Table of Contents
لماذا احتجنا إلى نظرية جديدة؟
عند نهاية القرن التاسع عشر، بدا للكثير من الفيزيائيين أن الفيزياء قد اكتملت تقريبا. قوانين نيوتن للحركة، والكهرومغناطيسية كما صاغها ماكسويل، كانت تفسر عددا هائلا من الظواهر. مع ذلك، ظهرت تناقضات عميقة عندما حاولوا فهم الضوء والحركة بسرعات قريبة من سرعة الضوء.
في هذه المرحلة ظهرت ثلاثة توترات أساسية بين النظريات القائمة والتجربة.
أولا، تنبأت معادلات ماكسويل بأن الموجات الكهرومغناطيسية، ومنها الضوء، تنتشر في الفراغ بسرعة ثابتة $c$. هذه السرعة تظهر في النظرية ككمية مميزة لا تعتمد على مصدر الضوء. لكن في الميكانيكا الكلاسيكية، السرعات تتجمع بشكل بسيط. فإذا كان القطار يتحرك بسرعة $u$ ويرسل شعاع ضوء بسرعة $c$ بالنسبة إلى القطار، فمن الطبيعي حسب الصورة الكلاسيكية أن يرى الراصد على الأرض الضوء بسرعة $c + u$ أو $c - u$. هذا يتعارض ظاهريا مع شكل معادلات ماكسويل التي لا تسمح بتغير سرعة انتشار الموجة بتغير الراصد.
ثانيا، كان يُظن أن الموجات تحتاج إلى وسط تنتشر فيه. كما أن الصوت يحتاج إلى هواء أو مادة، افترض الفيزيائيون وجود وسط افتراضي يملأ الفضاء يسمونه "الأثير" تنتشر فيه الموجات الكهرومغناطيسية. إذا كان الأثير ثابتا في الفضاء، فإن الأرض وهي تدور وتدور حول الشمس لا بد أن تتحرك خلال هذا الأثير، فينتج فرق في سرعة الضوء حسب اتجاه حركته بالنسبة إلى "ريح الأثير". هذا التوقع يؤدي إلى نتائج قابلة للقياس.
ثالثا، فكرة الزمن المطلق والمكان المطلق كانت راسخة. في الميكانيكا النيوتونية، وجود "زمن عالمي" واحد، يُقاس بنفس الطريقة في كل مكان ولكل الراصدين، كان أمرا بديهيا. لم يشك معظم الفيزيائيين في أن اللحظة نفسها يمكن الحديث عنها في كل مكان في الكون بطريقة متسقة، وأن مسطرة القياس نفسها تعطي نفس الطول أينما كانت وكيفما تحركت.
هذه العناصر الثلاثة, ثبات سرعة الضوء في معادلات ماكسويل, فكرة الأثير, والزمن المطلق, دخلت في صراع حينما بدأت التجارب تصبح أدق.
تجربة ميكلسون مورلي وفشل الأثير
من أهم الدوافع التجريبية للنظرية الخاصة للنسبية تجربة ميكلسون مورلي التي أجريت في ثمانينيات القرن التاسع عشر. الهدف كان قياس أثر حركة الأرض خلال الأثير على سرعة الضوء في اتجاهات مختلفة.
الفكرة مبنية على تداخل موجات الضوء. إذا كانت سرعة الضوء تختلف قليلا بين اتجاهين مختلفين بسبب "ريح الأثير", فيمكن كشف هذا الفرق الدقيق من خلال نمط التداخل. وضع ميكلسون ومورلي جهازا حساسا جدا يستطيع رصد فروق صغيرة جدا في زمن وصول الضوء في مسارين مختلفين، ثم قاما بتدوير الجهاز بحثا عن أي تغيير يدل على وجود اتجاه مميز لسرعة الأرض في الأثير.
النتيجة كانت سلبية. لم يظهر أي فرق معقول في سرعة الضوء في أي اتجاه. هذه النتيجة، مع ما تلاها من تجارب مشابهة، أضعفت كثيرا فكرة الأثير الثابت، وأثارت سؤالا حادا: إذا لم يكن هناك أثير تحسب بالنسبة إليه سرعة الضوء، فعلام تستند الثوابت في معادلات ماكسويل؟ وكيف نوفق بين ثبات $c$ تجريبيا ومع equations الحركة الكلاسيكية التي تتوقع جمعا بسيطا للسرعات؟
حاول بعض الفيزيائيين إنقاذ نموذج الأثير عن طريق افتراض تقلص طول الأجسام المتحركة خلال الأثير في اتجاه الحركة. هذا ما عُرف لاحقا بتحول لورنتز في صورته الرياضية. هذه المحاولات كانت ناجحة حسابيا إلى حد ما، لكنها بدت ترقيعية من الناحية المفهومية. لماذا يجب أن تنكمش الأطوال تحديدا بالشكل المطلوب فقط لكي تفسر فشل التجربة؟ ما المبدأ العميق الذي يقف وراء ذلك؟
هنا يأتي إسهام آينشتاين. بدلا من إضافة فرضيات خاصة على الأجسام المتحركة في الأثير، قرر أن يعيد النظر في الأساسيات نفسها، أي في مفهوم الزمن والمكان وكيفية قياسهما.
