Kahibaro
Discord Login Register

مفاهيم تمهيدية عن الجيروسكوب

مدخل إلى الجيروسكوب في سياق الحركة العامة للأجسام الصلبة

الجيروسكوب مثال مهم على جسم صلب يدور ويتحرك في الفضاء، حيث لا يكون الدوران ببساطة حول محور ثابت، بل يكون المحور نفسه متحركا في الفضاء ويتغيّر اتجاهه مع الزمن. في هذه الفقرة التمهيدية سنركّز على فهم الظواهر الخاصة بالجيروسكوب من منظور نوعي، مع أقل قدر ممكن من الرياضيات التفصيلية، لأن الصياغة العامة ستُتناول بدقة أكبر في سياقات لاحقة عندما نربطها بالزخم الزاوي والديناميكا الدورانية.

الجيروسكوب يمكن أن يكون قرصا أو دولابا يدور بسرعة كبيرة حول محوره، ويكون هذا الدولاب مثبتا بطريقة تسمح لمحوره أن يغيّر اتجاهه بحرية تقريبا في الفضاء، مثل الجيروسكوبات المعلَّقة في حلقات (gimbal) أو لعبة "البلبل" الدوّار.

الزخم الزاوي واتجاه محور الدوران في الجيروسكوب

في الحركة العامة للأجسام الصلبة عرفنا أن للجسم الدوار كمية متجهة تسمى الزخم الزاوي، وأنه عند غياب عزوم قوى خارجية يكون الزخم الزاوي محفوظا في المقدار والاتجاه. في حالة الجيروسكوب يكون محور الدوران مرتبطا بقيم واتجاه الزخم الزاوي، لذلك يميل المحور إلى "التمسك" باتجاهه.

عندما يدور القرص بسرعة زاوية كبيرة، يكون مقدار الزخم الزاوي $L$ كبيرا، لأن

$$
L = I \omega
$$

حيث $I$ عزم القصور الذاتي حول محور الدوران، و$\omega$ السرعة الزاوية. كلما زاد $L$ أصبح من الصعب على القوى الخارجية أن تغيّر اتجاه الزخم الزاوي بسرعة كبيرة، فيبدو الجيروسكوب كأنه "عنيد" في اتجاه محوره.

القاعدة العامة: في غياب عزم خارجي، يبقى متجه الزخم الزاوي $ \vec{L} $ ثابتا في المقدار والاتجاه.

في الجيروسكوب نستغل هذه الحقيقة: إذا جعلنا القرص يدور بسرعة كبيرة، يصبح متجه الزخم الزاوي ثابتا تقريبا في الفضاء رغم تأثيرات الجاذبية أو التأثيرات الصغيرة الأخرى، فيحافظ المحور على اتجاهه.

ظاهرة المبادرة (Precession) في الجيروسكوب

على الرغم من أن الزخم الزاوي يحب أن يحافظ على اتجاهه، إلا أن الواقع أن هناك عزوما خارجية تؤثر عادة على الجيروسكوب، أهمها عزم الجاذبية إذا كان الجيروسكوب مثبتا من نقطة واحدة أو يحمل وزنا على أحد طرفيه.

عندما يؤثر عزم خارجي عمودي تقريبا على متجه الزخم الزاوي، لا يدفع الجيروسكوب ليسقط مباشرة كما نفكر في الأجسام العادية، بل يظهر سلوك مميز يسمى "المبادرة" أو "السبق الحركي"، حيث يدور محور الجيروسكوب ببطء حول خط رأسي، في مسار مخروطي تقريبا.

لفهم ذلك نوعيا، نتذكر أن العزم الزاوي يتغيّر مع الزمن طبقا للعزم الخارجي

$$
\vec{\tau} = \frac{d\vec{L}}{dt}
$$

بما أن $\vec{\tau}$ يكون في اتجاه عمودي تقريبا على $\vec{L}$، فإن تأثيره لا يكون في تقليل مقدار $L$، بل في تدوير اتجاهه قليلا. لذلك بدلا من أن "يسقط" الجيروسكوب، يبدأ محور الدوران نفسه في التحرك في اتجاه عمودي على كل من العزم والزخم الزاوي.

نتيجة ذلك، يوصف محور الجيروسكوب بأنه يخضع لحركة بطيئة حول محور آخر، وهذه الحركة البطيئة هي المبادرة. السرعة الزاوية لهذه المبادرة تعتمد على عزم الجاذبية وعلى مقدار الزخم الزاوي.

