Table of Contents
تمهيد
في فصل الشغل والطاقة تم تقديم فكرة عامة عن العلاقة بين الشغل وتغيّر طاقة الجسم. في هذا الفصل سنركّز على نوع محدد من الطاقة هو الطاقة الحركية، وهي الطاقة المرتبطة بحركة الأجسام، وكيفية قياسها وفهم معناها الفيزيائي، ثم نرى كيف ترتبط بالشغل الذي تبذله القوى.
تعريف الطاقة الحركية لجسم جسيمي
لنفترض جسما نقطيا كتلته $m$ يتحرك بسرعة مقدارها $v$ بالنسبة إلى إطار مرجعي عطالي. نعرّف الطاقة الحركية $K$ لهذا الجسم بالعلاقة:
$$
K = \frac{1}{2} m v^2
$$
هذه الصيغة تعطي طاقة حركية مقدارها صفر إذا كان الجسم ساكنا، أي عندما يكون $v = 0$، وتزداد طرديا مع كل من الكتلة ومربع السرعة، أي أن مضاعفة السرعة لا يضاعف الطاقة الحركية فقط بل يزيدها أربع مرات.
السرعة هنا هي مقدار متجه السرعة، أي
$$
v = |\vec{v}|
$$
ولا يهم اتجاه الحركة في حساب مقدار الطاقة الحركية، لذلك تعد الطاقة الحركية كمية قياسية وليست متجهة.
اشتقاق صيغة الطاقة الحركية من الشغل
في هذا الجزء نربط بين تعريف الطاقة الحركية وتعريف الشغل الذي تمت مناقشته في فصل الشغل. الفكرة الأساسية أن الشغل الذي تبذله قوة محصلة على جسم يساوي مقدار التغيّر في طاقته الحركية.
اعتبر جسما كتلته $m$ يتحرك في بعد واحد تحت تأثير قوة محصلة ثابتة $\vec{F}$، ويزداد موضعه من $x_1$ إلى $x_2$. الشغل الذي تبذله القوة هو
$$
W = F\, \Delta x \cos\theta
$$
حيث $\theta$ هي الزاوية بين متجه القوة ومتجه الإزاحة. في حالة الحركة في اتجاه القوة تماما تكون $\cos\theta = 1$ فيصبح
$$
W = F \Delta x
$$
حسب قانون نيوتن الثاني
$$
F = m a
$$
وباعتبار أن التسارع ثابت يمكن استخدام معادلة الحركة
$$
v^2 = v_0^2 + 2 a \Delta x
$$
بحيث $v_0$ السرعة الابتدائية و $v$ النهائية. نعزل $a \Delta x$:
$$
a \Delta x = \frac{v^2 - v_0^2}{2}
$$
إذن
$$
W = F \Delta x = m a \Delta x = m \frac{v^2 - v_0^2}{2}
= \frac{1}{2} m v^2 - \frac{1}{2} m v_0^2
$$
نلاحظ هنا ظهور الكمية $\frac{1}{2} m v^2$ بشكل طبيعي، فنعرّف:
الطاقة الحركية
$$
K = \frac{1}{2} m v^2
$$
تغيّر الطاقة الحركية
$$
\Delta K = K_2 - K_1 = \frac{1}{2} m v^2 - \frac{1}{2} m v_0^2
$$
ومن ثم يصبح
مبدأ الشغل والطاقة الحركية
$$
W_{\text{المحصلة}} = \Delta K
$$
أي أن الشغل الذي تبذله القوة المحصلة يساوي الزيادة في الطاقة الحركية للجسم.
هذا المبدأ نفسه سيتم تعميمه لاحقا في سياقات أكثر تعقيدا، ولكن ما يهمنا هنا هو أن العلاقة $K = \frac{1}{2} m v^2$ ليست تعريفا اعتباطيا، بل نتيجة مباشرة لبنية قوانين نيوتن للحركة.
خواص الطاقة الحركية
كونها دائما غير سالبة
من التعريف
$$
K = \frac{1}{2} m v^2
$$
ونظرا إلى أن كل من $m$ و $v^2$ كميتان غير سالبتين، فإن الطاقة الحركية لا يمكن أن تكون سالبة. القيم الممكنة هي:
$$
K \geq 0
$$
يساوي الصفر عندما يكون الجسم ساكنا، ويكون موجبا عندما يتحرك الجسم بسرعة غير صفرية.
حتى عندما يكون الشغل المبذول من قوة ما سالبا، فهذا يعني أن الطاقة الحركية تنقص، لا أن قيمتها نفسها تصبح سالبة، بل تنخفض من قيمة أعلى إلى قيمة أقل.
الاعتماد على إطار الإسناد
الطاقة الحركية تعتمد على السرعة، والسرعة تعتمد على الإطار المرجعي الذي نقيس منه. لذلك فإن الطاقة الحركية ليست كمية مطلقة، بل نسبية إلى الإطار العطالي الذي نختاره.