تناقض الصورة الكلاسيكية مع معادلات ماكسويل
في الميكانيكا الكلاسيكية، إذا تحرك جسم بسرعة $u$ بالنسبة إلى قطار، والقطار يتحرك بسرعة $v$ بالنسبة إلى الأرض، فإن سرعة الجسم بالنسبة إلى الأرض تعطى بالعلاقة البسيطة
$$
u' = u + v
$$
هذه العلاقة صالحة للسرعات العادية في حياتنا اليومية. لكنها إذا طُبقت على الضوء تعطي مشكلة فورية. لنفترض أن مصدر الضوء مثبت في قطار ويتحرك بسرعة $v$ بالنسبة إلى الأرض، وأن الضوء يخرج من المصدر بسرعة $c$ بالنسبة إلى القطار. حسب قانون الجمع الكلاسيكي للسرعات يجب أن يرى الراصد على الأرض الضوء بسرعة $c + v$ في اتجاه الحركة، وهو ما يناقض النتيجة التجريبية التي تقول إن سرعة الضوء هي نفسها في كل الاتجاهات ولجميع الراصدين.
من جهة أخرى، معادلات ماكسويل نفسها لا تذكر الأثير ولا تفرق بين راصد وآخر. إذا كتبت هذه المعادلات في جهاز إحداثيات ما، وحلتها لموجة كهرومغناطيسية في الفراغ، تحصل على موجة تسير بسرعة $c$ التي تعتمد على ثوابت الوسط. في الفراغ، هذه السرعة تعطى بالعلاقة
$$
c = \frac{1}{\sqrt{\mu_0 \varepsilon_0}}
$$
حيث $\mu_0$ و $\varepsilon_0$ ثوابت فيزيائية تقاس بالتجربة. لا تظهر في هذه الصيغة أي إشارة إلى حالة حركة الراصد أو المصدر. هذا يعني أن للضوء سرعة مفضلة مرتبطة بطبيعة الفراغ نفسه.
إما أن نعدل الميكانيكا الكلاسيكية وقانون جمع السرعات، أو نعدل الكهرومغناطيسية. الخيار الثاني كان غير مقبول تقريبا لأن معادلات ماكسويل كانت قد أثبتت نجاحا باهرا ودقيقا. من هنا نشأ الشعور بأن هناك شيئا خاطئا في نظرتنا التقليدية للزمان والمكان، وليس في الكهرومغناطيسية.
من الزمن المطلق إلى نسبية الزمن
الفكرة التقليدية للزمن ترى أنه يجري بشكل موحد ومستقل عن كل شيء. يمكن وضع ساعات في أماكن مختلفة، وتوقع أن كلها تشير إلى نفس "الآن" إذا جرى تصحيح فروقها التقنية. لكن إذا كان الضوء يلعب دورا أساسيا في نقل المعلومات، فمفهوم "الآن" نفسه يصبح أقل بداهة.
لنفترض أنك تريد أن تقرر ما إذا كان حدثان متباعدان في الفضاء قد حدثا في اللحظة نفسها. الطريقة العملية الوحيدة هي أن ترسل إشارات بين مواضع هذه الأحداث ثم تقيس أزمنة وصولها. هذا الإجراء يعتمد على سرعة انتقال الإشارة، وعادة ما تُستخدم الإشارة الضوئية باعتبارها الأسرع. إذا كانت سرعة الضوء محدودة وثابتة، فتعريفك للتزامن بين حدثين يعتمد على كيفية استخدامك للضوء في المقارنة بين الأزمنة.
هذا الاعتبار العملي يقود إلى شك عميق في أن التزامن "الآني" بين أحداث متباعدة مفهوم مطلق. قد يتوقف على حالة حركة الراصد. هذا ما سيتضح لاحقا عند دراسة نسبية التزامن، لكن جذوره تكمن في الطريقة التي نُجري بها القياسات نفسها.