الاتجاه النوعي لحركة المبادرة: يتغيّر اتجاه $ \vec{L} $ بحيث يتحرّك في اتجاه المتجه $ \vec{\tau} $, ولذلك يكون محور الجيروسكوب "مسبوقا" بحركة بطيئة حول محور العزم الخارجي.

مثال نوعي على المبادرة
تخيّل قرصا يدور بسرعة كبيرة وهو مثبت من طرف محور أفقي. قوة الجاذبية على القرص تولّد عزما حول نقطة التثبيت يتجه أفقيا. هذا العزم لا يسقط القرص مباشرة، بل يسبّب حركة محوره بحيث يدور الطرف الحر للمحور حول الخط الرأسي, فيبدو وكأن الجيروسكوب "يدور أفقيا" مع أن الجاذبية عمودية إلى أسفل.

الاستقرار الجيروسكوبي

من الخصائص المدهشة للجيروسكوب قدرته على منح الاستقرار للأجسام الدوّارة. مثلا، لعبة البلبل تدور منتصبة، ولو توقفت عن الدوران لسقطت. التفسير النوعي يرتبط بالزخم الزاوي وبتأثير العزم الخارجي على اتجاه هذا الزخم.

عندما يدور البلبل بسرعة كبيرة، يكون زخمـه الزاوي كبيرا. عزم الجاذبية الناتج عن مركز كتلته الذي لا يقع تماما على خط نقطة التلامس مع الأرض يحاول "إمالة" البلبل، لكن بدلا من أن يسقط، يتولد عنه حركة مبادرة، فيدور محور البلبل حول العمودي. ما دام الزخم الزاوي كبيرا، فإن التغيّر في اتجاهه يكون بطيئا، فيظل المحور قريباً من العمودي، فيبدو الجسم مستقرا.

مع تناقص سرعة دوران البلبل يقل الزخم الزاوي، فيصبح تأثير العزم نفسه أكبر نسبيا، فتزداد سرعة المبادرة ويصبح الميل أكبر، ثم يفقد الجسم استقراره ويسقط.

إذن الاستقرار الجيروسكوبي ليس "اختفاء" لتأثير الجاذبية، بل هو تحويل لهذا التأثير من ميل مباشر إلى حركة مبادرة بطيئة، تكبحها قيمة الزخم الزاوي الكبيرة.

فكرة كمية عن سرعة المبادرة

دون الدخول في اشتقاق تفصيلي، يمكننا إعطاء صيغة تقريبية لسرعة المبادرة لجيروسكوب بسيط، قرص كتلته $m$ نصف قطره $R$، مركز كتلته على بعد $r$ من نقطة التعليق، يدور بسرعة زاوية $\omega$ حول محوره المار بمركزه.

العزم الناتج عن الجاذبية هو تقريبا

$$
\tau \approx m g r
$$

وأما الزخم الزاوي حول محور تماثل القرص فهو

$$
L = I \omega
$$

وفي حالة قرص رقيق منتظم حول مركزه

$$
I = \frac{1}{2} m R^2
$$

سرعة المبادرة الزاوية حول المحور الرأسي، والتي نرمز لها بـ $\Omega$, ترتبط تقريبا بالعزم والزخم الزاوي بعلاقة من الشكل

$$
\Omega \approx \frac{\tau}{L}
$$

فبالتعويض

$$
\Omega \approx \frac{m g r}{I \omega}
$$

ثم باستبدال $I$ لقرص رقيق

$$
\Omega \approx \frac{2 g r}{R^2 \omega}
$$

هذه العلاقة تبين نوعيا أن زيادة سرعة الدوران $\omega$ أو زيادة عزم القصور $I$ يقلل من سرعة المبادرة، فيصبح الجيروسكوب أكثر "ثباتا".

الاعتماد الأساسي لسرعة المبادرة في جيروسكوب بسيط
$$
\Omega \propto \frac{\tau}{L} \propto \frac{1}{\omega}
$$
أي أن زيادة سرعة الدوران حول المحور الرئيس تجعل المبادرة أبطأ.

النترجة (Nutation) والحركة المركبة للمحور

في الواقع، الحركة العامة لمحور الجيروسكوب ليست دائما مبادرة سلسة وبطيئة فقط، بل قد تظهر اهتزازات سريعة فوق هذا التغيّر البطيء تسمى "النترجة". هذه الاهتزازات هي نتيجة أن محور الدوران لا يبدأ تماما في حالة توازن مبادرة مستقر، بل يكون له ميل ابتدائي وسرعة زاوية ليست بالضبط ما يقتضيه توازن المبادرة المنتظمة.

