Kahibaro
Discord Login Register

تأثير دوبلر

مقدمة عن تأثير دوبلر

تأثير دوبلر ظاهرة فيزيائية مهمة ترتبط بالموجات عندما يكون هناك حركة نسبية بين المصدر والمراقب. هذه الظاهرة لا تخص نوعًا معينًا من الموجات، بل تظهر مع الموجات الصوتية والكهرومغناطيسية مثل الضوء، ومع أي نوع من الموجات التي درست من قبل، ولكن التعبيرات الرياضية قد تختلف بحسب سرعة انتشار الموجة مقارنة بسرعة المصدر أو المراقب.

الفكرة الجوهرية في تأثير دوبلر هي أن التردّد والطور كما يقاسان من قبل مراقب متحرك يختلفان عما يقاسه مراقب ساكن بالنسبة إلى المصدر، مع أن المصدر نفسه قد ينتج موجة بتردد ثابت في إطار حركته الخاص.

الفكرة الفيزيائية لتأثير دوبلر

عندما يتحرك المصدر باتجاه المراقب، تضيق المسافات بين الجبهات الموجية المتتالية في الفضاء أمامه، فيُلاحظ المراقب طول موجي أصغر وترددًا أكبر من التردد الأصلي للمصدر. وعندما يتحرك بعيدًا عنه، يحدث العكس، يزداد الطول الموجي وتتناقص قيمة التردد المقاس.

هذه الصورة الهندسية تنطبق على الأمواج في الوسط مثل الصوت، حيث تتحرك جبهات الموجة خلال وسط مادي بسرعة ثابتة تقريبًا، بينما يتحرك المصدر داخل نفس الوسط. أما في حالة الضوء في الفراغ، فالوضع أعمق بعض الشيء، لأن سرعة انتشار الضوء ثابتة بالنسبة لجميع الأطر العطالية، ويستلزم ذلك استعمال النسبية الخاصة للحصول على صيغة دوبلر النسبية الصحيحة عند السرعات العالية.

تعريف رياضي عام لتأثير دوبلر

يمكن وصف تأثير دوبلر على مستوى التردد بالعلاقة العامة

$$
f_{\text{مرصود}} \neq f_{\text{مصدر}}
$$

حيث $f_{\text{مصدر}}$ هو التردد الذي يطلقه المصدر في إطاره الخاص و $f_{\text{مرصود}}$ هو التردد الذي يقيسه المراقب المتحرك نسبيًا إلى المصدر. الاختلاف بين هذين الترددين يعتمد على السرعات النسبية، وعلى اتجاه الحركة بالنسبة لاتجاه انتشار الموجة، وعلى ما إذا كان الحديث عن موجات في وسط مادي أو موجات مثل الضوء في الفراغ.

العنصر الفيزيائي الحاسم هو المركّبة على خط النظر للسرعة النسبية بين المصدر والمراقب. الحركة العمودية تمامًا على اتجاه انتشار الموجة لا تؤدي إلى تأثير دوبلر تقليدي في التردّد.

تأثير دوبلر للموجات الصوتية في وسط ساكن

افتراضات النموذج

في وصف دوبلر للموجات الصوتية سنفترض أن الوسط المادي (هواء مثلًا) ساكن بالنسبة إلى مرجع ما، وأن سرعة الصوت في هذا الوسط ثابتة وتساوي $v$. يمكن أن يتحرك المصدر أو المراقب أو كلاهما ضمن هذا الوسط، بسرعات أقل بكثير من $v$ حتى نبتعد عن التعقيدات مثل موجات الصدمة.

تردد المصدر في إطاره الخاص هو $f_s$، فيصدر موجة بطول موجي في الوسط الهادئ يساوي

$$
\lambda_s = \frac{v}{f_s}
$$

لكن التردد المقاس من قبل المراقب سوف يتغيّر عند وجود الحركة النسبية.

حالة المصدر المتحرك والمراقب الساكن

عندما يكون المراقب ساكنًا في الوسط، والمصدر يتحرك بسرعة $v_s$ على طول خط النظر، تختلف المسافة بين الجبهات الموجية المتتالية في اتجاه الحركة مقارنةً بالوضع الساكن. الزمن بين نبضتين (دورتين) يبقى $T_s = \frac{1}{f_s}$ في إطار المصدر، لكن في الوسط تتراص أو تتباعد الجبهات بسبب حركة المصدر خلال هذه المدة.

