Kahibaro
Discord Login Register

الخفقات

مدخل إلى ظاهرة الخفقات

عند تراكب موجتين لهما نفس النوع والترددات متقاربة جدًا، تظهر ظاهرة مميّزة في الزمن تسمى الخفقات. لا تتغيّر سرعة انتشار الموجة في الوسط، ولكن شدة الاهتزاز أو السعة الكلية تتغيّر ببطء مع الزمن، فتسمع أو ترى وكأن الموجة “تعلو وتنخفض” على إيقاع أبطأ بكثير من ترددها الأساسي.

في هذه الظاهرة، لا نتعامل مع موجة جديدة مستقلة، بل مع نتيجة جمع موجتين متقاربتين في الخصائص، بحيث يصبح التفاوت البسيط في التردد هو المسؤول عن ظهور تغيّر دوري في الشدة.

تراكب موجتين متقاربتين في التردد

لنعتبر موجتين جيبيتين تنتشران في اتجاه واحد على نفس الوسط، ولهما نفس السعة $A$، وسرعة الانتشار واحدة، لكن تردداهما متقاربان

$$
y_1(x,t) = A \cos(k_1 x - \omega_1 t)
$$

$$
y_2(x,t) = A \cos(k_2 x - \omega_2 t)
$$

حيث $k_1, k_2$ عددان موجيان متقاربان، و $\omega_1, \omega_2$ ترددان زاويان متقاربان أيضًا.

الإزاحة الكلية للنقطة نفسها في الوسط تساوي مجموع الإزاحتين

$$
y(x,t) = y_1(x,t) + y_2(x,t)
$$

باستخدام خواص دوال الجيب تمام، يمكن كتابة مجموع دالتين جيبيتين متقاربتين على صورة جداء يتكوّن من “موجة حاملة” ذات تردد متوسط، ومغلف بطيء التغيّر يمثل الخفقات.

قاعدة جمع جيبين متقاربين
$$
\cos \alpha + \cos \beta = 2 \cos\left(\frac{\alpha + \beta}{2}\right)
\cos\left(\frac{\alpha - \beta}{2}\right)
$$

إذا أخذنا

$$
\alpha = k_1 x - \omega_1 t,\quad
\beta = k_2 x - \omega_2 t
$$

نحصل على

$$
y(x,t) = 2A \cos\left(\frac{(k_1 + k_2)x - (\omega_1 + \omega_2)t}{2}\right)
\cos\left(\frac{(k_1 - k_2)x - (\omega_1 - \omega_2)t}{2}\right)
$$

بهذا الشكل يتضح أن الإزاحة الكلية تمثل موجة ذات تردد متوسط، محاطة بمغلف يتغيّر بتردد ناتج عن الفرق بين الترددين.

التردد الحامل وتردد الخفقات

يمكن تفسير التعبير السابق في بُعدين أساسيين: تردد سريع هو “الحامل”، وتغيّر بطيء في السعة هو “الخفقات”.

إذا كانت الترددات العادية (غير الزاوية) للموجتين هي $f_1$ و $f_2$ بحيث

$$
\omega_1 = 2\pi f_1,\quad \omega_2 = 2\pi f_2
$$

فإن التردد المتوسط للموجة الحاملة هو تقريبًا

$$
f_{\text{حامل}} \approx \frac{f_1 + f_2}{2}
$$

أمّا التغيّر البطيء في السعة، والذي يعطي الخفقات، فيرتبط بفرق الترددين. من ناحية رياضية، عدد المرات التي تصل فيها السعة إلى أقصى قيمة في الثانية يساوي الفرق بين الترددين.

تردد الخفقات
إذا تراكبت موجتان لهما ترددات $f_1$ و $f_2$ متقاربتان، فإن
$$
f_{\text{خفقات}} = |f_1 - f_2|
$$

هذا التردد يمثل معدل تغيّر شدة الموجة الكلية مع الزمن. فإذا كان الفرق صغيرًا جدًا، كانت الخفقات بطيئة ويسهل ملاحظتها. وكلما زاد الفرق زادت سرعة الخفقات، حتى تختفي الظاهرة تدريجيًا عندما يكبر الفرق كثيرًا ويتوقف الإحساس بخفقات مميزة.

مثال عددي على تردد الخفقات
لنفرض موجتين صوتيتين ترددهما
$$
f_1 = 440\ \text{Hz},\quad f_2 = 442\ \text{Hz}
$$
تردد الخفقات يكون
$$
f_{\text{خفقات}} = |440 - 442| = 2\ \text{Hz}
$$
أي أن شدة الصوت ترتفع وتنخفض مرتين في كل ثانية، بينما التردد الحامل الذي يحدد النغمة المسموعة يقارب
$$
f_{\text{حامل}} \approx \frac{440 + 442}{2} = 441\ \text{Hz}
$$

الخفقات في الزمن وفي المكان

ظاهرة الخفقات يمكن أن تُلاحظ من زاويتين، زمنية ومكانية، تبعًا للطريقة التي نراقب بها الموجة.

