغة العامة لقانون نيوتن الثاني في الحركة الدورانية.

الصيغة العامة لقانون نيوتن الثاني للدوران:
$$
\vec{\tau}_{\text{المحصلة}} = \dfrac{d \vec{L}}{dt}
$$
المقيسة بالنسبة إلى نقطة معينة أو محور معين، بشرط حساب $\vec{\tau}$ و $\vec{L}$ بالنسبة إلى النقطة نفسها.

في الحالات البسيطة التي يكون فيها محور الدوران ثابتًا، ويكون عزم القصور الذاتي ثابتًا حول هذا المحور، يمكن أن نستخدم الصيغة المألوفة التي تربط العزم بالتسارع الزاوي مباشرة. لكن في الحركة العامة ثلاثية الأبعاد قد يصبح $\vec{L}$ غير موازي للسرعة الزاوية $\vec{\omega}$، ويتطلب الأمر استعمال مفاهيم أكثر تقدمًا مثل مصفوفة عزم القصور الذاتي، وهي موضوع يتناول بالتفصيل عادة في مراحل متقدمة.

في هذا الفصل يكفي أن ندرك أن العزم المحصل للقوى الخارجية هو العامل المسؤول عن تغيير الزخم الزاوي للجسم الصلب، وأن عزم القصور الذاتي يلعب دور "الكتلة الدورانية" التي تقاوم تغيير حالة الدوران.

تجزئة الحركة إلى انتقال ودوران

من الخصائص المهمة لديناميكا الأجسام الصلبة أنه يمكن غالبًا تحليل حركة الجسم إلى جزأين:

  1. حركة انتقالية لمركز الكتلة كما لو كان جسيمًا.
  2. حركة دورانية للجسم حول مركز كتلته.

من الناحية الرياضية يمكن كتابة الزخم الخطي والزخم الزاوي الكليين للجسم على شكل مجموع مساهمات الانتقال والدوران. هذه الفكرة تُبسط تحليل الكثير من المسائل، خصوصًا عندما توجد قيود تجعل مركز الكتلة يتحرك بطريقة يمكن التنبؤ بها، بينما تتحدد الحركة الدورانية من عزوم القوى.

عند دراسة "الحركة العامة للأجسام الصلبة" في فصل لاحق، سيتم توظيف هذه التجزئة لحل مسائل عملية مثل حركة الأجسام المقذوفة مع دوران، أو حركة العجلات المتدحرجة من دون انزلاق.

مثال تصوّري
لو ألقيت عصًا في الهواء بحيث تدور حول مركز كتلتها، فإن مركز الكتلة نفسه يتحرك في مسار قطع مكافئ كما لو كانت العصا جسيمًا واحدًا. في الوقت نفسه تدور العصا حول مركز كتلتها بفعل العزم الذي أعطي لها عند الرمي. جزء الانتقال لا يعتمد على تفاصيل دوران العصا، وجزء الدوران لا يغير مسار مركز الكتلة ما دامت القوى الخارجية هي نفسها.

هذه الاستقلالية الجزئية بين الانتقال والدوران إحدى أبرز خصائص ديناميكا الأجسام الصلبة، وتشبه إلى حد ما الاستقلالية بين الحركة الأفقية والعمودية في حركة المقذوفات.

القوى الموزعة والاتصال الميكانيكي

بعكس الجسيم النقطي الذي نتصوره صغيرًا جدًا، يتعرض الجسم الصلب غالبًا إلى قوى موزعة على سطحه أو في حجمه، مثل ضغط الأرض على صندوق، أو ضغط الهواء على جناح طائرة، أو الشد على محور عجلة. في ديناميكا الأجسام الصلبة لا نهتم عادة بكل قوة جزئية على حدة، بل بما تعطيه هذه القوى مجتمعة من:

  1. قوة محصلة مكافئة تؤثر في مركز الكتلة، وتحدد حركة الانتقال.
  2. عزم محصل حول مركز الكتلة أو حول محور معين، يحدد حركة الدوران.

يمكن استبدال مجموعة من القوى الموزعة بنظام مكافئ مكون من قوة واحدة محصلة وعزم محصل حول نقطة مختارة، وتُستخدم هذه الفكرة كثيرًا في مسائل الأجسام الصلبة، خاصة في تطبيقات الهندسة والإنشاءات والآلات.

في الحالة الساكنة حيث لا توجد حركة، يقودنا هذا إلى "الاتزان" الذي لا يُبحث هنا تفصيليًا، لكن نفس المبادئ تطبق عندما يكون الجسم في حالة حركة، مع اختلاف أن العزوم والقوى المحصلة لا تكون صفرًا بل تعطي تسارعات خطية وزاوية.

الطاقة في حركة الأجسام الصلبة

في الفصول السابقة تم تعريف الطاقة الحركية للجسيم والطاقة الحركية للدوران. في ديناميكا الأجسام الصلبة نجمع هذين المفهومين للحصول على التعبير الكامل للطاقة الحركية لجسم صلب في حركة عامة تجمع بين انتقال ودوران.

يمكن إثبات أن الطاقة الحركية الكلية لجسم صلب تساوي مجموع طاقتين:

  1. طاقة حركية انتقالية تساوي طاقة جسيم كتلته $M$ يتحرك بسرعة مركز الكتلة.
  2. طاقة حركية دورانية للجسم حول مركز كتلته.

