Table of Contents
تمهيد إلى حركة أنظمة الجسيمات
عندما درسنا حركة جسيم واحد، كانت حالته تُوصف بموضعه وسرعته وتسارعه، وبالقوى المؤثرة عليه. لكن في الطبيعة الفعلية نادرًا ما نجد جسيمًا واحدًا منعزلًا، بل نجد دائمًا مجموعات من الجسيمات تتفاعل معًا، مثل كواكب المجموعة الشمسية، أو جزيئات الغاز في إناء، أو مجموعة من العربات المتصلة بحبال، أو حتى أجزاء جسم الإنسان أثناء الجري.
في هذا الفصل ننتقل من وصف حركة جسيم مفرد إلى وصف حركة نظام من الجسيمات. الفكرة الأساسية هي أن النظام كله يمكن في كثير من الأحيان أن يُعامل كما لو كان "جسيمًا مكافئًا" متمثلًا في نقطة خاصة تسمى مركز الكتلة. هذه الفكرة ستُطوَّر في الفصل اللاحق، أما هنا فنركز على مبادئ حركة النظام ككل، وما الذي يميزها عن حركة كل جسيم على حدة.
ما هو نظام الجسيمات؟
نقصد بـ "نظام الجسيمات" مجموعة من الجسيمات، يمكن أن تكون قليلة العدد أو كثيرة جدًا، نعرف مواضعها وكتلها، وقد تتفاعل فيما بينها بقوى داخلية، وقد تؤثر عليها أيضًا قوى خارجية.
قد يكون النظام:
نظامًا محدودًا بعدد صغير مثل كتلتين متصلتين بحبل، أو عربتين بينهما نابض.
أو نظامًا كبيرًا مثل غاز يحتوي عددًا هائلًا من الجزيئات، أو مجموعة نجوم في مجرة.
ما يهمنا في هذا الفصل هو النظر إلى الحركة الجماعية لهذه الجسيمات، بدلًا من تتبع كل جسيم على حدة، واستخلاص قوانين تربط بين القوى الخارجية وحركة النظام ككل.
الوصف الميكانيكي لنظام من الجسيمات
لنعتبر نظامًا مكونًا من $N$ جسيمات، لكل جسيم كتلة $m_i$ وموضع متجه $\vec r_i(t)$ بالنسبة إلى إطار مرجعي عطالي. الموضع الكلي للنظام لا يُحدد بنقطة واحدة، لأن لكل جسيم مكانه الخاص. لذلك، وصف الحالة الميكانيكية للنظام يتطلب معرفة:
موضع كل جسيم $ \vec r_i(t)$
سرعة كل جسيم $ \vec v_i(t) = \dfrac{d \vec r_i}{dt}$
القوى المؤثرة على كل جسيم
لكن تتبع هذه التفاصيل قد يكون معقدًا جدًا عندما يكون عدد الجسيمات كبيرًا. لهذا نبحث عن كميات "كلية" تلخص سلوك النظام، مثل مجموع الكتل و مجموع الزخم وموضع "مركز الكتلة". هذه الكميات تسمح بوصف "حركة النظام" من دون الحاجة لتفاصيل حركة كل جسيم.
قوى النظام: داخلية وخارجية
في نظام الجسيمات، كل جسيم قد يتعرض لقوى من جسيمات أخرى داخل النظام، بالإضافة إلى قوى من خارج النظام. من المفيد التفريق بين نوعين من القوى:
القوى الداخلية
وهي القوى التي تؤثر بها جسيمات النظام على بعضها البعض. مثل قوة الشد في الحبل الذي يربط عربتين، أو قوة الجذب بين كتلتين في نظام معزول، أو قوى التصادم بين كرات في صندوق واحد.
القوى الخارجية
وهي القوى التي تأتي من أجسام أو حقول في "الخارج"، أي لا تُعد جزءًا من النظام. مثل قوة الجاذبية من الأرض على النظام، أو قوة دفع من يدك على إحدى كتل النظام، أو قوة احتكاك من أرضية لا نعدها جزءًا من النظام.
في الفصل اللاحق "ديناميكا أنظمة الجسيمات" سيتم تحليل أثر هذه القوى على حركة النظام بطريقة مفصلة، لكن هنا يكفي أن نؤكد أن حركة النظام ككل تتأثر فقط بـالقوة الخارجية المحصلة، بينما القوى الداخلية تلعب دورًا في تفاعلات الجسيمات فيما بينها، ولكنها كثيرًا ما تتلاشى تأثيراتها عند النظر إلى الحركة الكلية.
