Kahibaro
Discord Login Register

الزخم الزاوي

تمهيد إلى الزخم الزاوي

في هذا الفصل نركّز على مفهوم الزخم الزاوي في الحركة الدورانية. في الفصول السابقة عن الكينماتيكا الزاوية والديناميكا الدورانية تعرّفنا على المتغيّرات الزاوية والعزم وعزم القصور الذاتي وطاقة الدوران، وبيّنا كيف تشبه الحركة الدورانية الحركة الخطية من حيث البنية الرياضية. هنا نضيف عنصرًا أساسيًا في وصف الحركة الدورانية، هو الزخم الزاوي، الذي يرتبط بقوانين الحفظ وبسلوك الأنظمة الدوّارة بطريقة عميقة جدًا.

الزخم الزاوي هو الكمية التي تقيس "مدى دوران" الجسم حول نقطة أو محور معيّن، مع أخذ كل من توزيع الكتلة وسرعة الدوران بعين الاعتبار. كما أن الزخم الخطي يعبر عن "كمية الحركة" في الحركة الانتقالية، فإن الزخم الزاوي يعبر عن "كمية الحركة الدورانية".

الزخم الزاوي لجسيم نقطة

نبدأ من أبسط حالة، جسيم مادي صغير كتلته $m$ يتحرك في الفضاء. نفترض أن موضعه بالنسبة إلى نقطة مرجعية ثابتة $O$ يُعطى بالمتجه $\vec r$، وأن زخمه الخطي $\vec p$ (المعرّف في الفصول السابقة) هو

$$
\vec p = m \vec v
$$

حيث $\vec v$ هي السرعة الخطية للجسيم.

يُعرَّف الزخم الزاوي للجسيم النقطة بالنسبة إلى النقطة $O$ بالضرب الاتجاهي بين متجه الموضع ومتجه الزخم:

$$
\vec L = \vec r \times \vec p
$$

هذا التعريف يحمل عدة معانٍ مهمة. المحصلة الاتجاهية $\vec r \times \vec p$ تعطي متجهًا عموديًا على المستوي الذي يضم $\vec r$ و$\vec p$. فالاتجاه يحدّده "قاعدة اليد اليمنى"، بينما يعبر مقدار المتجه عن مدى قدرة هذا الجسيم على إحداث دوران حول النقطة $O$.

إذا كانت الزاوية بين $\vec r$ و$\vec p$ هي $\theta$ فإن مقدار الزخم الزاوي يساوي

$$
L = |\vec L| = r p \sin\theta
$$

أي أنه يتوقف على طول متجه الموضع، ومقدار الزخم الخطي، والزاوية بينهما. إذا كان $\vec p$ موازيًا تمامًا لـ$\vec r$ أو معاكسًا له فإن $\sin\theta = 0$ ويكون الزخم الزاوي صفراً، رغم أن الجسيم قد يكون في حركة سريعة جدًا. هذا يوضّح أن الزخم الزاوي يعتمد على "الذراع" بالنسبة إلى نقطة المرجع، وليس على السرعة وحدها.

مثال توضيحي بسيط
تخيّل جسيمًا يتحرك في خط مستقيم لا يمر بنقطة الأصل $O$. بالنسبة إلى $O$ يكون هناك متجه موضع $\vec r$ ومتجه زخم $\vec p$ يصنعان زاوية غير صفرية، فينتج عنهما زخم زاوي غير صفري. أما إذا اخترنا كنقطة مرجعية نقطة تقع على امتداد خط حركة الجسيم فسيكون $\vec r$ موازيًا لـ$\vec p$، وبالتالي يكون الزخم الزاوي بالنسبة إلى هذه النقطة مساوياً للصفر. هذا يبرز اعتماد الزخم الزاوي على اختيار نقطة المرجع.

الزخم الزاوي بالنسبة إلى محور

في الكثير من مسائل الميكانيكا الدورانية نهتم بالزخم الزاوي حول محور معيّن، مثل محور دوران قرص أو محور دوران كوكب حول الشمس. في هذه الحالة نصوغ الزخم الزاوي بالنسبة إلى محور بدلاً من نقطة.

إذا كان المحور معرفًا باتجاه معيّن، وليكن متجه الوحدة $\hat n$، فإن المركبة من الزخم الزاوي حول هذا المحور تعطى بالإسقاط:

$$
L_{\hat n} = \vec L \cdot \hat n
$$

فإذا كان المحور يمر بنقطة $O$ التي أخذنا منها متجه الموضع، نأخذ أولاً $\vec L = \vec r \times \vec p$ ثم نسقطه على اتجاه المحور. كثيرًا ما يُكتفى بالتعامل مع مقدار $L$ عندما يكون الجسيم يتحرك في مستوٍ عمودي على المحور. في هذه الحالة يكون $\vec L$ موازيًا للمحور تمامًا، فيتحقق

$$
L_{\hat n} = L
$$

هذه الصيغة مفيدة عند دراسة أجسام تدور في مستو معين حول محور ثابت، حيث يصبح الزخم الزاوي مؤشراً مباشرًا على "قوة الدوران" حول ذلك المحور.

