Table of Contents
ما معنى "نموذج" في الفيزياء؟
عندما يدرس الفيزيائيون العالم من حولهم فهم لا يتعاملون مباشرة مع كل تفاصيل الواقع المعقّد. بدلا من ذلك يبنون "نماذج" مبسطة تصف جانباً معيناً من الظاهرة. النموذج الفيزيائي هو صورة ذهنية أو رياضية للواقع، نختار فيها ما نعتبره مهماً ونتجاهل ما نراه ثانوياً في سياق المسألة.
العربة الحقيقية فيها احتكاك في العجلات، وتشوه بسيط في الجسم، وتدفق هواء حولها، لكن في نموذج بسيط للحركة على سطح أملس قد نعتبر العربة "جسماً صلباً يتحرك على سطح عديم الاحتكاك". بذلك نستطيع استخدام أدوات رياضية بسيطة لحساب الحركة، مع علمنا أن هذا ليس "الحقيقة الكاملة" بل تقريب مفيد لها.
النموذج ليس رسماً واقعياً، بل أداة للتفكير والحساب. قيمته ليست في كونه "صورياً جميلاً" بل في قدرته على التنبؤ بنتائج التجارب ضمن حدود معيّنة من الدقة.
من الواقع المعقّد إلى النموذج المبسط
نقطة البداية دائماً هي الظاهرة الحقيقية، مثل سقوط الأجسام أو اهتزاز النابض أو دوران الكواكب. هذه الظواهر تتأثر بعدة عوامل في الوقت نفسه. لكن القوانين الأساسية للحركة تظهر عادة بوضوح عندما نفصل الظاهرة عن التفاصيل الثانوية.
في الميكانيكا الكلاسيكية نستخدم كثيراً ما يسمى "الجسيم النقطي". الجسيم النقطي ليس شيئاً حقيقياً يمكن أن تمسكه بيدك، بل هو نموذج نفترض فيه أن الجسم له كتلة $m$ تتركز في نقطة واحدة، ولا نهتم بحجمه أو شكله أو دورانه حول نفسه عندما لا تكون هذه الصفات مؤثرة في المسألة. سيارة تتحرك في طريق مستقيم لمسافة طويلة يمكن أن تمثل في الحساب كنقطة لها كتلة وسرعة، ما دامنا ندرس فقط حركتها الانتقالية وليس دوران عجلاتها أو اهتزاز هيكلها.
بهذا الأسلوب ننتقل من "العالم الحقيقي" إلى "العالم المبسط للنموذج". في هذا العالم المبسط تسهل كتابة المعادلات واستخدام القوانين. بعد ذلك نقارن نتائج النموذج بالتجربة لنعرف إن كان التبسيط مقبولاً أم يحتاج إلى تحسين.
التقريبات: متى نتجاهل ومتى نضيف؟
النموذج في العادة يتضمن "تقريبات". التقريب يعني أن نقول "هذا التأثير موجود فعلاً، لكن تأثيره صغير بما يكفي لنعتبره صفراً في هذا الحساب". بهذا نستطيع حل المسألة بنموذج أبسط، ثم نعرف أن هناك خطأ صغيراً في النتيجة بسبب هذا التجاهل.
هناك نوعان رئيسيان من التقريبات في الميكانيكا الكلاسيكية. الأولى تقريبات نوعية في اختيار الظواهر المهمة، مثلاً أن نعتبر الهواء عديم المقاومة أو السطح أملس تماماً. الثانية تقريبات كمية، نستخدم فيها علاقات رياضية صالحة فقط عندما يكون مقدار معيّن صغيراً أو كبيراً.
في كل تقريب توجد "مجال صلاحية". أي أن التقريب يعمل جيداً في ظروف معيّنة، ويصبح خاطئاً عندما نبتعد كثيراً عن تلك الظروف. من مهارة الفيزيائي أن يعرف متى يكون التقريب مفيداً ومتى يصبح مضللاً.
كل نموذج وكل تقريب له حدود صلاحية. استخدام نموذج خارج مجاله قد يعطي نتائج "أنيقة رياضياً" لكنها بعيدة عن الواقع.
أمثلة بسيطة على النمذجة في الميكانيكا
لنوضح فكرة النماذج الفيزيائية ببعض الأمثلة التي ستظهر لاحقاً في فصول الميكانيكا دون الدخول في تفاصيل القوانين نفسها.