ما فعله آينشتاين هو أنه أخذ عملية القياس على محمل الجد. سأل عن الكيفية التي نحدد بها وقت وقوع حدث عند نقطة ما في الفضاء وكيف نقارن أزمنة أحداث في أماكن مختلفة. بدل أن يبدأ من فرضيات ميتافيزيقية عن الزمن، انطلق من إجراءات عملية للتعيين الزمني باستخدام الضوء والساعات.
الطريق إلى صياغة المسلمات
كل ما سبق من تناقضات وتجارب وملاحظات يمكن تلخيصه في سؤالين:
- هل قوانين الفيزياء نفسها لكل الراصدين الذين يتحركون بحركة منتظمة بالنسبة بعضهم لبعض، أم أن هناك إطارا مرجعيا مميزا؟
- ما العلاقة بين الزمن والمكان والحركة وسرعة الضوء، بحيث نبقي على نجاح الكهرومغناطيسية، وخصوصا ثبات $c$، دون الحاجة إلى أثير؟
للإجابة عن هذين السؤالين، اقترح آينشتاين أن نتخلى عن فكرة الأثير وخلفية الفضاء المميزة، وأن نقبل مبدئين بسيطين يتوافقان مع كل التجارب المعروفة آنذاك. هذان المبدآن أو "المسلمان" يشكلان أساس النظرية الخاصة للنسبية.
الفكرة الجوهرية هي أن الفيزياء يجب أن تصاغ بحيث لا تميز بين راصدين يتحركان بحركة مستقيمة منتظمة، وأن سرعة الضوء في الفراغ قيمة أساسية لا تعتمد على حالة حركة الراصد أو المصدر. ما يترتب على هذين الافتراضين من عواقب على الزمن والطول والجمع النسبي للسرعات، سيتم تناوله في الفصول اللاحقة.
طبيعة المسلمات في الفيزياء
في الرياضيات، المسلمات عادة تُتخذ كنقاط انطلاق مجردة ثم تُبنى عليها نظريات منطقيا. في الفيزياء، المسلمات لها طابع مختلف. هي مبادئ عامة مستخلصة من تجارب وملاحظات واسعة، يُفترض صحتها ضمن نطاق معين من الظواهر. أهميتها لا تأتي من بداهتها العقلية، بل من قوتها التفسيرية وقدرتها على توحيد نتائج تجريبية متفرقة في إطار واحد بسيط.
مسلمات النسبية الخاصة لا تُشتق من معادلات أعم، بل تُقبل لأن كل التجارب المتاحة تؤيدها، ولأنها تقود إلى بناء نظري متماسك يفسر كما كبيرا من الظواهر. إذا ظهرت تجارب تناقضها في المستقبل، فستحتاج الفيزياء إلى تعميمها أو استبدالها بمبادئ أوسع. هذه النظرة الديناميكية للمسلمات جزء أساسي من المنهج الفيزيائي.
في حالة النسبية الخاصة، تمثل المسلمات استجابة مباشرة لمشكلات الأثير، وتجربة ميكلسون مورلي، وتوتر الكهرومغناطيسية مع الميكانيكا الكلاسيكية. نتائجها، مثل تمدد الزمن وانكماش الطول وتحولات لورنتز، ليست فرضيات إضافية بل عواقب ضرورية للمسلمات عند تطبيقها على الزمكان والحركة.
تمهيد لمسلمات النظرية الخاصة للنسبية
بعد هذه الخلفية المفهومية والتاريخية، نصل إلى صياغة واضحة للمسلمات التي اقترحها آينشتاين. هذه المسلمات ستكون موضوعا مفصلا في الفروع التالية عن "مبدأ النسبية" و"ثبات سرعة الضوء". هنا يكفي أن نُمهّد للفكرة العامة من غير الدخول في التفاصيل الرياضية.
تُقر المسلمة الأولى بأن قوانين الفيزياء، بكل أشكالها، يجب أن تكون متماثلة في جميع الأطر المرجعية التي تتحرك بسرعة ثابتة بعضها بالنسبة إلى بعض. هذا يلغي الحاجة إلى أثير أو إطار مميز.
وتُقر المسلمة الثانية بأن سرعة الضوء في الفراغ هي نفسها لكل الراصدين العطاليين، بغض النظر عن حالة حركة المصدر أو الراصد نفسه. هذا يُحوّل $c$ من مجرد ثابت في معادلات الكهرومغناطيسية إلى خاصية أساسية للزمكان.
هذه الصياغة البسيطة في ظاهرها، ستقودنا إلى إعادة تعريف الزمن والمكان، وإلى مفاهيم جديدة مثل الزمكان والأحداث وتحولات لورنتز. لكن قبل الوصول إلى تلك النتائج، لا بد من فهم المسلمات نفسها بعمق، وهو ما سيُتناول في الفروع اللاحقة تحت هذا الفصل.