الزخم الزاوي لجسم صلب يدور حول محور ثابت

في فصل الديناميكا الدورانية درسنا عزم القصور الذاتي $I$ لجسم صلب يدور حول محور ثابت بسرعات زاوية مختلفة، وربطنا العزم بالعزم المؤثر وفق صيغة دورانية لقوانين نيوتن. الزخم الزاوي هو الحلقة التي تربط $I$ بالسرعة الزاوية.

إذا كان الجسم الصلب يدور حول محور ثابت بسرعة زاوية منتظمة $\vec\omega$، ويُعامل كمنظومة من جسيمات كل منها كتلته $m_i$ وموضعه متجه $\vec r_i$، فإن الزخم الزاوي الكلي للجسم هو مجموع الزخم الزاوي للجسيمات:

$$
\vec L = \sum_i \vec r_i \times \vec p_i = \sum_i \vec r_i \times m_i \vec v_i
$$

بما أن لكل جسيم سرعة $\vec v_i = \vec\omega \times \vec r_i$ في الحركة الدورانية المحضة حول محور ثابت، يمكننا استبدالها في التعبير السابق. في حالة الدوران حول محور ثابت ومعلوم، وبفرض أن عزم القصور الذاتي $I$ معروف بالنسبة إلى هذا المحور، نحصل على علاقة بسيطة للغاية بين الزخم الزاوي والسرعة الزاوية. في هذه الحالة يكون $\vec L$ موازيًا لاتجاه $\vec\omega$، ويكون

$$
\vec L = I \vec\omega
$$

وإذا اهتممنا بالمقدار فقط، فإن

$$
L = I \omega
$$

هذه الصيغة تشبه كثيرًا صيغة الزخم الخطي $p = m v$ في الحركة الانتقالية. هنا تلعب السرعة الزاوية $\omega$ دور السرعة الخطية $v$، ويلعب عزم القصور الذاتي $I$ دور الكتلة $m$.

مهم أن نلاحظ أن هذه الصيغة البسيطة تفترض أن الجسم يدور حول محور ثابت يمر بمركز الكتلة أو بمحور رئيسي للقصور، بحيث يكون اتجاه $\vec L$ موازيًا لاتجاه $\vec\omega$. في الحالات العامة الأكثر تعقيدًا لا يكون $\vec L$ موازيًا بالضرورة لـ$\vec\omega$، ويُستخدم عندئذ الوصف بمصفوفة (أو موتر) القصور الذاتي الذي يندرج تحت مواضيع متقدمة.

مثال عددي بسيط
قرص متجانس نصف قطره $R$ وكتلته $M$ يدور حول محور يمر بمركزه وعمودي على سطحه بسرعة زاوية مقدارها $\omega$. من الجداول المعروفة في الديناميكا الدورانية يكون عزم قصوره الذاتي
$$
I = \frac{1}{2} M R^2
$$
إذن الزخم الزاوي حول هذا المحور هو
$$
L = I \omega = \frac{1}{2} M R^2 \omega
$$
فيزداد الزخم الزاوي بزيادة كتلة القرص أو نصف قطره أو سرعة دورانه.

علاقة العزم الزاوي بمعدل تغيّر الزخم الزاوي

في الديناميكا الدورانية تعرّفنا على العزم $\vec\tau$ كقياس لمقدرة القوة على إحداث دوران. التعريف المتجه للعزم بالنسبة إلى نقطة $O$ هو

$$
\vec\tau = \vec r \times \vec F
$$

حيث $\vec F$ القوة المؤثرة على الجسيم الذي موضعه $\vec r$. العلاقة الأساسية بين العزم والزخم الزاوي هي النظير الدوراني لقانون نيوتن الثاني.

عند اشتقاق متجه الزخم الزاوي بالنسبة إلى الزمن نحصل على

$$
\frac{d\vec L}{dt} = \frac{d}{dt} (\vec r \times \vec p)
$$

وباستخدام قواعد اشتقاق الضرب الاتجاهي، مع افتراض أن نقطة المرجع ثابتة، نحصل على

$$
\frac{d\vec L}{dt} = \vec r \times \frac{d\vec p}{dt}
$$

وبما أن $\dfrac{d\vec p}{dt} = \vec F$ وفق قانون نيوتن للحركة، نحصل على

$$
\frac{d\vec L}{dt} = \vec r \times \vec F = \vec\tau
$$

أي أن العزم الكلي بالنسبة إلى نقطة معينة يساوي معدل تغيّر الزخم الزاوي بالنسبة إلى هذه النقطة.