في دراسة حركة المقذوفات، ككرة تُرمى في الهواء، يمكن بناء نموذجين مختلفين لنفس الظاهرة. في النموذج الأول نفترض أن الهواء ليس له أي تأثير، فيسمى "نموذج المقذوف في الفراغ". في هذا النموذج تكون المسار قطعاً مكافئاً بسيطاً يمكن حسابه بسهولة. في النموذج الثاني نضمّن مقاومة الهواء، فيصبح المسار أكثر تعقيداً، وغالباً يحتاج إلى تقنيات رياضية أكثر تقدماً أو إلى الحاسوب.
كلا النموذجين "خاطئ" من حيث الدقة التامة، لأن الهواء موجود دائماً. لكن نموذج الفراغ قد يكون كافياً لرمي كرة ثقيلة لمسافة قصيرة، بينما يصبح ضاراً إن استخدمناه لحساب مسار رصاصة أو كرة خفيفة جداً. الفيزيائي يختار النموذج الأنسب حسب الهدف المطلوب والدقة اللازمة.
مثال آخر على النمذجة هو اعتبار الجسم "صلباً تماماً". الجسم الصلب نموذج نفترض فيه أن المسافات بين نقاط الجسم لا تتغير مهما أثرت فيه قوى. في الحقيقة كل جسم قابل للتشوه قليلاً، لكن في كثير من المسائل يكون هذا التشوه صغيراً جداً بحيث يمكن إهماله. عندما ندرس حركة بندول بسيط مثلاً نستطيع اعتبار الخيط خفيفاً وغير قابل للتمدد، مع أنه في الواقع يتمدد قليلاً ويحمل جزءاً من الكتلة.
التقريبات الشائعة في الميكانيكا الكلاسيكية
في هذا الكتاب سنستخدم عدداً من التقريبات المتكررة التي من المفيد التعرف إليها من البداية. لن نشرح هنا كل خلفيتها، بل نوضح فكرتها العامة ولماذا نستعملها.
تقريب "سطح أملس" مثال أساسي. عندما نقول إن جسماً يتحرك على سطح أملس فهذا يعني أن قوة الاحتكاك بين الجسم والسطح مهملة عملياً. هذا لا يعني أن السطح في الواقع خالٍ تماماً من الاحتكاك، بل أن تأثير الاحتكاك أصغر بكثير من باقي القوى في المسألة التي ندرسها. هذا التقريب يسمح لنا باستخدام قوانين الحركة دون إضافة قوة الاحتكاك في المعادلات، ثم يمكننا في مسائل أكثر تقدماً أن ندخل الاحتكاك كنموذج جديد.
هناك كذلك تقريب "الحبل أو الخيط عديم الكتلة". عندما نعامل حبلاً أو سلسلة في مسائل الشد على أنه لا يملك كتلة، فهذا لا يعني أن كتلته صفر، بل أن كتلته صغيرة جداً مقارنة بكتلة الأجسام المربوطة به. بهذا تصبح قوة الشد على طرفي الحبل متساوية تقريباً، وهو ما يبسّط الحسابات بشكل كبير في مسائل الأجسام المترابطة.
تقريب "جسم صغير مقارنة بالمسافات" يظهر أيضاً عند دراسة الجاذبية. أحياناً نعتبر أن جسماً كروياً كبيراً، مثل الأرض، يمكن أن يُعامل وكأن كتلته كلها مركزة في مركزه عندما ندرس حركة جسم بعيد عنه نسبياً. هذا تقريب يجعل حساب قوة الجاذبية أسهل بكثير، مع أنه يفشل إذا أصبح الجسم قريباً جداً من السطح حيث تفاصيل التوزيع الفعلي للكتلة تصبح مهمة.
أما في دراسة الاهتزازات فنستخدم كثيراً تقريب "الزاوية الصغيرة". في البندول مثلاً يمكن تقريب الدالة المثلثية $\sin \theta$ بالزاوية نفسها $\theta$ إذا كانت $\theta$ صغيرة مقاسة بالراديان. هذا تقريب رياضي يسهّل الحلول ويحوّل المسألة إلى ما يسمى "حركة توافقية بسيطة". لكن هذا سيُناقش في موضعه، وما يهمنا هنا هو الفكرة العامة. نقبل أن تكون $\sin \theta \approx \theta$ عندما تكون $\theta$ صغيرة بما يكفي، مع إدراك أن هذا تقريبي وليس مساواة تامة.
