Kahibaro
Discord Login Register

الموجات والاهتزازات

تمهيد إلى عالم الموجات والاهتزازات

عندما نعزف على وتر، أو نهز نابضًا، أو نسمع صوتًا، أو نرى ضوءًا، فنحن نتعامل مع ظواهر تقوم على الاهتزاز والموجات. هذا الفصل هو الجسر بين الميكانيكا "الجامدة" التي درست حركة الأجسام، وبين الظواهر المتجددة دوريًا في الزمن والمكان، مثل اهتزاز البندول وانتشار موجة على سطح الماء أو في وتر مشدود.

في هذا الفصل نضع الأساس المفهومي والرياضي لكل تفاصيل "الحركة التوافقية البسيطة" و"الاهتزازات" و"الموجات" التي ستأتي في الفصول الفرعية. لن نغوص بعد في أنظمة خاصة كالنابض أو البندول، بل نهتم بالصورة العامة وما يوحد كل هذه الأمثلة تحت إطار واحد.

ما هو الاهتزاز؟

الاهتزاز هو حركة متكررة لجسم حول وضع توازن. المقصود بوضع التوازن هو الموضع الذي إذا تُرك فيه الجسم بلا اضطراب يبقى ساكنًا، لأن محصلة القوى المؤثرة عليه تساوي الصفر.

عندما نزحزح الجسم قليلًا عن موضع التوازن، ثم نتركه، قد نلاحظ أنه:

  1. يعود نحو موضع التوازن.
  2. لا يتوقف عنده بل يتجاوزه إلى الناحية الأخرى.
  3. يستمر في التردد ذهابًا وإيابًا حول التوازن.

هذه الحركة المترددة تسمى اهتزازًا أو تذبذبًا. يمكن أن تكون:

المهم في كل ذلك أن هناك كمية فيزيائية تتغير مع الزمن صعودًا وهبوطًا حول قيمة متوسطة أو حول وضع توازن.

الزمن الدوري والتردد

نحتاج لوصف الاهتزاز إلى كميات زمنية أساسية تظهر في جميع الأنظمة المهتزة.

إذا كانت الحركة تتكرر بنفس الشكل تمامًا بعد فترة زمنية ثابتة، فإننا نسميها "حركة دورية". فترة الزمن التي يستغرقها الجسم ليكمل دورة اهتزازية كاملة تسمى "الدورة" أو "الزمن الدوري" ويرمز لها عادة بـ $T$ وتقاس بالثانية.

إذا كانت حركة جسم تعود إلى نفس الحالة كل $0.5$ ثانية مثلًا، فهذا يعني أن:

$$
T = 0.5 \,\text{s}
$$

بدل وصف الزمن الذي تستغرقه الدورة الواحدة، يمكن وصف عدد الدورات في الثانية الواحدة. هذا يسمى "التردد" ويرمز له بـ $f$ ووحدته الهرتز:

$$
1 \,\text{Hz} = 1 \,\text{دورة في الثانية}
$$

العلاقة بين الزمن الدوري والتردد أساسية جدًا في الاهتزازات.

العلاقة بين التردد والزمن الدوري:
$$
f = \frac{1}{T}, \quad T = \frac{1}{f}
$$

كلما كان الزمن الدوري صغيرًا، أي أن الدورة الواحدة تستغرق زمنًا أقل، كان التردد أكبر، أي أن عدد الدورات في الثانية أكبر.

مثال سريع
إذا كان بندول يتم دورة كاملة في $2$ ثانية، فإن:
$$
T = 2\,\text{s}, \quad f = \frac{1}{2} = 0.5\,\text{Hz}
$$
أما إذا اهتز وتر جيتار $440$ مرة في الثانية:
$$
f = 440\,\text{Hz}, \quad T = \frac{1}{440} \approx 2.27\times 10^{-3}\,\text{s}
$$

السعة والطور والوضع اللحظي

لو نظرنا إلى الاهتزاز عند لحظة زمنية معينة نحتاج لثلاث أفكار أساسية لوصف حالته: السعة، وقيمة الكمية عند تلك اللحظة، وما يسمى "الطور".

السعة هي أكبر إزاحة للجسم عن موضع التوازن أثناء الاهتزاز. إذا كان جسم ذو حركة اهتزازية يتحرك بين موضعين متعاكسين على جانبي التوازن، فالمسافة من التوازن إلى أقصى موضع على أحد الجانبين تسمى السعة ويرمز لها غالبًا بـ $A$.

في أبسط النماذج الرياضية للاهتزاز سيكون لدينا متغير مثل الإزاحة $x(t)$ من موضع التوازن عند الزمن $t$، وبعد ذلك سيظهر أن الإزاحة يمكن أن تكون دالة جيبية في الزمن، مثلًا:

$$
x(t) = A \cos(\omega t + \phi)
$$

هنا:

الطور $ \theta(t) = \omega t + \phi $ هو كمية تقيس "موضع" الاهتزاز داخل دورته. إذا زاد الطور بمقدار $2\pi$ راديان فهذا يعني أن الحركة أكملت دورة كاملة وعادت إلى الحالة نفسها.