هذه الصيغة صالحة لجسيم واحد، ويمكن تعميمها إلى نظام من الجسيمات أو جسم صلب باعتبار العزم الكلي والزخم الزاوي الكلي. بذلك تصبح

$$
\vec\tau_{\text{الصافي}} = \frac{d\vec L}{dt}
$$

حيث $\vec\tau_{\text{الصافي}}$ هو مجموع العزوم الخارجية المؤثرة على النظام.

هذه العلاقة هي أساس الديناميكا الدورانية، وتربط بين العزم (السبب) وبين تغيّر الزخم الزاوي (الاستجابة)، كما يربط قانون نيوتن الثاني بين القوة وتغيّر الزخم الخطي.

حفظ الزخم الزاوي وغياب العزم الخارجي

العلاقة السابقة تؤدي مباشرة إلى مبدأ مهم جدًا في الميكانيكا، هو مبدأ حفظ الزخم الزاوي. إذا كان العزم الصافي الخارجي المؤثر على نظام ما بالنسبة إلى نقطة معينة يساوي صفرًا، أي

$$
\vec\tau_{\text{الخارجي, الصافي}} = 0
$$

فإن المعادلة

$$
\vec\tau_{\text{الصافي}} = \frac{d\vec L}{dt}
$$

تعطي

$$
\frac{d\vec L}{dt} = 0
$$

أي أن الزخم الزاوي يكون ثابتًا مع الزمن. بعبارة أخرى

$$
\vec\tau_{\text{الخارجي, الصافي}} = 0 \quad \Longrightarrow \quad \vec L = \text{ثابت}
$$

هذا هو قانون حفظ الزخم الزاوي. له تطبيقات واسعة للغاية في الفيزياء، من حركة الكواكب حول الشمس إلى دوران النجوم النيوترونية إلى ألعاب الجمباز والرقص على الجليد.

من المهم التأكيد أن حفظ الزخم الزاوي يعتمد على اختيار نقطة المرجع. قد يكون العزم الخارجي بالنسبة إلى نقطة ما مساويًا للصفر فيحفظ الزخم الزاوي بالنسبة إليها، بينما لا يكون كذلك بالنسبة إلى نقطة أخرى. لذا يجب دائمًا تحديد محور أو نقطة المرجع عند الحديث عن حفظ الزخم الزاوي.

مثال نوعي
انظر إلى شخص يدور على كرسي قابل للدوران ممسكًا بكتلتين في يديه وذراعيه ممدودتين. إذا كانت العزوم الخارجية على النظام (الشخص والكرسي والكتلتان) مهملة تقريبًا، فإن الزخم الزاوي الكلي يُحفظ. إذا سحب الشخص ذراعيه نحو جسمه تقلّ قيمة عزم القصور الذاتي $I$. بما أن $L = I \omega$ ثابت، فإن نقصان $I$ يؤدي إلى زيادة $\omega$، أي أن سرعة الدوران تزداد. هذا السلوك يفسَّر مباشرة من خلال مبدأ حفظ الزخم الزاوي.

الزخم الزاوي في الإحداثيات القطبية لحركة الجسيم

عند دراسة جسيم يتحرك في مستوٍ من الأفضل أحيانًا استخدام الإحداثيات القطبية $(r, \theta)$ بدلًا من الإحداثيات الكارتيزية. إذا كان الجسيم يتحرك في مستوٍ حول نقطة أصل، وكان نصف قطر الموضع هو $r$ وزاوية الموضع هي $\theta$، فإن متجه الموضع يمكن كتابته على الصورة

$$
\vec r = r \,\hat e_r
$$

حيث $\hat e_r$ متجه الوحدة القطبي الشعاعي. الزخم الخطي في المستوي يمكن كتابته في صورة مركبتين شعاعية وزاوية، لكن بالنسبة إلى الزخم الزاوي حول نقطة الأصل يكفي النظر إلى المركبة الزاوية للحركة.

إذا كان الجسيم يتحرك في المستوي، فإن الزخم الزاوي حول نقطة الأصل يكون عموديًا على المستوي ويمكن كتابة مقداره في الإحداثيات القطبية بالشكل

$$
L_z = m r^2 \dot\theta
$$

حيث $L_z$ هو مركبة الزخم الزاوي العمودية على المستوي، و$\dot\theta = \dfrac{d\theta}{dt}$ هي السرعة الزاوية للجسيم حول نقطة الأصل.

هذه الصيغة تشبه كثيرًا صيغة $L = I \omega$، إذ يلعب المقدار $m r^2$ دور "عزم القصور الذاتي" لجسيم على بعد $r$ من المحور.