الخفقات كظاهرة زمنية

إذا ثبّتنا الموضع $x$ عند نقطة معينة في الوسط، تصبح الإزاحة دالة في الزمن فقط. حينها تبدو الموجة كما لو كانت ذات تردد واحد تقريبًا، لكن سعتها ترتفع وتنخفض ببطء على شكل نمط دوري. هذا التغيّر البطيء في السعة هو ما يُسمّى بالخفقات الزمنية، ويظهر خصوصًا في الظواهر السمعية، حيث يسمع الأذن تغيّرًا دوريًا في شدة الصوت.

الخفقات كمغلف مكاني

بدلًا من تثبيت الزمن، يمكن أن نثبت لحظة معينة $t$ وننظر إلى توزيع الإزاحة على طول المحور $x$. عندها تظهر الموجة كأنها نمط جيبي دقيق داخل “مغلف” أبطأ تغيّرًا مكانيًا، يحدد المواضع التي تكون فيها السعة كبيرة والمواضع التي تكون فيها صغيرة أو منعدمة تقريبًا. يمكن النظر إلى ذلك كمكافئ مكاني لتغيّر السعة الزمني.

في كثير من التطبيقات العملية، يهتم الفيزيائي بالمغلف أكثر من بنية التموجات التفصيلية، لأن المغلف هو الذي يحدد مناطق الطاقة العالية والمنخفضة في وسط الانتشار.

التطبيقات الفيزيائية لظاهرة الخفقات

الخفقات في الصوت وضبط الآلات الموسيقية

من أكثر الأمثلة وضوحًا ظهور الخفقات في الموجات الصوتية. عندما تصدر آلتان موسيقيتان نغمتين متقاربتين في التردد، يسمع المستمع نغمة تقريبية واحدة، ولكن شدتها ترتفع وتنخفض دوريًا.

إذا كان الفرق بين الترددين كبيرًا نسبيًا، تصبح الخفقات سريعة وغير مريحة للأذن، ويُشعر بأن الصوت “غير متناغم”. لذلك تُستخدم الخفقات عمليًا في ضبط الآلات الموسيقية: يقوم العازف بضبط الوتر بحيث يقل فرق التردد تدريجيًا، فتتباطأ الخفقات إلى أن تختفي تقريبًا، مما يعني أن الترددين أصبحا متساويين إلى حد كبير.

مثال تطبيقي في الضبط الموسيقي
إذا كان شوكة رنانة تعطي $440$ هرتز، ووتر الكمان يعطي $436$ هرتز، يسمع العازف خفقات بتردد
$$
f_{\text{خفقات}} = |440 - 436| = 4\ \text{Hz}
$$
أي أن شدة الصوت ترتفع وتنخفض أربع مرات في الثانية. عند شد الوتر لرفع تردده تدريجيًا، يقل الفرق، فتصبح الخفقات أبطأ. عندما تختفي الخفقات تقريبًا، يمكن القول إن تردد الوتر أصبح مساويًا تقريبًا لتردد الشوكة الرنانة.

استخدام الخفقات في القياسات الدقيقة للتردد

بسبب اعتماد تردد الخفقات مباشرة على الفرق بين الترددين، يمكن استغلال هذه الظاهرة لقياس فروق صغيرة جدًا في التردد، بأدوات بسيطة نسبيًا.

في التطبيقات العلمية، تُستخدم مولدات تردد عالية الدقة، ثم يُقارن تردد مجهول بتردد مرجعي معروف عن طريق تراكب الموجتين وقياس تردد الخفقات. إذا كان فرق التردد صغيرًا جدًا، يمكن الحصول على قيم دقيقة للغاية. هذا الأسلوب يتشابه في فكرته العامة مع تقنيات المزج والتغاير المستخدمة في الإلكترونيات والاتصالات.

الخفقات في الموجات الكهرومغناطيسية والراديوية

رغم أن الأذن لا يمكنها سماع الترددات العالية للموجات الكهرومغناطيسية، إلا أن المبدأ نفسه ينطبق. عندما تتراكب موجتان راديويتان بترددين متقاربين، ينتج نمط من التغير في الشدة يمكن استغلاله في أنظمة كشف وقياس مختلفة.

في أجهزة الاستقبال الراديوية، تُستخدم أفكار قريبة من التراكب وتوليد فروق ترددات صغيرة، بحيث يُنقل التردد العالي إلى مجال تردد أقل يناسب المعالجة أو السمع. فكرة “إشارة حاملة وإشارة مغلفة” التي تظهر في الخفقات تمهّد أيضًا لفهم مبادئ التعديل في الاتصالات، مثل التعديل السعوي، حيث تتغيّر سعة موجة حاملة بتأثير إشارة أخرى أبطأ.

العلاقة بين الخفقات وظاهرة التداخل

الخفقات نوع خاص من التداخل، لكنها تمتاز بأن الموجتين ليستا متطابقتين تمامًا في التردد. عندما يكون التردد متطابقًا تمامًا ويظل فرق الطور ثابتًا، نحصل على نمط تداخل ثابت في الزمن، يكوّن مناطق عظمى وصغرى دائمة. أمّا عندما يختلف التردد قليلًا، فإن فرق الطور يتغيّر مع الزمن ببطء، فينتقل نمط العظمى والصغرى مع الزمن، فيظهر لنا كتغيّر بطيء في الشدة، أي خفقات.

