Table of Contents
تمهيد: ما معنى الاهتزاز القسري؟
في الحركة التوافقية البسيطة يترك النظام ليهتز بحرية بعد إزاحته عن موضع الاتزان. في الاهتزازات القسرية لا نترك النظام حرا، بل نؤثر عليه بقوة خارجية متغيرة مع الزمن تجبره على الاهتزاز وفق نمط تفرضه هذه القوة، حتى لو كانت خواصه الطبيعية تميل إلى نمط آخر.
فمثلا جسد مربوط بنابض يتصل بمحرك صغير يضغطه ويشده بشكل دوري. هذا الجسد لا يهتز فقط بسبب نابضه وكتلته، بل أيضا لأن المحرك يفرض عليه إزاحة أو قوة متذبذبة. هذا النوع من الحركة هو ما نسميه الاهتزاز القسري.
في هذا الفصل نركّز على الوصف الرياضي المبسط للاهتزاز القسري، وعلى سلوك الحل في المدى الزمني الطويل وكيف يختلف عن الاهتزاز الحر والمخمّد.
معادلة الحركة في الاهتزاز القسري المخمّد
نعتبر نظاما يهتز في بعد واحد، له كتلة $m$ متصلة بنابض ذي ثابت مرونة $k$ ومثبّت في وسط لزج يعطي قوة تخميد تتناسب مع السرعة بمعامل تخميد $b$. في الاهتزاز الحر المخمّد يكون تأثير القوى محصورا في نابض وتخميد. في الاهتزاز القسري نضيف قوة خارجية متغيرة مع الزمن.
الأنموذج الأكثر شيوعا للقوة القسرية هو قوة جيبية في الزمن
$$
F_{\text{قسر}}(t) = F_0 \cos(\omega t),
$$
حيث $F_0$ سعة القوة القسرية و $\omega$ ترددها الزاوي الذي تختاره أنت من خلال مصدر الإهتزاز الخارجي.
باستخدام قانون نيوتن الثاني، يكون مجموع القوى مساويا لكتلة الجسم في تسارعه
$$
m \ddot{x} = -kx - b \dot{x} + F_0 \cos(\omega t).
$$
بترتيب الحدود على صورة قياسية
$$
m \ddot{x} + b \dot{x} + kx = F_0 \cos(\omega t).
$$
هذه هي المعادلة التفاضلية الأساسية للاهتزاز القسري المخمّد في بعد واحد مع إجبار جيبي.
$$
m \ddot{x} + b \dot{x} + kx = F_0 \cos(\omega t)
$$
معادلة الاهتزاز القسري المخمّد لكتلة $m$، ثابت نابض $k$، ومعامل تخميد $b$، وقوة قسرية ذات سعة $F_0$ وتردد زاوي $\omega$.
من المفيد أن نعرّف التردد الطبيعي غير المخمّد للنظام
$$
\omega_0 = \sqrt{\frac{k}{m}}
$$
ومعامل التخميد النسبي
$$
\gamma = \frac{b}{2m}.
$$
تركيب الحل: حل عام وحل حالة مستقرة
حل المعادلة السابقة يتكون من جزئين أساسيين. جزء مرتبط بخصائص النظام نفسه يسمى الحل المتجانس، وجزء مرتبط بالقوة القسرية يسمى الحل الخاص.
بشكل رمزي
$$
x(t) = x_{\text{حر}}(t) + x_{\text{قَسْري}}(t).
$$
الحل الحر $x_{\text{حر}}(t)$ هو حل معادلة الاهتزاز المخمّد بدون قوة خارجية، ويعتمد على الشروط الابتدائية. هذا الجزء يتناقص عادة مع الزمن بسبب التخميد حتى يضمحل.
أما $x_{\text{قَسْري}}(t)$ فيصف الاهتزاز الذي يفرضه المصدر الخارجي، ويستمر حتى في الزمن الطويل. في دراسة الاهتزازات القسرية نهتم غالبا بسلوك الحالة المستقرة، أي عندما يختفي تأثير الاهتزاز الحر ويبقى فقط الاهتزاز المفروض من القوة القسرية. هذه الحالة هي موضوع الفصل التالي بالتفصيل، لكن نحتاج هنا صورة مبدئية عنها.