إذا تحرك المصدر باتجاه المراقب، تقل المسافات بين الجبهات، فينخفض الطول الموجي الفعلي أمامه ويزداد التردد المقاس. أما إذا ابتعد المصدر عن المراقب، يزداد الطول الموجي ويقل التردد المقاس.

العلاقة العامة في هذه الحالة هي

إذا كان الوسط ساكنًا والمراقب ساكنًا والمصدر يتحرك بسرعة $v_s$ على امتداد خط النظر، يكون التردد المرصود
$$
f_{\text{مرصود}} = \frac{v}{v \mp v_s} \, f_s
$$
الإشارة السالبة في المقام عندما يتحرك المصدر باتجاه المراقب (فيزداد التردد)، والإشارة الموجبة عندما يبتعد عن المراقب (فيقل التردد).

يمكن إعادة التعبير عن ذلك من خلال الطول الموجي المعدَّل أمام المصدر وخلفه، مع الحفاظ على ثبات سرعة انتشار الصوت في الوسط.

مثال عددي بسيط
سيارة إسعاف تُصدر صفارة بتردد $f_s = 700 \,\text{Hz}$، وسرعة الصوت في الهواء $v = 340 \,\text{m/s}$. تتحرك السيارة مباشرة باتجاه مراقب ساكن بسرعة $v_s = 20 \,\text{m/s}$.
باستخدام العلاقة
$$
f_{\text{مرصود}} = \frac{v}{v - v_s} f_s
$$
نجد
$$
f_{\text{مرصود}} = \frac{340}{340 - 20} \times 700 \approx \frac{340}{320} \times 700 \approx 744 \,\text{Hz}
$$
أي أن المراقب يسمع نغمة أعلى من النغمة الأصلية. عندما تمر السيارة وتبتعد، تُستبدل الإشارة ويصبح المقام $v + v_s$ فينخفض التردد إلى قيمة أقل من $700 \,\text{Hz}$.

حالة المراقب المتحرك والمصدر الساكن

في هذه الحالة المصدر ثابت في الوسط، فيصدر موجة بتردد $f_s$ وطول موجي ثابت $\lambda_s = \frac{v}{f_s}$. التغيير يأتي من أن المراقب نفسه يتحرك في الوسط، فيُلاقي جبهات الموجة بمعدل مختلف عن الوضع الساكن.

عندما يتحرك المراقب بسرعة $v_o$ في وسط ساكن باتجاه مصدر ساكن، يكون التردد المرصود
$$
f_{\text{مرصود}} = \left(\frac{v \pm v_o}{v}\right) f_s
$$
الإشارة الموجبة في البسط عندما يتحرك المراقب باتجاه المصدر فيزداد التردد المرصود، والإشارة السالبة عندما يبتعد فينخفض التردد.

هنا تبقى الأطوال الموجية في الوسط نفسها، ولكن عدد الجبهات التي يقطعها المراقب في كل ثانية يتغير لأنه يتحرك عبر الوسط.

الحالة العامة لمصدر ومراقب متحركين

عندما يتحرك كل من المصدر والمراقب في وسط ساكن، يمكن دمج التأثيرين معًا للحصول على صيغة واحدة تجمع تأثير حركة المراقب وتأثير حركة المصدر.

في وسط ساكن، مع مصدر يتحرك بسرعة $v_s$ ومراقب يتحرك بسرعة $v_o$ على خط النظر، يكون التردد المرصود
$$
f_{\text{مرصود}} = \frac{v \pm v_o}{v \mp v_s} \, f_s
$$
في البسط، نختار الإشارة الموجبة إذا كان المراقب يتحرك باتجاه المصدر، والسالبة إذا كان يتحرك مبتعدًا عنه. في المقام، نضع الإشارة السالبة عندما يتحرك المصدر باتجاه المراقب، والموجبة عندما يبتعد عنه.

هذه الصيغة توضح أن تأثير دوبلر الصوتي في وسط ساكن يعتمد على السرعات بالنسبة إلى الوسط، وليس فقط على السرعة النسبية بين المصدر والمراقب.