مثال عددي بسيط على تقريب الزاوية الصغيرة. إذا كانت $\theta = 0.1$ راديان تقريباً $5.7^\circ$ فإن
$$
\sin(0.1) \approx 0.0998
$$
بينما
$$
\theta = 0.1
$$
الفرق بينهما أقل من 0.2 بالمئة. لهذا نقول إن $\sin \theta \approx \theta$ تقريبا جيداً عندما تكون $\theta$ صغيرة مثل $0.1$.
"التبسيط" ليس "التسطيح"
كل فيزياء الميكانيكا الكلاسيكية تقريب للواقع. فهي تتجاهل التأثيرات النسبية عندما تكون السرعات أقل بكثير من سرعة الضوء، وتتجاهل التأثيرات الكمية عندما تكون الأجسام كبيرة مقارنة بمقاييس الذرة. مع ذلك فهي في تلك الحدود تعطي نتائج دقيقة إلى حد مدهش، وتستخدم في تصميم الجسور والآلات والطرق والمركبات الفضائية.
التبسيط في النموذج لا يعني أن النظرية ساذجة، بل يعني أنها مركزة على مجال معين من الظواهر. استخدام نموذج الميكانيكا الكلاسيكية لحركة سيارة على الطريق مع أن النظرية النسبية أدق هو مثل استخدام آلة حاسبة بسيطة عوضاً عن حاسوب ضخم لحساب جمع عددين. كلاهما يستطيعان أداء المهمة، لكن البساطة أحياناً ميزة.
في مراحل كثيرة من التعلم والعلم يبدأ الفيزيائي بنموذج بسيط، ثم عندما يحتاج إلى دقة أعلى أو إلى فهم تفاصيل جديدة ينتقل إلى نموذج أكثر تعقيداً يضيف مزيداً من التأثيرات. هذه العملية المتدرجة في التعقيد تشبه تقريب صورة ضبابية أولاً ثم زيادة درجة الوضوح شيئاً فشيئاً.
التوازن بين الدقة والبساطة
عند بناء نموذج فيزيائي يوجد دائماً توازن بين الدقة والبساطة. النموذج الأكثر دقة يأخذ في الحسبان عدداً أكبر من العوامل، لكنه يصبح أصعب في الحل أو يحتاج إلى حسابات رقمية. النموذج الأبسط أسهل في الفهم والتحليل، لكنه أقل دقة. الهدف ليس اختيار "الأدق على الإطلاق" ولا "الأبسط على الإطلاق" بل اختيار الأنسب للمسألة وللمستوى المطلوب.
في مسائل تعليمية أولى نميل إلى استخدام نماذج وتقريبات بسيطة حتى تظهر الفكرة الأساسية بوضوح. ثم نضيف التعقيد تدريجياً. في الهندسة والتطبيقات العملية يُختار النموذج بناء على الدقة المطلوبة والتكلفة المقبولة للحساب أو القياس.
لا توجد نتيجة فيزيائية "بلا نموذج". أي رقم تحصل عليه في المسائل أو التجارب يعتمد دائماً على افتراضات ضمنية وتصوّر معيّن لما أهملته وما اعتبرته مهماً.
كيف تتعامل مع النماذج والتقريبات كطالب؟
عند دراسة الميكانيكا من المهم أن تعوّد نفسك على ملاحظة الافتراضات دائماً. عندما ترى في مسألة عبارة مثل "سطح أملس" أو "جسم نقطي" أو "إهمال مقاومة الهواء" فهي لا توضع للزينة، بل لتحدد النموذج الذي ستعمل في إطاره.
حاول دائماً أن تسأل نفسك سؤالين. ما الذي يعتبره هذا النموذج مهماً ويصفه بالتفصيل؟ وما الذي يهمله أو يقرّبه؟ عندما تفعل ذلك ستزداد قدرتك على الحكم على النتائج، هل هي معقولة ضمن الظروف المذكورة؟ هل سيؤدي تغيير بسيط في الظروف إلى فشل النموذج أو ما زال صالحاً تقريباً؟
مع الوقت ستدرك أن "فن الفيزياء" لا يقتصر على استخدام القوانين، بل يشمل أيضاً اختيار النموذج المناسب والتقريب الملائم. أما التفاصيل الرياضية لكتابة القوانين وحل المعادلات فستأتي في الفصول اللاحقة ضمن إطار نماذج محددة لكل نوع من أنواع الحركة التي سندرسها.