الحل في الحالة المستقرة: السعة والطور
نفترض أن الزمن مضى بما يكفي حتى اختفى الجزء الحر. عندئذ يصبح حل المعادلة على صورة اهتزاز جيبي له نفس تردد القوة القسرية، لكن سعة مختلفة وزاوية طور متأخرة غالبا عن القوة.
نكتب الحل في الحالة المستقرة بشكل
$$
x_{\text{قَسْري}}(t) = A \cos(\omega t - \phi),
$$
حيث $A$ سعة الاهتزاز القسري، و $\phi$ فرق الطور بين القوة والإزاحة.
بتعويض هذا الشكل في معادلة الحركة، وحل المسألة رياضيا، نحصل على العلاقة بين السعة $A$ والتردد $\omega$ للمصدر القسري
$$
A(\omega) = \frac{F_0 / m}{\sqrt{(\omega_0^2 - \omega^2)^2 + (2\gamma \omega)^2}}.
$$
أما فرق الطور فيعطى بالعلاقة
$$
\tan \phi = \frac{2\gamma \omega}{\omega_0^2 - \omega^2}.
$$
هذان التعبيران يوضّحان أبرز سمات الاهتزاز القسري المخمّد، وهي أن سعة الاهتزاز وفرق الطور يعتمدان بقوة على تردد القوة القسرية، وعلى مقدار التخميد.
مثال عددي مبسط
لنفرض أن كتلة $m = 1\,\text{kg}$، وثابت النابض $k = 4\,\text{N/m}$، فيكون التردد الطبيعي
$$
\omega_0 = \sqrt{\frac{k}{m}} = 2\,\text{rad/s}.
$$
ولنفترض أن $b = 1\,\text{kg/s}$، فيكون
$$
\gamma = \frac{b}{2m} = 0.5\,\text{s}^{-1}.
$$
إذا كان مقدار القوة القسرية $F_0 = 1\,\text{N}$، وأردنا حساب السعة عند تردد قسري $\omega = 1.5\,\text{rad/s}$، فإن
$$
A(1.5) = \frac{1/1}{\sqrt{(4 - 2.25)^2 + (2 \times 0.5 \times 1.5)^2}}
= \frac{1}{\sqrt{(1.75)^2 + (1.5)^2}}.
$$
باستخدام قيم تقريبية
$$
(1.75)^2 \approx 3.06, \quad (1.5)^2 = 2.25
$$
فيكون
$$
A(1.5) \approx \frac{1}{\sqrt{3.06 + 2.25}} = \frac{1}{\sqrt{5.31}} \approx 0.43\,\text{m}.
$$
نلاحظ أن السعة هنا تعتمد مباشرة على التردد القسري.
استجابة النظام عند تغيّر التردد القسري
سلوك السعة $A(\omega)$ وفرق الطور $\phi(\omega)$ حين نغيّر $\omega$ هو لب فهم الاهتزازات القسرية. لا نكتفي بمعرفة أن النظام يهتز، بل نهتم بكيفية استجابته لترددات مختلفة.
عند الترددات القريبة من الصفر
عندما يكون التردد القسري صغيرا جدا مقارنة بالتردد الطبيعي، أي $\omega \ll \omega_0$، تكون الحركة بطيئة سريعة الاستجابة. في هذه الحالة يمكن للنظام أن يتبع القوة تقريبا دون تأخير كبير في الطور، وتكون الزاوية $\phi$ صغيرة. السعة تقارب تقريبا سعة شبه استاتيكية تعتمد على نسبة $F_0$ إلى $k$.
يمكن إظهار ذلك من العلاقة السابقة حيث يصبح
$$
\omega_0^2 - \omega^2 \approx \omega_0^2
$$
وبالتالي السعة تقترب من
$$
A(\omega) \approx \frac{F_0 / m}{\sqrt{\omega_0^4}} = \frac{F_0}{k},
$$
أي تشبه إزاحة نابض تحت حمل ثابت.