الزخم الكلي للنظام
عندما درسنا الزخم الخطي لجسيم واحد، كان الزخم يُعرّف بالعلاقة:
$$
\vec p = m \vec v
$$
في نظام مكون من عدة جسيمات، الزخم الكلي هو مجموع زخوم جميع الجسيمات. إذا كان للجسيم $i$ زخم $\vec p_i = m_i \vec v_i$ فإن الزخم الكلي للنظام هو
$$
\vec P = \sum_{i=1}^{N} \vec p_i = \sum_{i=1}^{N} m_i \vec v_i
$$
هذه الكمية تلخص "كمية الحركة" التي يحملها النظام كوحدة واحدة، وهي تلعب دورًا أساسيًا في فهم حركة النظام، وخصوصًا عند دراسة قوانين الحفظ والتصادمات.
الزخم الكلي لنظام من الجسيمات:
$$
\vec P = \sum_{i=1}^{N} m_i \vec v_i
$$
في الفصول الخاصة بالزخم والتصادمات سيُدرس حفظ الزخم ومعادلات التصادم بالتفصيل، أما هنا فنركز على ربط هذا الزخم بحركة النظام ككل، وبخاصة بحركة مركز الكتلة.
حركة النظام ومركز الكتلة
على الرغم من أن موضع كل جسيم في النظام مختلف، إلا أنه يمكننا تعريف نقطة مميزة واحدة "تمثل" توزع الكتلة في النظام، هذه النقطة تسمى مركز الكتلة. الفصل التالي سيكرس لتعريف مركز الكتلة وخواصه، لكن لأغراض هذا الفصل نكتفي بفكرتين أساسيتين:
أولًا، أن موضع مركز الكتلة هو متوسط وزني لمواضع الجسيمات مع أوزان تساوي كتلها.
ثانيًا، أن حركة مركز الكتلة تخضع لقوانين نيوتن كما لو أن كل كتلة النظام مركزة في تلك النقطة، وتتأثر فقط بالقوة الخارجية المحصلة.
هذا يعني أن دراسة حركة نظام معقد يمكن تبسيطها جدًا إذا ركزنا على حركة مركز الكتلة، والذي سنتعلم لاحقًا أنه يحقق تقريبًا المعادلة
$$
M \vec a_{\text{CM}} = \vec F_{\text{ext,\,net}}
$$
حيث $M$ هي الكتلة الكلية للنظام، و$\vec a_{\text{CM}}$ تسارع مركز الكتلة، و$\vec F_{\text{ext,\,net}}$ القوة الخارجية المحصلة. الاشتقاق التفصيلي والعلاقة الدقيقة ستأتي في "ديناميكا أنظمة الجسيمات"، لكننا هنا نمهّد لفكرة أن "حركة النظام" يمكن ردها إلى "حركة مركز كتلته".
مثال تمهيدي
تخيل عربتين كتلتاهما $m_1$ و $m_2$ متصلتين بحبل خفيف، وتُسحبان معًا على سطح أفقي أملس بقوة أفقية ثابتة $\vec F$ تؤثر في العربة الأمامية فقط.
بدل أن تحاول تتبع حركة كل عربة على حدة، يمكنك أن تنظر إلى النظام "العربتان والحبل" كجسم واحد كتلته $M = m_1 + m_2$، وقوته الخارجية المحصلة هي نفسها $\vec F$. النتيجة أن تسارع مركز كتلة النظام يعطى بقانون نيوتن الثاني:
$$
M \vec a_{\text{CM}} = \vec F
$$
من هنا يمكن فيما بعد إعادة استنتاج تسارع كل عربة على حدة عن طريق العلاقات الداخلية، لكن الوصف الكلي لحركة النظام يتم بسرعة كبيرة عن طريق مركز الكتلة.
التقريب الجسيمي للأجسام الصلبة
في الفصول السابقة عومل الجسم في الغالب كجسيم واحد مادي، له كتلة عند نقطة، من دون الاهتمام بأبعاده. الآن، مع أنظمة الجسيمات، يمكننا أن نفهم بصورة أعمق متى يكون هذا التقريب معقولًا، ومتى يجب أن نأخذ في الاعتبار التركيب الداخلي للجسم.
جسم صلب مثل حجر أو كرة يمكن اعتبارها في مواقف كثيرة نظامًا من عدد هائل من الجسيمات (الذرات والجزيئات). مشكلة تتبع كل هذه الجسيمات مستحيلة عمليًا، لكن ما يحدث أن مركز الكتلة للجسم يتصرف في كثير من الحالات كما لو كان "جسيمًا مكافئًا". أي أن مسار حركة الحجر في الهواء هو مسار مركز كتلته، وكأن كل كتلته متركزة في تلك النقطة.