هذه الصيغة مفيدة خصوصًا في دراسة الحركات المركزية التي يكون فيها اتجاه القوة دائمًا نحو نقطة ثابتة، كما هو الحال في الجاذبية الكوكبية أو في القوة الكهروسكونية المركزية. في مثل هذه الحالات يمكن أن يكون العزم الخارجي حول نقطة المركز مساويًا للصفر، مما يؤدي إلى حفظ $L_z$، وهو ما يقود إلى نتائج هندسية مهمة في حركة الكواكب والمدارات.

الزخم الزاوي لنظام من الجسيمات

عندما نتعامل مع نظام مكوَّن من عدة جسيمات، يمكن تعريف الزخم الزاوي الكلي للنظام حول نقطة $O$ على أنه مجموع الزخم الزاوي لكل جسيم:

$$
\vec L_{\text{الكلي}} = \sum_{i} \vec r_i \times \vec p_i
$$

حيث $\vec r_i$ موضع الجسيم $i$ بالنسبة إلى $O$ و$\vec p_i$ زخمه الخطي. إذا أثّرت قوى داخلية بين الجسيمات، فإن أزواج هذه القوى تنشئ عزومًا داخلية متساوية في المقدار ومتعاكسة في الاتجاه، فتتلاشى في المجموع الكلي. عندئذ يكون العزم الكلي المغير للزخم الزاوي هو العزم الناتج عن القوى الخارجية فقط.

بهذا نصل إلى صيغة عامة

$$
\vec\tau_{\text{الخارجي, الصافي}} = \frac{d\vec L_{\text{الكلي}}}{dt}
$$

والتي تعبر عن أن تغيّر الزخم الزاوي لنظام من الجسيمات يحدده العزم الصافي للقوى الخارجية المؤثرة عليه. وهذا يقود مباشرة إلى حفظ الزخم الزاوي للنظام عندما يكون العزم الخارجي معدومًا.

هذه النتيجة أساسية في دراسة ديناميكا الأجسام الصلبة وأنظمة الجسيمات، وسنعود إليها في فصول لاحقة عند مناقشة الحركة العامة للأجسام الصلبة والحركة المدارية وحركة أنظمة الجسيمات.

الزخم الزاوي والطاقة الدورانية

رغم أن الزخم الزاوي وطاقة الدوران كميتان مختلفتان، إلا أن بينهما علاقة بسيطة في حالات معينة. إذا كان الجسم الصلب يدور حول محور ثابت بسرعة زاوية $\omega$، وعزم قصوره الذاتي $I$، فإن طاقة الدوران $K_{\text{دوران}}$ (التي درست في فصل طاقة الدوران) تُكتب كالتالي:

$$
K_{\text{دوران}} = \frac{1}{2} I \omega^2
$$

ومن جهة أخرى، في نفس الحالة يكون الزخم الزاوي

$$
L = I \omega
$$

يمكننا التعبير عن طاقة الدوران بدلالة الزخم الزاوي مباشرة عن طريق حذف $\omega$ من المعادلتين. نحصل على

$$
K_{\text{دوران}} = \frac{L^2}{2 I}
$$

هذه العلاقة مفيدة عند دراسة أنظمة محفوظ فيها الزخم الزاوي. فعندما يتغير عزم القصور الذاتي لنظام مع بقاء الزخم الزاوي ثابتًا، فإن طاقة الدوران يمكن أن تتغيّر. هذا مهم في فهم العديد من الظواهر الفيزيائية مثل تغير سرعة دوران الأجرام الفلكية مع تغيير توزيع كتلتها.

ملاحظات ختامية حول الزخم الزاوي

الزخم الزاوي ليس مجرد كمية تقنية إضافية في الميكانيكا، بل هو مفهوم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتناظرات الفضاء وقوانين الحفظ الأساسية. في الميكانيكا الكلاسيكية، إذا كان النظام متماثلًا بالنسبة إلى الدوران حول محور معيّن، فإن الزخم الزاوي حول هذا المحور يُحفظ. هذا الارتباط بين التناظر والحفظ يصبح أكثر عمقًا في الصيغ المتقدمة للميكانيكا مثل ميكانيكا لاغرانج وميكانيكا هاملتون.

في الفصول اللاحقة عن "حفظ الزخم الزاوي" و"الحركة العامة للأجسام الصلبة" و"ميكانيكا لاغرانج وهاملتون" ستظهر أهمية الزخم الزاوي بشكل أوضح، وسنرى كيف يُستخدم في تحليل حركات معقدة كحركة الجيروسكوبات، وحركة المدارات، وسلوك الأنظمة الدوّارة في الأطر المرجعية غير العطالية.

Views: 6

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!