Kahibaro
Discord Login Register

حفظ الزخم الزاوي

معنى حفظ الزخم الزاوي

في هذا الفصل نركّز على فكرة مركزية في الحركة الدورانية هي فكرة حفظ الزخم الزاوي. في الفصول السابقة من هذا الباب تم تعريف الزخم الزاوي نفسه، وكيف نحسبه للجسيم وللجسم الصلب، وكيف يرتبط بالعزم. هنا نهتم بالحالة الخاصة التي يكون فيها الزخم الزاوي ثابتًا في الزمن، أي محفوظًا، ولماذا يحدث ذلك، وما النتائج المدهشة التي تترتب عليه في الطبيعة.

مبدأ الحفظ يظهر في الميكانيكا في أكثر من صورة، مثل حفظ الطاقة وحفظ الزخم الخطي، وهنا نضيف إليها حفظ الزخم الزاوي في الظروف المناسبة. هذا المبدأ هو الذي يفسر لنا سلوك المتزلجة التي تدور بسرعة أعلى عندما تضم ذراعيها، وسلوك الكواكب في مداراتها، وحتى عمل الجيروسكوبات.

الشرط الأساسي لحفظ الزخم الزاوي

القاعدة العامة تربط بين تغيّر الزخم الزاوي والعزم المحصّل. إذا أخذنا جسيمًا أو نظامًا من الجسيمات، فإن العلاقة الأساسية هي

$$
\frac{d\vec{L}}{dt} = \vec{\tau}_{\text{المحصَّل}}
$$

حيث $\vec{L}$ هو الزخم الزاوي للنظام بالنسبة لنقطة معيّنة، و$\vec{\tau}_{\text{المحصَّل}}$ هو العزم الكلي للقوى الخارجية المؤثرة في النظام بالنسبة لنفس النقطة.

من هذه العلاقة نستنتج على الفور قاعدة الحفظ، فإذا كان العزم المحصّل الخارجي مساويًا للصفر، فإن مشتقة الزخم الزاوي بالنسبة للزمن تساوي الصفر، أي أن الزخم الزاوي لا يتغير مع الزمن.

إذا كان
$$
\vec{\tau}_{\text{الخارجي, المحصَّل}} = \vec{0}
$$
فإن
$$
\frac{d\vec{L}}{dt} = 0 \quad \Rightarrow \quad \vec{L} = \text{ثابت في الزمن}
$$

إذًا الشرط الجوهري لحفظ الزخم الزاوي هو انعدام العزم الخارجي المحصّل حول النقطة أو حول المحور الذي ندرس الحركة بالنسبة له. يمكن أن تكون القوى الخارجية موجودة ولكن يكون عزمها الكلي مساويًا للصفر، وفي هذه الحالة يبقى الزخم الزاوي محفوظًا.

من المهم أن نلاحظ أن اختيار نقطة الإسناد أو المحور له دور أساسي. قد يكون العزم الخارجي صفرًا حول نقطة معينة وليس صفرًا حول نقطة أخرى، فيُحفظ الزخم الزاوي حول الأولى ولا يُحفظ حول الثانية. لهذا يجب دائمًا أن نحدد "حول ماذا" نتحدث عندما نقول إن الزخم الزاوي محفوظ.

الأنظمة المعزولة ومحور الدوران

عندما نقول إن نظامًا ما "معزول" دورانيًا، نعني أن العزم الخارجي المحصّل المؤثر فيه مهمل أو يساوي صفرًا تقريبًا. هذا لا يعني عدم وجود قوى خارجية تمامًا بل يعني أن هذه القوى لا تولّد عزمًا صافيًا يذكر حول المحور الذي نهتم به.

على سبيل المثال إذا دار جسم حول محور يمر بمركز ثقله تحت تأثير قوى داخلية فقط، فإن عزوم القوى الداخلية تتبادل داخل النظام وتتلاشى فيما بينها، بينما العزم الخارجي المحصّل يكون صفرًا تقريبًا، فيُحفظ الزخم الزاوي حول هذا المحور.

في التطبيقات العملية، نعتبر الزخم الزاوي محفوظًا عندما يكون العزم الخارجي صغيرًا جدًا مقارنة بمقادير الأزمان التي ندرسها، بحيث يكون تأثيره في التغيّر الكلي للزخم الزاوي مهملًا.