طاقة الحركة لجسم صلب في حركة عامة:
$$
K = \frac{1}{2} M v_{\text{cm}}^{2} + \frac{1}{2} I_{\text{cm}} \omega^{2}
$$
في الحالة التي يدور فيها الجسم حول محور رئيسي ثابت مارّ بمركز الكتلة، حيث $I_{\text{cm}}$ عزم القصور الذاتي حول ذلك المحور، و $\omega$ السرعة الزاوية حوله.

في الحالات الأكثر تعقيدًا التي لا يكون فيها محور الدوران محورًا رئيسيًا مفردًا، يتطلب التعبير العام استخدام صيغ مصفوفية، لكن في هذا المستوى نركّز على المواقف التي يمكن فيها اعتبار الحركة الدورانية حول محور واضح ومحدد.

هذا التحليل للطاقة سيُستخدم في فصول لاحقة لتطبيق مبدأ حفظ الطاقة على أنظمة تحوي أجسامًا صلبة دوّارة، مثل الأجسام المتدحرجة أو الأجهزة الميكانيكية البسيطة.

قوى التقييد والاتصال بالأرض

من السمات الخاصة في مسائل الأجسام الصلبة وجود نقاط أو خطوط أو أسطح تلامس أو تعلق فيها الأجسام، مثل محور دوران عجلة، أو مفصل باب، أو سطح أرض يتدحرج فوقه جسم. في هذه الحالات تظهر "قوى تقييد" تفرضها الجهات التي تمسك بالجسم أو تلامسه. هذه القوى غالبًا غير معروفة مسبقًا، ويتم إيجادها باستخدام معادلات الحركة مع شروط الحركة المفروضة.

في ديناميكا الأجسام الصلبة نتعامل مع هذه القوى على أنها قوى خارجية قد تكون موزعة أو متمركزة في نقاط معيّنة. المهم أن نميز بينها وبين القوى الداخلية داخل الجسم نفسه، والتي لا تدخل في حساب محصلة القوى وعزومها على النظام ككل.

هذا المفهوم يصبح أساسيًا في الفصول الفرعية مثل "الدوران حول محور ثابت" حيث تقوى تيارات العزم وردود الفعل في المحاور، وفي "الحركة العامة للأجسام الصلبة" حيث تتحد قيود التلامس بالمستويات مع الاحتكاك لتنتج أنواعًا مختلفة من الحركة مثل التدحرج من دون انزلاق.

قوانين الحفظ في ديناميكا الأجسام الصلبة

لأن الجسم الصلب مجموعة من الجسيمات، فإن قوانين الحفظ التي درست في الفصول السابقة تبقى صحيحة، لكن لها صيغ خاصة عند تطبيقها على الأجسام الصلبة في حالة حركة:

  1. حفظ الزخم الخطي لمركز الكتلة عندما تكون محصلة القوى الخارجية صفرًا.
  2. حفظ الزخم الزاوي حول نقطة معيّنة عندما يكون العزم الخارجي المحصل حول تلك النقطة صفرًا.
  3. حفظ الطاقة الميكانيكية عندما تكون القوى محافظة أو عندما يكون الشغل غير المحافظ مهملًا.

هذه القوانين ستكون أدوات قوية لحل مسائل الأجسام الصلبة خصوصًا عندما يكون من الصعب تتبع التفاصيل الزمنية الكاملة للحركة. باستخدام قوانين الحفظ يمكن أحيانًا إيجاد سرعات أو طاقات نهائية من دون حل معادلات الحركة التفصيلية.

مثال مبدئي باستخدام حفظ الزخم الزاوي
إذا اصطدم جسيم صغير بجسم صلب قابل للدوران حول محور ثابت، بعيدًا عن المحور، يمكن استخدام حفظ الزخم الزاوي حول المحور نفسه (عندما لا توجد عزوم خارجية مهمة) لإيجاد السرعة الزاوية للجسم الصلب بعد التصادم، من دون تتبع القوة اللحظية أثناء التصادم. تفاصيل هذا النوع من التطبيقات ستكون في فصل "الزخم الزاوي" وما بعده، لكنها تعتمد على مبادئ ديناميكا الأجسام الصلبة الموضوعة هنا.

موقع هذا الفصل ضمن البنية العامة للميكانيكا

الفصل الحالي يرسم الإطار العام الذي تُبنى عليه الفصول الفرعية اللاحقة. في "الدوران حول محور ثابت" سيتم تبسيط الصورة إلى حالة محور واحد ثابت، مما يسمح بحل عدد كبير من المسائل العملية. في "الحركة العامة للأجسام الصلبة" سيتم الانتقال إلى الحالات الأكثر تعقيدًا حيث تمتزج الحركة الانتقالية والدورانية في وقت واحد.

الهدف من هذا الفصل هو أن يصبح القارئ معتادًا على فكرة أن قوانين نيوتن يمكن تطبيقها على أجسام ممتدة، بشرط استخدام مفاهيم كلية مثل مركز الكتلة، والقوة المحصلة، والعزم المحصل، والزخم الزاوي الكلي. بهذه اللغة الموحَّدة يمكن التعامل بسلاسة مع الأجسام الصلبة سواء كانت أبوابًا دوّارة أو عجلات أو كرات متدحرجة أو أجسامًا تدور في الفضاء.

Views: 6

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!