تأثير دوبلر والسرعة النسبية على خط النظر

في الأمثلة السابقة افترضنا أن الحركة تتم على خط مستقيم يربط بين المصدر والمراقب. لكن في حالات كثيرة، يتحرك المصدر أو المراقب في مسارات مائلة أو منحنية بالنسبة إلى اتجاه انتشار الموجة. عندئذ لا يكفي استعمال السرعة الكاملة، بل يجب أخذ مركّبتها على خط النظر فقط.

إذا كانت السرعة الشعاعية بين المصدر والمراقب تساوي $v_r$ وهي المركبة على اتجاه الخط الواصل بينهما، يُستبدل $v_s$ و $v_o$ في العلاقات السابقة بالمركبات المناسبة على خط النظر. بهذا الشكل يصبح تأثير دوبلر مسألة متجهات، حيث يتم إسقاط السرعات على اتجاه الانتشار.

تأثير دوبلر في الموجات الكهرومغناطيسية

في الموجات الكهرومغناطيسية مثل الضوء، لا يوجد وسط مادي بالمعنى الكلاسيكي لتنطبق عليه صيغة الصوت السابقة. سرعة الضوء في الفراغ ثابتة وتساوي $c$ في جميع الأطر العطالية كما تقرره النسبية الخاصة، ولذلك يلزم استخدام صيغة دوبلر نسبية خاصة عندما تكون السرعات كبيرة مقارنة بـ $c$.

تأثير دوبلر النسبي في الاتجاه الطولي

إذا كان المصدر والمراقب يتحركان على خط واحد تقريبًا، وكانت السرعة النسبية بينهما $v$، يكون تردد الضوء المرصود مختلفًا عما يرسله المصدر وفق علاقة نسبية تعبر عن تمدد الزمن وتأثير تحويلات لورنتز.

في النسبية الخاصة، لتأثير دوبلر الطولي لموجة ضوئية، يكون التردد المرصود
$$
f_{\text{مرصود}} = f_s \sqrt{\frac{1 \pm \beta}{1 \mp \beta}}
$$
حيث
$$
\beta = \frac{v}{c}
$$
تؤخذ الإشارة العلوية عندما يقترب المصدر والمراقب من بعضهما، فيزداد التردد، وتؤخذ الإشارة السفلية عندما يبتعدان، فينخفض التردد.

هذه العلاقة تختلف عن العلاقة الكلاسيكية، لكنها تصبح متقاربة معها عندما تكون السرعات صغيرة بحيث يكون $\beta \ll 1$. في هذه الحالة تتحول النتيجة تقريبًا إلى إضافة تصحيح بسيط على التردد يتناسب خطيًا مع السرعة النسبية.

انزياح دوبلر والتطبيقات الفلكية

في علم الفلك، غالبًا ما يُعبّر عن تأثير دوبلر في الضوء من خلال انزياح الطول الموجي نحو الأحمر أو الأزرق. عندما يقترب مصدر الضوء من الراصد، يُرى الطيف منزاحًا نحو الأطوال الموجية الأقصر (الأزرق)، وعندما يبتعد يُرى منزاحًا نحو الأطوال الموجية الأطول (الأحمر).

يُعرّف انزياح دوبلر في الطول الموجي غالبًا بالكمية

$$
z = \frac{\lambda_{\text{مرصودة}} - \lambda_{\text{مصدر}}}{\lambda_{\text{مصدر}}}
$$

حيث يكون $z < 0$ لانزياح نحو الأزرق و $z > 0$ لانزياح نحو الأحمر. في حدود السرعات الصغيرة يمكن ربط $z$ تقريبًا بالسرعة النسبية عبر علاقة خطية، بينما في السرعات العالية يجب استخدام الصيغ النسبية الكاملة.

مثال فلكي
إذا كانت مجرة بعيدة تبدي خطوط طيف منزوحة بحيث
$$
z = 0.01
$$
هذا يعني أن الأطوال الموجية المرصودة أطول بنسبة 1 في المئة من الأطوال الأصلية الصادرة في إطار المجرة. عند السرعات الصغيرة تقريبًا، يمكن تقدير السرعة الابتعادية من العلاقة التقريبية
$$
v \approx z c
$$
فينتج
$$
v \approx 0.01 \, c \approx 3 \times 10^6 \,\text{m/s}
$$
وهذا يعطي للراصد تقديرًا لسرعة ابتعاد المجرة عنه مستخدمًا فقط ظاهرة دوبلر.