الصيغة العددية لحفظ الزخم الزاوي في الحركة المحورية

في كثير من المسائل يهمنا فقط مقدار الزخم الزاوي حول محور ثابت. إذا كان الجسم صلبًا يدور حول محور ثابت، ويمثل $I$ عزم القصور الذاتي حول هذا المحور، و$\omega$ السرعة الزاوية حوله، فإن الزخم الزاوي يعطى بالعلاقة

$$
L = I \omega
$$

عندما يكون العزم الخارجي المحصّل حول هذا المحور مساويًا للصفر، فإن الزخم الزاوي حوله يبقى ثابتًا. في هذه الحالة نكتب علاقة الحفظ بشكل عددي بسيط بين الحالة الابتدائية والحالة النهائية

$$
L_{\text{ابتدائي}} = L_{\text{نهائي}}
\quad \Rightarrow \quad
I_1 \, \omega_1 = I_2 \, \omega_2
$$

هذه العلاقة تعبر عن أن أي تغيير في عزم القصور الذاتي للنظام حول المحور يجب أن يقابله تغيير في السرعة الزاوية بحيث يبقى حاصل ضربهما ثابتًا، ما دام العزم الخارجي المحصّل معدومًا.

أمثلة فيزيائية على حفظ الزخم الزاوي

من الناحية المفهومية، مبدأ الحفظ يبدو مجردًا، لذلك نوضح معناه من خلال ظواهر معروفة.

المتزلجة التي تضم ذراعيها

متزلجة على الجليد تدور حول نفسها، في البداية تمد ذراعيها فتكون متوزعة الكتلة بعيدًا عن المحور، فيكون عزم القصور الذاتي $I_1$ كبيرًا نسبيًا والسرعة الزاوية الابتدائية $\omega_1$ محددة. عندما تضم ذراعيها إلى الجسم، تقترب الكتلة من المحور فينقص عزم القصور الذاتي إلى قيمة $I_2$ أقل.

إذا كانت قوى الاحتكاك مع الجليد صغيرة جدًا بحيث يكون العزم الخارجي حول محور الدوران مهملًا، فيُحفظ الزخم الزاوي

$$
I_1 \omega_1 = I_2 \omega_2
$$

وبما أن $I_2 < I_1$ فلا بد أن تكون $\omega_2 > \omega_1$ حتى يبقى حاصل الضرب ثابتًا، أي أن المتزلجة تبدأ بالدوران بسرعة أكبر وهي في وضع الذراعين المضمومتين.

مثال عددي مبسط
افترض أن متزلجة لها في البداية عزم قصور ذاتي $I_1 = 4 \, \text{kg m}^2$ وتدور بسرعة زاوية $\omega_1 = 1 \, \text{rad/s}$. ثم ضمت ذراعيها فصار عزم القصور $I_2 = 2 \, \text{kg m}^2$. إذا أهملنا أي عزم خارجي
$$
I_1 \omega_1 = I_2 \omega_2
\Rightarrow 4 \times 1 = 2 \times \omega_2
\Rightarrow \omega_2 = 2 \, \text{rad/s}
$$
سرعة الدوران تضاعفت لأن عزم القصور انخفض إلى النصف.

دوران الكواكب واقترابها من الشمس

في الحركة المدارية، إذا أهملنا تأثير الأجرام الأخرى، فإن العزم الخارجي على كوكب حول الشمس يساوي صفرًا تقريبًا، لأن قوة الجذب المركزي الموجهة نحو الشمس تمر تقريبًا بمحور الدوران حول الشمس، فيكون عزمها حول هذا المحور صغيرًا أو يلغى في نموذج ثنائي الجسم.

بهذا يكون الزخم الزاوي المداري للكوكب محفوظًا تقريبًا. لذلك عندما يكون الكوكب في نقطة أقرب إلى الشمس في مداره الإهليلجي، فإن نصف قطر المدار $r$ يكون أصغر، فيجب أن تكون السرعة المدارية $v$ أكبر، لتحافظ على مقدار الزخم الزاوي

$$
L = m r v \approx \text{ثابت}
$$

هذا المبدأ مرتبط أيضًا بقانون كبلر الثاني الذي يصف المساحات المتساوية في أزمنة متساوية.