هذا الفهم يربط بين:
نموذج "الجسيم الواحد"
ونموذج "نظام الجسيمات"
ويفسر لماذا كان من الممكن في الفصول السابقة التعامل مع الأجسام الكبيرة على أنها جسيمات منفردة، طالما كنا نهتم فقط بحركة انتقالية، لا بحركة دورانية أو تشوهات داخلية. أما حين نهتم بحركة الاستدارة أو الاهتزازات الداخلية، فلا يعود التقريب بجسيم واحد كافيًا، ويصبح وصف الجسم كنظام من الجسيمات أمرًا ضروريًا، وهذا ما يُمهد لدراسة "الحركة الدورانية" و"ديناميكا الأجسام الصلبة".
الطاقة في نظام من الجسيمات
الطاقة الميكانيكية في نظام من الجسيمات تنقسم بصورة طبيعية إلى نوعين:
طاقة مرتبطة بحركة مركز الكتلة
وهي ما يمكن أن نسميه "طاقة حركة كلية" للنظام ككل بوصفه جسيمًا واحدًا. فإذا كان لمركز الكتلة سرعة $\vec v_{\text{CM}}$، فإن طاقة حركته ستُعبّر لاحقًا بشكل يشبه طاقة جسيم واحد.
طاقة داخلية مرتبطة بالحركة النسبية للجسيمات
هذه تعبر عن حركات الجسيمات بالنسبة لمركز الكتلة، وعن اهتزازاتها أو دورانها الداخلي، وتسمى أحيانًا بالطاقة الداخلية الميكانيكية للنظام.
في فصل "حفظ الطاقة" و"ديناميكا أنظمة الجسيمات" سيتم التفصيل في كيفية تقسيم الطاقة الحركية للنظام إلى جزء متعلق بمركز الكتلة وجزء متعلق بالحركة النسبية، لكن في هذا الفصل يكفي أن نشير إلى أن الانتقال من جسيم واحد إلى نظام جسيمات يكشف لنا بنية أكثر ثراء للطاقة، وهو ما سيكون مهمًا عندما ندرس الاهتزازات والموجات لاحقًا.
أنظمة الجسيمات كنموذج للعالم الحقيقي
السبب الرئيس لدراسة حركة أنظمة الجسيمات هو أن معظم الأنظمة الفيزيائية المهمة عبارة عن مجموعات من الجسيمات:
حبيبات رمل تتحرك معًا مكونة كومة.
قطرات ماء في سيل أو أمواج بحرية.
نجوم داخل مجرة، أو مجرات داخل عنقود مجري.
ذرات وجزيئات داخل بلورة صلبة، أو غاز أو سائل.
في كل هذه الأمثلة، ليس الهدف الأساسي هو معرفة مسار كل جسيم منفرد، بل فهم السلوك الجماعي، كحركة مركز الكتلة للنظام، أو التوزيع الكلي للزخم والطاقة، أو القوانين العامة التي تحكم التفاعل بين الأجزاء. دراسة حركة أنظمة الجسيمات هي الخطوة الأولى في هذا الطريق. فهي تجسر بين الميكانيكا البسيطة لجسيم واحد وبين الوصف الإحصائي والحراري للأنظمة الكبيرة، والذي ينتمي إلى فروع أكثر تقدمًا مثل الميكانيكا الإحصائية.
خلاصة الفصل
في هذا الفصل قدّمنا الفكرة العامة لحركة أنظمة الجسيمات، دون التعمق بعد في التعريفات التفصيلية مثل مركز الكتلة وخواصه، أو تحليل القوى الداخلية والخارجية عبر معادلات كمية. الفكرة الجوهرية هي أن النظام، مهما كان معقدًا، يمكن غالبًا تبسيطه عند النظر إلى حركته الكلية باعتباره كتلة واحدة مركزة في مركز كتلته، تخضع للقوى الخارجية فقط.
في الفصل التالي عن "مركز الكتلة" سنعرّف هذه النقطة بدقة، ونتعرف إلى خصائصها الرياضية والفيزيائية، وكيف يمكن أن نستخدمها لوصف حركة أنظمة الجسيمات بصورة كمية، تمهيدًا للانتقال بعد ذلك إلى "ديناميكا أنظمة الجسيمات" حيث تُشتق القوانين الأساسية التي تحكم تسارع مركز الكتلة وعلاقته بالزخم والقوى.