من المهم التمييز بين:

التردد الزاوي والعلاقة مع الحركة الجيبية

في الوصف الرياضي للحركة الدورية تظهر الزاوية في الدوال الجيبية $ \sin $ و $ \cos $. هذه الزاوية تتغير مع الزمن بمعدل ثابت في أبسط أنواع الاهتزاز، وهذا المعدل يسمى التردد الزاوي ويرمز له بـ $ \omega $.

إذا أكملت الحركة دورة واحدة عندما يزداد الطور بمقدار $2\pi$، فإن الزمن الدوري $T$ يرتبط بالتردد الزاوي بالعلاقة:

$$
\omega T = 2\pi
$$

ومنها:

العلاقة بين التردد الزاوي والتردد والزمن الدوري:
$$
\omega = \frac{2\pi}{T} = 2\pi f
$$

إذن التردد الزاوي يقاس بوحدة "راديان في الثانية"، وهو تعبير مكافئ للتردد الخطي $f$ من حيث المعلومة الفيزيائية، لكن له استخدامات مريحة في التحليل الرياضي للحركات التوافقية.

مثال
إذا كان التردد لاهتزاز وتر $f = 50\,\text{Hz}$ فإن:
$$
\omega = 2\pi f = 2\pi \times 50 \approx 314\,\text{rad/s}
$$
ويصبح التعبير عن الإزاحة مثلًا:
$$
x(t) = A \cos(314 t + \phi)
$$

الطاقة في الاهتزازات

في كل اهتزاز هناك انتقال مستمر للطاقة بين شكلين أساسيين، غالبًا بين طاقة حركية وطاقة كامنة. ما يميز الاهتزازات أن الطاقة لا تبقى في نوع واحد بل تتبادل دورها دوريًا.

في مثال نابض مثالي مع كتلة:

في غياب قوى مبددة مثل الاحتكاك يبقى مجموع الطاقة الكلية ثابتًا، لكنه يتأرجح بين المخزون في "القوة الراجعة" والمخزون في "الحركة".

هذه الصورة من تبادل الطاقة ستظهر بقوة عندما ندرس "الحركة التوافقية البسيطة" بتفاصيلها، لكنها هنا مهمة لتكوين بديهية أن الاهتزاز هو لعب مستمر داخل نظام مغلق للطاقة، ينتقل فيها من شكل إلى آخر مع بقاء المجموع ثابتًا تقريبًا.

ما هي الموجة؟

الاهتزاز يتعلق بكيفية تغير كمية فيزيائية مع الزمن عند مكان معين. الموجة تضيف بعدًا جديدًا، إذ تصف كيف ينتشر هذا الاهتزاز في الفضاء.

يمكن أن نتصور موجة على حبل مشدود. إذا هززنا أحد طرف الحبل إلى الأعلى والأسفل فإن نقطة معينة من الحبل تهتز صعودًا وهبوطًا، ولكن التأثير لا يبقى محصورًا في تلك النقطة، بل ينتقل على طول الحبل. ما ينتقل في الحقيقة هو "نمط الاهتزاز" أو "الاضطراب"، لا المادة نفسها.

إذن الموجة هي:

انتقال لاضطراب أو اهتزاز خلال وسط أو في الفضاء، مع انتقال للطاقة والمعلومات، دون انتقال دائم للمادة مع الموجة.

هناك أمثلة عديدة:

الموجة مقابل الجسيم

في الميكانيكا الكلاسيكية البسيطة كنا نصف حركة "جسيم" أو "جسم" له موضع محدد في كل لحظة. في الموجات الأمر مختلف، فبدل تتبع مسار جسيم واحد، نراقب "مجالًا" أو "مجموعة نقاط" في الفضاء، كل نقطة فيها تخضع لاهتزازها الخاص.

لذلك يستخدم في وصف الموجات "دالة موضع وزمن" مثل $y(x,t)$ تمثل مثلًا إزاحة نقطة من الحبل عند موضع $x$ وعند زمن $t$. في أي لحظة، يمكن تجميد الزمن ورؤية الموجة كمنحنى في الفضاء، ويمكن أيضًا تجميد الموضع ورؤية كيف تهتز نقطة معينة مع الزمن.

هذه الطبيعة الموزعة للموجات تجعل سلوكها مختلفًا عن الجسيمات، وتتيح ظواهر خاصة بالموجات مثل التداخل والحيود، والتي ستكون لها فصولها ومجالاتها المتقدمة خارج هذا الكتاب التمهيدي.

الخصائص الأساسية للموجات

كل موجة، سواء كانت على وتر أو في الماء أو في الهواء، يمكن وصفها بكميات أساسية تشبه ما رأيناه في الاهتزاز، ولكن مع إضافة بعد المكان.