انكماش السديم إلى نجم

في علم الفلك، عند تشكل النجوم من سحب غازية ضخمة، قد يكون هناك دوران بطيء أصلي. عندما تنكمش السحابة تحت تأثير الجاذبية إلى حجم أصغر بكثير، ينخفض عزم القصور الذاتي بشكل هائل، وبما أن العزم الخارجي الكلي على السحابة محدود، فإن الزخم الزاوي الكلي يتغير ببطء شديد أو يبقى محفوظًا تقريبًا.

نتيجة ذلك تزداد السرعة الزاوية كثيرًا، فيصبح النجم الفتي سريع الدوران مقارنة بالسحابة الأولية. المبدأ نفسه يفسر السرعات الدورانية العالية للنجوم النيوترونية، التي تنشأ عن انكماش هائل لكتلة كبيرة إلى حجم صغير جدًا.

التحويل بين الأجسام داخل نظام معزول

من المهم أن نلاحظ أن الزخم الزاوي في نظام معزول يمكن أن ينتقل بين أجزائه من دون أن يتغير المجموع الكلي. أي أن جسما قد يفقد جزءًا من زخمه الزاوي فيكتسبه جسم آخر داخل النظام نفسه، بشرط ألا يكون هناك عزم خارجي محصّل.

مثال شائع هو شخصان واقفان على منصة دوارة عديمة الاحتكاك نسبيًا، يقوم أحدهما بدفع الآخر في الاتجاه المماسي، فيدور كل منهما في اتجاه معاكس. مجموع الزخم الزاوي للجسمين بالنسبة لمركز المنصة يبقى صفرًا كما كان في البداية، على الرغم من أن كلًا منهما صار يمتلك زخمًا زاويًا غير صفري.

بهذا المعنى يشبه حفظ الزخم الزاوي حفظ الزخم الخطي، إذ يمكن أن يتبادل الزخم بين أجزاء النظام من دون أن يتغير المجموع الكلي.

التعبير المتجهي لحفظ الزخم الزاوي

إلى الآن ركزنا غالبًا على مقدار الزخم الزاوي، ولكن الزخم الزاوي متجه، وبالتالي فإن حفظه يعني ثبات متجهته كاملة، مقدارًا واتجاهًا، في غياب العزم الخارجي.

من المعادلة المتجهية

$$
\frac{d\vec{L}}{dt} = \vec{\tau}_{\text{الخارجي}}
$$

إذا كان $\vec{\tau}_{\text{الخارجي}} = \vec{0}$، فإن $\vec{L}$ متجه ثابت. في هذه الحالة تبقى جهة محور الدوران ثابتة في الفضاء ولا يحدث ما يسمى "سبق" أو "ترنح" للمحور بسبب قوى خارجية.

إذا وُجد عزم خارجي، فإن متجه الزخم الزاوي سيتغير في الاتجاه والمقدار حسب اتجاه العزم. في بعض الحالات يكون العزم عموديًا على $\vec{L}$، فيتغير اتجاه الزخم الزاوي مع ثبات مقداره تقريبًا، وهذا ما يحدث في ظاهرة سبق الجيروسكوب التي يتم تناولها في فصول لاحقة.

تطبيقات حسابية على حفظ الزخم الزاوي

في المسائل القياسية التي تتعلق بالدوران المحوري، نستفيد من قانون الحفظ لتحديد السرعة الزاوية بعد تغيّر توزيع الكتلة.

في أبسط حالة، ننظر إلى جسم صلب أو نظام من الأجسام يدور حول محور ثابت، بحيث يمكن إهمال أي عزم خارجي حول هذا المحور أثناء العملية. عندئذ نستخدم

$$
I_1 \omega_1 = I_2 \omega_2
$$

حيث الحالة 1 هي قبل التغيير في شكل الجسم أو توزيع كتلته، والحالة 2 هي بعده. أحيانًا يكون $I_1$ و $I_2$ مجموعي عزوم قصور عدة أجسام بالنسبة إلى المحور نفسه، فنحسب لكل جزء عزم قصوره ثم نجمعها.