جسم قد يكون ساكنا في قطار متحرك، فتكون طاقته الحركية بالنسبة للقطار صفرا، بينما له طاقة حركية غير صفريه بالنسبة للأرض، لأن سرعته بالنسبة للأرض ليست صفرا. هذا أمر مهم عند التعامل مع مسائل أنظمة الجسيمات والحركة النسبية، وسيعود الظهور عندما نناقش مركز الكتلة والحفظ في التصادمات.
الطاقة الحركية كمية قياسية
على الرغم من أن الطاقة الحركية مشتقة من متجه السرعة، إلا أنها لا تحمل معلومات عن اتجاه الحركة، لذلك هي كمية قياسية. يمكن جمع طاقات حركية لأجسام متعددة جبريا دون الحاجة إلى قواعد جمع المتجهات. هذا يختلف عن الزخم الذي يعتمد مباشرة على متجه السرعة.
الطاقة الحركية في الأبعاد المتعددة
في أبعاد أعلى من واحد تظل صيغة الطاقة الحركية نفسها، لكننا نستخدم متجه السرعة. إذا كانت سرعة الجسم تعطى بالمتجه
$$
\vec{v} = (v_x, v_y, v_z)
$$
فإن مقدار السرعة هو
$$
v = \sqrt{v_x^2 + v_y^2 + v_z^2}
$$
والطاقة الحركية تصبح
$$
K = \frac{1}{2} m (v_x^2 + v_y^2 + v_z^2)
$$
هذه الصيغة تعبر عن أن الطاقة الحركية هي مجموع "مساهمات" الحركة في كل اتجاه. من الناحية العملية يمكن أن نحسب $v$ أولا ثم نستخدم العلاقة المعتادة.
مثال توضيحي
جسم كتلته $2\,\text{kg}$ يتحرك في بعدين، حيث سرعة مكوّناته
$$
v_x = 3\,\text{m/s},\quad v_y = 4\,\text{m/s}
$$
مقدار السرعة
$$
v = \sqrt{3^2 + 4^2} = 5\,\text{m/s}
$$
إذن الطاقة الحركية
$$
K = \frac{1}{2} \times 2 \times 5^2 = 25\,\text{J}
$$
أو مباشرة
$$
K = \frac{1}{2} m (v_x^2 + v_y^2)
= \frac{1}{2} \times 2 \times (3^2 + 4^2)
= 25\,\text{J}
$$
تفسير الطاقة الحركية من خلال القدرة على إنجاز شغل
يمكن فهم الطاقة الحركية على أنها "مخزون" من القدرة على إنجاز شغل. جسم متحرك يستطيع أن يؤثر في أجسام أخرى ويتسبب في إزاحتها بقوة، أي أن يبذل شغلا عليها، إلى أن تتناقص سرعته وتتبدد طاقته الحركية بأشكال أخرى من الطاقة.
إذا اصطدمت كرة متحركة بجسم ساكن وسببته في الحركة أو في تشوه، فإن جزءا من طاقتها الحركية انتقل إلى ذلك الجسم على شكل طاقة حركية أو طاقة كامنة أو حرارة، بحسب طبيعة التصادم. لذلك ترتبط الطاقة الحركية ارتباطا وثيقا بفكرة "العمل الممكن إنجازه بواسطة الحركة".
مجموع الطاقات الحركية في نظام جسيمات
عندما يكون لدينا نظام من عدة جسيمات، لكل منها كتلته وسرعته، نعرّف الطاقة الحركية الكلية للنظام بأنها مجموع طاقات الجسيمات الفردية.
إذا كان لدينا $N$ جسيمات كتلة الجسيم $i$ هي $m_i$ وسرعته مقدارها $v_i$، فإن:
$$
K_{\text{الكلية}} = \sum_{i=1}^{N} \frac{1}{2} m_i v_i^2
$$
هذا التعريف مفيد عندما ندرس لاحقا حركة أنظمة الجسيمات، ومركز الكتلة، والطاقة الداخلية لأنظمة مكوّنة من عدة جسيمات أو جسيمات مترابطة.
الطاقة الحركية الخطية والطاقة الحركية الدورانية
في هذا الفصل نركّز على الطاقة الحركية الناتجة عن الحركة الانتقالية للجسم، أي حركته من مكان إلى آخر بسرعة $\vec{v}$، ولهذا تسمى أحيانا "الطاقة الحركية الخطية".
عندما نصل إلى الحركة الدورانية سنعرّف طاقة حركية أخرى مرتبطة بدوران الأجسام حول محاور معينة، وتعتمد على السرعة الزاوية وعزم القصور الذاتي. في الحركة العامة للجسم الصلب يمكن أن يتواجد كلا النوعين في وقت واحد، طاقة حركية انتقالية وطاقة حركية دورانية.
العلاقة بين الطاقة الحركية والزخم
يُعرّف الزخم الخطي لجسم كتلته $m$ وسرعته $\vec{v}$ بأنه
$$
\vec{p} = m \vec{v}
$$
على الرغم من أن دراسة الزخم تأتي في فصل مستقل، إلا أن هناك علاقة رياضية بسيطة بين مقدار الزخم والطاقة الحركية للجسم نفسه.