في هذه الصورة، يمكن اعتبار الخفقات نتيجة لتغيّر تدريجي في شرط التداخل البنّاء والهدّام مع الزمن، بسبب تسارع فرق الطور بين الموجتين. وهكذا تربط الخفقات بين فكرة التراكب الزمني للموجات وفكرة التداخل في الفضاء.

سرعة مجموعة الموجات ومفهوم الحزمة الموجية

عند تراكب عدد كبير من الموجات ذات ترددات متقاربة بدل موجتين فقط، يمكن تشكيل ما يسمى حزمة موجية، لها مغلف واضح يمثل توزّع الشدة في مكان محدود. في هذه الحالة، تكون هناك سرعتان مهمتان، إحداهما لتموّجات الحامل، والأخرى لانتقال المغلف نفسه.

ظاهرة الخفقات بين موجتين فقط تعتبر أبسط مثال لحركة مغلف موجي يتقدّم بسرعة تختلف عن سرعة التموجات الدقيقة. في سياقات أخرى، تُسمى سرعة المغلف بسرعة المجموعة، بينما تسمى سرعة التموجات بسرعة الطور. التفصيل الكامل لهذه المفاهيم يناقش عادة عند دراسة الموجات في الأوساط المشتتة، ولكن يكفي هنا إدراك أن الخفقات تمهّد ذهنيًا لفهم إمكانية وجود سلوك “بطيء” للمغلف مقارنة بالسلوك “السريع” للموجة الحاملة.

الشروط اللازمة لظهور خفقات واضحة

لكي تكون الخفقات قابلة للملاحظة بوضوح، يجب أن تتوافر عدة شروط في الموجتين المتراكبتين.

أولًا، يجب أن يكون التردد متقاربًا جدًا بحيث لا تميّز الحواس أو الأجهزة بينهما كإشارتين منفصلتين، بل كإشارة واحدة تتغيّر شدتها. إذا كان الفرق كبيرًا، لا يبقى الإحساس بخفقات بل بسلسلة من النغمات أو الأنماط المختلفة.

ثانيًا، يجب أن تكون السعتان متقاربتين، لأن السعة الكلية في أوقات التداخل الهدّام لن تنخفض كثيرًا إذا كانت إحدى الموجتين أضعف بكثير من الأخرى، وحينها يقل وضوح التقلّب بين الشدّة العالية والمنخفضة.

ثالثًا، يجب أن يكون النظام قادرًا على “تجميع” الموجتين أو استقبالهما في الموضع نفسه والزمان نفسه، سواء كان ذلك هو الأذن البشرية، أو حساسًا صوتيًا، أو مستقبلًا راديويًا، أو غيره.

تلخيص رياضي مختصر لظاهرة الخفقات

يمكن تلخيص صيغة الخفقات للموجتين المتقاربتين في صورة ميسّرة باستخدام الترددات العادية بدل التردد الزاوي. إذا كانت الموجتان في نقطة معينة من الوسط تُكتب على الصورة

$$
y_1(t) = A \cos(2\pi f_1 t),\quad
y_2(t) = A \cos(2\pi f_2 t)
$$

فإن الإزاحة الكلية

$$
y(t) = y_1(t) + y_2(t)
$$

يمكن كتابتها، باستخدام قاعدة الجمع، على صورة

$$
y(t) = 2A \cos\!\left(2\pi \frac{f_1 - f_2}{2} t\right)
\cos\!\left(2\pi \frac{f_1 + f_2}{2} t\right)
$$

أي أن هناك موجة حاملة بتردد متوسط

$$
f_{\text{حامل}} = \frac{f_1 + f_2}{2}
$$

وذات سعة تتغيّر وفق عامل

$$
2A \cos\!\left(2\pi \frac{f_1 - f_2}{2} t\right)
$$

وهذا ما يولّد الخفقات ذات تردد

$$
f_{\text{خفقات}} = |f_1 - f_2|
$$

حيث يحدد هذا التردد عدد مرات تغيّر الشدة في الثانية.

الصورة الزمنية لظاهرة الخفقات لموجتين متقاربتين في التردد
$$
y(t) = 2A \cos\!\left(2\pi \frac{f_1 - f_2}{2} t\right)
\cos\!\left(2\pi \frac{f_1 + f_2}{2} t\right),\quad
f_{\text{خفقات}} = |f_1 - f_2|
$$

بهذا الإطار يمكن النظر إلى الخفقات كحالة خاصة وبسيطة لفكرة المغلف الموجي، وهي فكرة ستتكرر بأشكال أكثر تعقيدًا في دراسة الموجات في الأوساط المختلفة وعند التعامل مع حزم موجية أوسع ومجاميع متعددة من الترددات.

Views: 6

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!