عند الترددات العالية
عندما يكون $\omega \gg \omega_0$ يكون التغير في القوة أسرع مما يستطيع النظام أن يتجاوب معه ميكانيكيا. في هذه الحالة يتصرف الجسم تقريبا كما لو كان ثابتا ولا يتحرك كثيرا. السعة تصبح صغيرة، وفرق الطور يقترب من $\pi$ بحيث تصبح الإزاحة تقريبا معاكسة لإشارة القوة في الوقت.
رياضيا، في هذه الحدود يهيمن حد $\omega^4$ في المقام، فيتناقص $A(\omega)$ تقريبا مثل $1 / \omega^2$.
دور التخميد في الاهتزازات القسرية
معامل التخميد $\gamma$ يلعب دورا حاسما في شكل منحنى الاستجابة في الاهتزازات القسرية. دون التعمق في تفاصيل الرنين وحلول الحالة المستقرة في الفصل التالي، نلفت النظر إلى عدة نقاط مهمة تتعلق بالتخميد في هذا السياق.
حين يكون التخميد صغيرا جدا، أي $\gamma$ قريب من الصفر، يصبح الحد $(2\gamma \omega)^2$ في المقام صغيرا، فتصير السعة شديدة الحساسية لاقتراب $\omega$ من $\omega_0$. يكفي أن يكون التردد القسري قريبا من التردد الطبيعي حتى تصبح السعة كبيرة.
على العكس إذا كان التخميد كبيرا، يزداد الحد $(2\gamma \omega)^2$ في المقام، فيتسطح منحنى الاستجابة، وتختفي أي قمم حادة في السعة. هذا يعني أن النظام لا يتجاوب بقوة مع أي تردد معين، بل يمتص طاقة الاهتزاز الجبري ويحوّلها بسرعة إلى حرارة أو طاقة مفقودة.
كذلك يؤثر التخميد على فرق الطور. من العلاقة
$$
\tan \phi = \frac{2\gamma \omega}{\omega_0^2 - \omega^2}
$$
نلاحظ أن زيادة $\gamma$ تجعل $\phi$ تنتقل من القيم الصغيرة إلى القيم القريبة من $\pi$ بصورة أكثر سلاسة مع تغير $\omega$. في التخميد الصغير يكون التغير في الطور حادا بالقرب من التردد الطبيعي.
انتقال الطاقة في الاهتزاز القسري
في الاهتزاز الحر تكون الطاقة الكلية للنظام محفوظة في غياب التخميد، ثم تبدأ بالتناقص إذا وجد تخميد بسبب تحويلها إلى أشكال أخرى. في الاهتزاز القسري تجري الأمور بطريقة مختلفة، إذ يضخ المصدر الخارجي طاقة باستمرار في النظام، يتوزع قسم منها بين الطاقة الحركية والمرونية، ويذهب قسم آخر لتعويض الفقد بسبب التخميد.
يمكن وصف متوسط القدرة (معدل انتقال الطاقة) من المصدر إلى النظام بالعلاقة التقريبية التالية في الحالة المستقرة
$$
\overline{P} = \frac{1}{2} b \omega^2 A^2,
$$
حيث $\overline{P}$ القدرة المتوسطة المنتقلة من القوة القسرية إلى النظام في اهتزاز جيبي مستقر بسعة $A$ وتردد $\omega$.
هذه القدرة تعتمد على معامل التخميد وعلى مربع السعة وكيفية استجابة النظام للقوة المفروضة. في الترددات التي تكون فيها السعة كبيرة يحدث انتقال طاقة فعال من المصدر إلى النظام والمتوسط النهائي لهذه الطاقة غالبا ما يتحول إلى حرارة في المقاومة أو الاحتكاك.