مثال مبسط لمنصة دوارة وشخص
شخص يقف فوق منصة أفقية يمكنها الدوران بحرية تقريبًا حول محورها العمودي، ومعه ثقلان في يديه. في البداية يبسط يديه في مستوى أفقي فتكون الأثقال بعيدة عن المحور. في هذا الوضع يكون عزم القصور الكلي للنظام منصة زائد شخص زائد الأثقال مساويًا مثلًا إلى $I_1$، والسرعة الزاوية الابتدائية $\omega_1$.
إذا قرّب الأثقال من جسمه، فإن عزم القصور الذاتي للنظام ينخفض إلى $I_2 < I_1$. بافتراض أن محصلة العزم الخارجي حول المحور مهملة في الفترة الزمنية لهذه الحركة، فإن
$$
I_1 \omega_1 = I_2 \omega_2
$$
ومن ثم نحسب $\omega_2$ بسهولة إذا عرفنا $I_1$ و $I_2$.

في مسائل أكثر تعقيدًا، نحتاج إلى التعامل مع الزخم الزاوي في صورته المتجهية أو مع توزيع مستمر للمادة، لكن المبدأ نفسه يظل قائمًا: في غياب العزم الخارجي المحصّل، الزخم الزاوي الكلي محفوظ.

العلاقة مع التناظر الدوراني

هناك ارتباط عميق بين قوانين الحفظ وبين تناظرات الطبيعة. في الميكانيكا المتقدمة، وباستخدام مبادئ ميكانيكا لاغرانج وهاملتون، يمكن البرهنة على أن حفظ الزخم الزاوي يرتبط مباشرة بالتناظر الدوراني للقوانين الفيزيائية.

بصورة مبسّطة، إذا كانت قوانين الحركة لا تتغير عندما ندير النظام كله حول محور معيّن بزاوية ما، أي إذا كانت الطبيعة "لا تهتم" باتجاه إسناد معيّن، فإن هناك كمية فيزيائية مرتبطة بهذا التناظر تبقى محفوظة، وهي في هذه الحالة الزخم الزاوي المرتبط بذلك المحور.

هذا الارتباط بين الحفظ والتناظر يعطي مبدأ حفظ الزخم الزاوي مكانة خاصة، فهو لا يعتمد فقط على التجربة والمشاهدة، بل يمكن اعتباره نتيجة مباشرة لبنية القوانين الفيزيائية نفسها.

متى لا يُحفظ الزخم الزاوي؟

لكي لا يكون مبدأ الحفظ مصدر التباس، من المهم توضيح الظروف التي لا يمكننا فيها استخدامه. إذا وُجد عزم خارجي محصّل غير مهمل حول المحور الذي ندرسه، فإن الزخم الزاوي سيتغير مع الزمن بمعدل معيّن.

على سبيل المثال، لو أن منصة دوارة يتعرض محورها لاحتكاك قوي في المحمل، فإن قوة الاحتكاك تؤدي إلى عزم خارجي يعاكس اتجاه الدوران، فينخفض مقدار الزخم الزاوي مع الزمن ويتباطأ الدوران حتى يتوقف. في هذه الحالة لا نستطيع اعتبار الزخم الزاوي محفوظًا.

بشكل عام، عند التعامل مع أي مسألة، يجب أولًا أن نفحص العزوم الخارجية المؤثرة حول المحور أو النقطة التي نهتم بها. إذا استطعنا أن نبرر إهمالها، نستفيد من قانون حفظ الزخم الزاوي. وإذا كانت كبيرة، نعود إلى العلاقة العامة

$$
\frac{d\vec{L}}{dt} = \vec{\tau}_{\text{الخارجي}}
$$

ونتعامل مع المسألة كديناميكا دورانية خاضعة لعزوم خارجية.

خلاصة المفهوم

مبدأ حفظ الزخم الزاوي يقول إن الزخم الزاوي الكلي لنظام معزول دورانيًا يبقى ثابتًا في المقدار والاتجاه. هذا يعني أن أي تغيير في توزيع الكتلة أو في شكل النظام، ما دام لا يصاحبه عزم خارجي محصّل، يجب أن يرافقه تغير في السرعة الزاوية بطريقة مضبوطة بحيث يظل الزخم الزاوي الكلي ثابتًا.

هذا المبدأ يفسر سلوكًا واسع الانتشار، من دوران الأجسام الصغيرة في المختبر إلى دوران النجوم والمجرات في الكون، ويعد من أهم الأدوات المفاهيمية والحسابية في دراسة الحركة الدورانية والأنظمة الفيزيائية المعقدة.

Views: 6

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!