بما أن
$$
v = \frac{p}{m}
$$
فإن
$$
K = \frac{1}{2} m v^2
= \frac{1}{2} m \left(\frac{p}{m}\right)^2
= \frac{p^2}{2m}
$$
حيث $p = |\vec{p}|$. هذه العلاقة مفيدة في بعض المسائل، خاصة في سياق التصادمات عندما يكون الزخم معطى مباشرة، ولكن يجب تذكّر أنها تصف جسم جسيمي واحد وتفترض صحة ميكانيكا نيوتن في السرعات الصغيرة نسبيا مقارنة بسرعة الضوء.
توضيحات حول الوحدات والأبعاد
من فصل الوحدات والأبعاد نعلم أن الكتلة تقاس في النظام الدولي بوحدة $\text{kg}$ وأن السرعة تقاس بوحدة $\text{m/s}$. من الصيغة
$$
K = \frac{1}{2} m v^2
$$
يمكننا التحقق من وحدة الطاقة الحركية:
$$
[\!K\!] = [m] [v]^2 = \text{kg} \left(\frac{\text{m}}{\text{s}}\right)^2
= \text{kg} \frac{\text{m}^2}{\text{s}^2}
$$
وهذه هي وحدة الجول
$$
1\,\text{J} = 1\,\text{kg}\,\frac{\text{m}^2}{\text{s}^2}
$$
وبالتالي تقاس الطاقة الحركية، مثلها مثل أي نوع آخر من الطاقة في الميكانيكا الكلاسيكية، بوحدة الجول.
مثال حساب وحدة الطاقة الحركية
جسم كتلته $0.5\,\text{kg}$ يتحرك بسرعة $10\,\text{m/s}$.
الطاقة الحركية
$$
K = \frac{1}{2} \times 0.5 \times 10^2
= 25\,\text{J}
$$
من حيث الوحدات
$$
[\!K\!] = \text{kg}\,\frac{\text{m}^2}{\text{s}^2}
= \text{J}
$$
تطبيقات بسيطة على مفهوم الطاقة الحركية
إيقاف جسم متحرك
إحدى الطرق العملية لفهم مقدار الطاقة الحركية هي السؤال: "كم شغلا يلزم لبذله لإيقاف الجسم؟".
إذا كانت طاقة الجسم الحركية الابتدائية $K$، ثم أثرت عليه قوة بحيث أوقفته تماما، فإن سرعته النهائية تكون صفرا، أي أن طاقته الحركية النهائية صفر. بالتالي
$$
\Delta K = K_{\text{نهاية}} - K_{\text{بداية}} = 0 - K = -K
$$
حسب مبدأ الشغل والطاقة الحركية
$$
W_{\text{المحصلة}} = \Delta K = -K
$$
أي أن الشغل المبذول لإيقاف الجسم يساوي في المقدار طاقته الحركية الابتدائية، ولكنه سالب لأنه يقلل هذه الطاقة.
هذا يفسر مثلا لماذا تحتاج سيارة تسير بسرعة كبيرة إلى مسافة طويلة للتوقف، فالطاقة الحركية تزداد مع مربع السرعة، والقوة التي يمكن أن تؤثر بها المكابح محدودة، فيلزم شغل أكبر وبالتالي مسافة توقف أطول.
مقارنة طاقتين حركيتين
إذا زادت سرعة جسم بنسبة معينة، فكيف تتغير طاقته الحركية؟ إذا كانت السرعة الجديدة $v' = k v$ حيث $k$ عدد موجب، فتصبح الطاقة الجديدة
$$
K' = \frac{1}{2} m {v'}^2
= \frac{1}{2} m (k v)^2
= k^2 \frac{1}{2} m v^2
= k^2 K
$$
إذن مضاعفة السرعة ($k = 2$) تجعل الطاقة الحركية أربعة أضعاف، وزيادة السرعة ثلاثة أضعاف تجعل الطاقة الحركية تسعة أضعاف وهكذا. هذه العلاقة المربعة بين السرعة والطاقة الحركية لها آثار عملية كثيرة في الحياة اليومية، خصوصا في السلامة المرورية وحوادث التصادم.
خاتمة
في هذا الفصل تم التركيز على تعريف الطاقة الحركية للجسم الجسيمي وصيغتها الرياضية، وكيف تنشأ طبيعيا من مبدأ الشغل، وجرى توضيح بعض خواصها الأساسية مثل كونها كمية قياسية وغير سالبة واعتمادها على إطار الإسناد، مع التمييز بين الطاقة الحركية الانتقالية وأنواع أخرى ستناقش لاحقا مثل طاقة الدوران. في الفصول التالية سيجري استخدام مفهوم الطاقة الحركية ضمن مبدأ أشمل لحفظ الطاقة وتحليل الحركات المعقدة والأنظمة المختلفة.