مثال على انتقال الطاقة
افترض أن جسما يهتز قسريا في زيت لزج بمعامل تخميد $b = 0.4\,\text{kg/s}$، وسعة الاهتزاز في الحالة المستقرة عند تردد معين هي $A = 0.1\,\text{m}$، والتردد الزاوي $\omega = 5\,\text{rad/s}$.
القدرة المتوسطة المنتقلة من القوة القسرية إلى الوسط المخمّد هي
$$
\overline{P} = \frac{1}{2} \times 0.4 \times 5^2 \times 0.1^2
= 0.2 \times 25 \times 0.01
= 0.05\,\text{W}.
$$
كل هذه القدرة تتحول في النهاية إلى حرارة في الزيت.
التفسير الفيزيائي لفرق الطور
فرق الطور $\phi$ بين القوة القسرية والإزاحة ليس مجرد كمية رياضية، بل له معنى فيزيائي مباشر في الاهتزازات القسرية، فهو يحدد كيف تتبادل القوة القسرية الطاقة مع النظام عبر الدورة الزمنية.
عندما تكون الإزاحة في طور مع القوة تقريبا، أي $\phi$ قريب من الصفر، تعمل القوة غالبا في نفس اتجاه الحركة الإزاحية، فتضخ طاقة في النظام في معظم الزمن. عندما يقترب فرق الطور من $\pi$ تصبح القوة تعاكس الحركة في معظم الدورة، فيتم سحب طاقة من النظام. في الحالة المستقرة تتحقق موازنة بين الطاقة المكتسبة من القوة وبين الطاقة المفقودة من خلال التخميد خلال دورة كاملة، فيثبت متوسط الطاقة الكلية في الزمن.
التغير التدريجي لفرق الطور من $0$ إلى $\pi$ عند الانتقال من $\omega \ll \omega_0$ إلى $\omega \gg \omega_0$ هو من أهم السمات المميزة للاهتزازات القسرية، وسنرى ارتباطه الوثيق بالرنين في الفصل التالي.
تطبيقات بسيطة على الاهتزازات القسرية
يمكن رؤية الاهتزازات القسرية في أنظمة فيزيائية كثيرة، من أبسط المستويات حتى أكثرها تعقيدا. الأنموذج الرياضي الذي عرضناه يمثل تقريبا واسعا لعدد كبير من الظواهر ما دام السلوك قريب من الخطيّة.
من الأمثلة الشائعة جسد معلق في نابض يتأثر بهزات أرضية دورية. الأرض هنا تمثل المصدر القسري، والجسم والنابض يشكلان النظام المهتز. كذلك يمكن النظر إلى المباني والجسور التي تتعرض لقوى هوائية أو اهتزازية متناوبة كمثال على الاهتزاز القسري. في الدارات الكهربائية يوجد تماثل رياضي مباشر بين دائرة RLC المهتزّة الجبرية وبين كتلة ونابض مع تخميد.
في جميع هذه الحالات تكون المعادلة الأساسية على الصورة نفسها تقريبا، ويتحدد سلوك النظام من خلال العلاقة بين تردده الطبيعي والتردد الخاص بالقوة القسرية، ومن خلال مقدار التخميد.
خلاصة
الاهتزازات القسرية هي حركة اهتزازية تحدث عندما يتعرض نظام مهتز لقوة خارجية متغيرة مع الزمن، غالبا جيبية. وصفنا معادلة الحركة في وجود نابض وتخميد وقوة قسرية، ثم رأينا كيف يتكوّن الحل من جزء حر متناقص وجزء قسري يستمر في الزمن الطويل.
في الحالة المستقرة تهتز الإزاحة بنفس تردد المصدر القسري ولكن بسعة وطور يختلفان حسب التردد ومقدار التخميد. أوضحنا كيف تتغير السعة وفرق الطور مع التردد، وبيّنا دور التخميد في تسطيح الاستجابة وتحديد انتقال الطاقة من القوة القسرية إلى النظام، مع التنبيه إلى أن دراسة الرنين وحلول الحالة المستقرة التفصيلية ستكون موضوع الفصل اللاحق.