  1. السعة

هي أكبر قيمة للاضطراب عن موضع التوازن في الموجة. في وتر مشدود مثلًا، السعة هي أقصى ارتفاع للنقطة عن موضعها الأصلي. ترتبط السعة غالبًا بالطاقة التي تحملها الموجة. زيادة السعة تعني عمومًا زيادة في الطاقة المنقولة.

  1. الطول الموجي

عندما ننظر إلى الموجة في لحظة زمنية ثابتة نجد تكرارًا في الشكل، قمم متتالية وقيعان متتالية. المسافة بين قمتين متتاليتين أو بين قاعين متتالين تسمى "الطول الموجي" ويرمز له بـ $\lambda$.

يقاس الطول الموجي بوحدات الطول، مثل المتر.

  1. الدوران الزمني والمكاني

للموجة طبيعتان دوريتان:

  1. سرعة انتشار الموجة

تنتشر الموجة بسرعة معينة عبر الوسط أو في الفراغ. هذه السرعة تختلف عن سرعة الجسيمات المادية في الوسط. يرمز عادة لسرعة الموجة بـ $v$.

توجد علاقة أساسية تربط بين سرعة الموجة والتردد والطول الموجي.

العلاقة بين سرعة الموجة والتردد والطول الموجي:
$$
v = f \lambda
$$
كما أن:
$$
v = \frac{\lambda}{T}
$$

هذه العلاقة تقول إن الموجة ذات التردد الأعلى ولها طول موجي معين تنتشر بسرعة أعلى، أو أن الموجة التي تسير بسرعة معينة إذا زاد ترددها قل طولها الموجي.

مثال
موجة على حبل لها طول موجي $\lambda = 0.5\,\text{m}$ وتردد $f = 4\,\text{Hz}$، إذًا:
$$
v = f \lambda = 4 \times 0.5 = 2\,\text{m/s}
$$
أي إن شكل الموجة يتحرك على طول الحبل بسرعة $2\,\text{m/s}$.

التصنيف الأساسي للموجات

هناك عدة طرق لتصنيف الموجات، وسنحتاج لهذا التصنيف في الفصول القادمة عند دراسة نماذج خاصة من الموجات.

  1. موجات ميكانيكية وموجات غير ميكانيكية
  1. موجات طولية وموجات مستعرضة

التمييز هنا يعتمد على "اتجاه الاهتزاز" مقارنة "باتجاه انتشار الموجة".

في كثير من الأحيان يُبنى النموذج الرياضي للموجة على أساس هذه الفروق، لكن القاعدة العامة لانتشار الاهتزاز تبقى واحدة.

التراكب والموجات

من الخصائص الجوهرية للموجات أنها تخضع في معظم الحالات لمبدأ التراكب الذي عرفته من قبل في سياق القوى والحركة.

عند التراكب الموجي، إذا اجتمعت موجتان أو أكثر في نفس النقطة من الوسط، تكون الاضطراب الكلي عند تلك النقطة هو مجموع الاضطرابات الناتجة عن كل موجة على حدة. هذه الفكرة البسيطة تؤدي إلى أثر بالغ الأهمية يسمى "التداخل" عندما تتراكب موجتان متقاربتا التردد أو الطور.

في هذا الفصل العام نكتفي بفكرة أن الموجات يمكن أن تضاف إلى بعضها لتنتج شكلًا مركبًا، وأن هذا المبدأ هو أساس مفهوم الخفقات، والموجات الواقفة، وغيرها من الظواهر التي سنراها في الفصول اللاحقة ضمن "الموجات" و"الخفقات" و"الموجات الواقفة".

العلاقة بين الاهتزاز والموجة

يمكن أن نعتبر الاهتزاز "مكونًا محليًا" للموجة. كل نقطة في وسط موجي تهتز بطريقة ما. إذا عرفت كيف تهتز نقطة واحدة في الزمن، وكيف تتأخر أو تتقدم النقاط المجاورة عنها في الطور، يمكن بذلك وصف موجة كاملة.

من هذا المنظور:

الكثير من الموجات المهمة في الفيزياء يمكن اعتبارها مجموعًا من اهتزازات توافقية بسيطة، ولهذا السبب ستحتل "الحركة التوافقية البسيطة" مكانًا مركزيًا في بقية هذا القسم، فهي النموذج الأسهل والأكثر استخدامًا في تقريب الحركات الدورية والموجية المعقدة.

نحو دراسة النماذج الخاصة

بعد أن تعرفنا على المفاهيم العامة التي تشترك فيها كل أنواع الاهتزازات والموجات، مثل:

سننتقل في الفصول الفرعية إلى نماذج محددة، مثل:

في كل تلك المواضيع ستبقى الأدوات التي قدّمناها هنا حاضرة من حيث التردد والزمن الدوري والسعة والطور، ولكن في سياقات أكثر تحديدًا وتطبيقًا.

Views: 5

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!