في هذه الحالة، يتكوّن للحركة ثلاث درجات من التعقيد

  1. دوران سريع للقرص حول محوره الخاص.
  2. مبادرة بطيئة لمحور الدوران حول خط رأسي أو خط ثابت آخر.
  3. نترجة, وهي تأرجح دوري لمحور الدوران حول موضع المبادرة المتوسطة.

في المستوى التمهيدي يكفي أن ندرك أن هذه الحركات الثلاث result from كون الجيروسكوب جسما صلبا يمتلك عدة محاور قصور ذاتي، وأن الزخم الزاوي ليس بالضرورة موافقا لمتجه السرعة الزاوية في كل الحالات. التفصيل الرياضي لهذا الموضوع يربط بدراسة الزخم الزاوي العام للأجسام الصلبة والخواص الذاتية لعزم القصور.

تطبيقات الجيروسكوبات في التوجيه والقياس

القوة التوجيهية للجيروسكوب, أي ميله للحفاظ على اتجاه متجه الزخم الزاوي في الفضاء, تستغل في عدد كبير من التطبيقات العملية. أهم هذه التطبيقات تشمل

  1. أنظمة التوجيه بالقصور الذاتي في السفن والطائرات والصواريخ، حيث تستخدم جيروسكوبات ميكانيكية أو جيروسكوبات حديثة تعتمد على تأثيرات فيزيائية أخرى للحفاظ على مرجع اتجاهي مستقل عن النجوم أو عن الأرض.
  2. أجهزة قياس السرعة الزاوية, المسماة "جيروسكوب معدل" (rate gyroscope), حيث يحول الجيروسكوب عزم الدوران أو سرعة المبادرة إلى إشارة كهربائية متناسبة مع السرعة الزاوية.
  3. تثبيت الكاميرات والأجهزة البصرية, مثل مثبتات الكاميرات المحمولة أو منصات التصوير الجوية، حيث يستخدم الجيروسكوب للمحافظة على اتجاه ثابت بصريا حتى لو تحرك حامل الجهاز.

في كثير من هذه التطبيقات لا تكون الجيروسكوبات اليوم مجرد أقراص ميكانيكية, بل قد تكون جيروسكوبات ضوئية أو جيروسكوبات تعتمد على التداخل أو الخصائص الكمية, لكنها تبقى مستندة إلى المبدأ نفسه, وهو أن وجود كمية كبيرة من الزخم الزاوي المرتبط بحرية حركة معينة يسمح للحساس أن يستشعر التغيرات في الاتجاه أو في السرعة الزاوية.

الجيروسكوب وعلاقته بالحركة العامة للأجسام الصلبة

الجيروسكوب يقدم مثالا غنيا يوضح الأفكار الأساسية في حركة الأجسام الصلبة. في الحركة العامة للأجسام الصلبة تعلمنا أن حركة الجسم يمكن أن تُفهم كسلسلة من انتقالات ودورانات، وأن لعزم القصور والزخم الزاوي دورا أساسيا في وصف هذه الحركة. الجيروسكوب يبرز النقاط الآتية

أولا, أن الزخم الزاوي قد يكون كبيرا بحيث يجعل تغير الاتجاه صعبا, فيظهر ثبات ديناميكي لا يتوفر لجسم لا يدور.

ثانيا, أن العزم الخارجي يمكن أن يترجم أساسا إلى تغيّر في اتجاه متجه الزخم الزاوي, وليس بالضرورة إلى تغيّر في مقداره, مما يولّد حركات مثل المبادرة والنترجة بدلا من سقوط بسيط.

ثالثا, أن محور الدوران الفوري لجسم صلب لا يكون بالضرورة ثابتا في الفضاء, بل يتحرك في منحنيات معقدة يعينها تفاعل العزوم الخارجية مع الخصائص الهندسية لعزم القصور الذاتي للجسم.

هذه المفاهيم التمهيدية ستكتمل عندما يتم ربطها بصورة أوضح في سياق الزخم الزاوي وحفظه في الأجسام الصلبة، وفي سياق الأطر غير العطالية وقوى كوريوليس في الفصول اللاحقة، حيث تظهر التشابهات بين سلوك الجيروسكوب وتأثير دوران الأرض على الأجسام المتحركة عليها.

Views: 6

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!