تأثير دوبلر والتذبذب في الزمن

تأثير دوبلر لا يقتصر على التفسير الهندسي في الفضاء، بل يمكن فهمه أيضًا من خلال التوقيت. فالموجة عبارة عن اهتزاز دوري في الزمن، والتردد هو عدد الدورات في الثانية كما تقاس عند المراقب.

عندما يكون هناك حركة نسبية، فإن الفترات الزمنية بين وصول جبهات الموجة إلى المراقب لا تطابق الزمن الدوري الأصلي الذي تولده المنظومة في إطارها الخاص. هذا الاختلاف في الفترات الزمنية يعطي الاختلاف في التردد المقاس. في الحالة النسبية، ينضاف إلى هذا التأثير الهندسي تأثير تمدد الزمن، إذ إن الساعات في الإطار المتحرك لا تقيس الزمن بنفس سياق الساعات في الإطار الآخر، فيظهر تأثير دوبلر كمزيج من تغيرات في الترتيب الزمني للأحداث واستطالة الزمن في الأطر المتحركة.

تطبيقات عملية وتأثيرات ملحوظة

في الحياة اليومية

من الأمثلة المألوفة جدًا لتأثير دوبلر ما يُسمع عند مرور مركبة ذات صافرة مستمرة بالقرب من شخص واقف. يسمع الشخص نغمة حادة عندما تقترب المركبة ثم يشعر بانخفاض مفاجئ للنغمة عندما تمر وتبدأ بالابتعاد. هذا التغير الحاد عند لحظة المرور يرتبط بتغير العلامة في السرعة الشعاعية من الاقتراب إلى الابتعاد، بينما تردد المصدر نفسه لم يتغير في إطار المركبة.

يمكن أيضًا ملاحظة تأثير مشابه في صفارات القطارات والطائرات، أو في صفير كرة تسير بسرعة قرب الرأس.

في الطب والصناعة

في التطبيقات الطبية يستخدم تأثير دوبلر مع الموجات فوق الصوتية لقياس سرعة تدفق الدم في الأوعية. يتم إرسال موجات فوق صوتية من مسبار، ثم تُقاس الموجات المنعكسة من خلايا الدم المتحركة. الاختلاف في التردد بين الموجة المرسلة والموجة المرتدة يعطي معلومات عن سرعة وحركة الدم. هذه التقنية تعرف بتصوير دوبلر.

في الأجهزة الرادارية تقاس سرعة الأجسام المتحركة مثل السيارات أو قطرات المطر أو الطائرات من خلال قياس الانزياح الترددي في الموجات المرتدة عن هذه الأجسام. في الرادار تنعكس الموجة المرسلة من جسم متحرك، فيحدث تأثير دوبلر مرتين، مرة عند استقبال الجسم للموجة، ومرة عند إعادة إشعاعها نحو الجهاز.

في الفيزياء الفلكية والكونيات

يمكّن تأثير دوبلر العلماء من قياس سرعات النجوم والكواكب والمجرات على طول خط النظر، من خلال دراسة انزياح خطوط الطيف. عند دراسة الأجرام البعيدة تتداخل تأثيرات دوبلر مع تأثيرات تمدد الكون، مما يعطي معلومات عن البنية الكبيرة للكون ومعدل تمدده.

حدود النموذج الكلاسيكي والانتقال إلى النسبية

النماذج الكلاسيكية لتأثير دوبلر في الموجات الصوتية تفترض وسطًا ساكنًا وسرعات صغيرة نسبيًا، وتتعامل مع الحركة بمعناها التقليدي. عند الاقتراب من سرعات تقارن بسرعة الضوء، أو عند التعامل مع الموجات الكهرومغناطيسية في الفراغ، تصبح هذه الصور القريبة بديهية لكنها غير كافية في التفاصيل الرياضية، ويتحتم اعتماد الوصف النسبي الكامل الذي يراعي ثبات سرعة الضوء ومبدأ النسبية.

مع ذلك، فإن الفكرة الأساسية لتأثير دوبلر تظل واحدة في كل الأطر، وهي أن التردّد المقاس من قبل مراقب متحرك نسبيًا إلى المصدر يختلف عن التردد الأصلي، وأن هذا الاختلاف يكشف لنا عن المعلومات الحركية للأجسام حتى عندما لا نراها مباشرة بل من خلال الموجات التي ترسلها أو تعكسها.

Views: 7

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!