Table of Contents
فكرة حفظ الطاقة في الميكانيكا الكلاسيكية
عندما ندرس الشغل والطاقة نصل إلى فكرة عميقة وبسيطة في الوقت نفسه, هي أن الطاقة في الكون لا تُخلق من عدم ولا تُفنى إلى لا شيء, بل تتحول من شكل إلى آخر داخل النظام أو تنتقل بين الأنظمة. في هذا الفصل نركّز على هذه الفكرة في سياق الميكانيكا الكلاسيكية للحركات البطيئة مقارنة بسرعة الضوء وللأجسام العادية التي نتعامل معها في الحياة اليومية.
مفهوم حفظ الطاقة يرتبط دائمًا بتعريف نظام معيّن وتحديد نوع القوى التي تؤثر فيه. لذلك لا معنى للحديث عن حفظ الطاقة من دون أن نوضّح ما هو النظام وما هي القوى الفاعلة وأي أشكال للطاقة نريد تتبعها.
الأنظمة المعزولة والمفتوحة
لكي نفهم متى نحصل على قانون حفظ طاقة بسيط, نحتاج إلى التمييز بين نوعين من الأنظمة.
النظام المعزول هو نظام لا يتبادل الطاقة مع الوسط المحيط به. لا يدخل إليه شغل من الخارج ولا يخرج منه شغل إلى الخارج, ولا يوجد انتقال للطاقة الحرارية أو أي نوع آخر من الطاقة. في هذا الوضع يكون مجموع طاقة النظام ثابتًا مع الزمن.
النظام غير المعزول أو المفتوح هو الذي يمكن أن يبذل شغلاً على الوسط الخارجي أو يُبذل عليه شغل من الخارج, أو يحصل فيه انتقال للطاقة بطرق أخرى. في هذه الحالة لا يكون مجموع طاقة النظام ثابتًا بالضرورة, بل يتغيّر وفقًا للشغل أو انتقال الطاقة مع المحيط.
من المهم أن ندرك أن "العزلة" هنا ليست مطلقة من الناحية العملية, بل هي تقريب. في كثير من المسائل نعتبر جسمًا أو مجموعة أجسام نظامًا معزولًا إذا كانت التبادلات مع المحيط صغيرة بحيث يمكن إهمالها ضمن الدقة المطلوبة.
الطاقة الميكانيكية ومتى تُحفَظ
في سياق الميكانيكا الكلاسيكية نركّز عادة على نوع معيّن من الطاقة هو الطاقة الميكانيكية. وهي مجموع الطاقة الحركية والطاقة الكامنة المرتبطة بقوى معيّنة مثل الجاذبية وقوة النابض. إذا رمَزنا للطاقة الحركية بـ $K$ وللطاقة الكامنة بـ $U$ فإن الطاقة الميكانيكية الكلية $E$ تُكتب
$$
E = K + U
$$
في العديد من المسائل البسيطة التي لا يوجد فيها احتكاك أو قوى "مُبدِّدة" للطاقة, نجد أن الطاقة الميكانيكية تحفظ. أي أن
$$
E_\text{ابتدائية} = E_\text{نهائية}
$$
أو بصيغة تفاضلية
$$
\frac{dE}{dt} = 0
$$
لكن هذه المساواة لا تتحقق دائمًا, بل تحتاج إلى شروط معيّنة تتعلق بطبيعة القوى المؤثرة.
القوى المحافظة وحفظ الطاقة الميكانيكية
الشرط الأساسي لحفظ الطاقة الميكانيكية هو أن تكون القوى التي تؤثر في النظام قوى محافظة فقط. القوة المحافظة هي القوة التي يمكن اشتقاقها من طاقة كامنة $U$ بحيث يمكن وصف تأثيرها من خلال تغير هذه الطاقة الكامنة. في هذه الحالة, الشغل الذي تبذله القوة يعتمد فقط على موضعي البداية والنهاية ولا يعتمد على المسار الذي يسلكه الجسم بينهما.
في وجود قوى محافظة فقط, يتحقق القانون التالي
في نظام تؤثر فيه قوى محافظة فقط,
$$
K_1 + U_1 = K_2 + U_2
$$
حيث تشير الأرقام $1$ و $2$ إلى حالتين مختلفتين للنظام.
هذا يعني أن أي نقصان في الطاقة الكامنة يتحول إلى زيادة في الطاقة الحركية, والعكس صحيح. فالطاقة الميكانيكية الكلية لا تتغير وإنما تتنقل بين شكلين هما $K$ و $U$.
إذا وُجدت قوى غير محافظة مثل الاحتكاك الحركي أو مقاومة الهواء, فإن الطاقة الميكانيكية لا تبقى ثابتة, بل تنقص عادة لأن جزءًا منها يتحول إلى أشكال أخرى من الطاقة مثل الطاقة الحرارية.
الصياغة الرياضية لعلاقة الشغل والطاقة
في فصل الشغل تم بيان أن الشغل المرتبط بقوة ما يساوي التغير في الطاقة الحركية في حالة عدم وجود طاقة كامنة مرتبطة بتلك القوة. في حالة القوى المحافظة, يمكننا ربط الشغل بالتغير في الطاقة الكامنة. إذا اعتبرنا أن القوة المحافظة $\vec{F}$ هي قوة وحيدة تؤثر في جسم يتحرك من نقطة $1$ إلى نقطة $2$, يكون الشغل
$$
W_{1 \to 2} = \int_{1}^{2} \vec{F} \cdot d\vec{r}
$$
لكن بالنسبة لقوة محافظة يمكن تعريف طاقة كامنة $U$ بحيث
$$
W_{1 \to 2} = - \Delta U = -\bigl(U_2 - U_1\bigr)
$$
وبمقارنة ذلك مع مبرهنة الشغل والطاقة الحركية التي تربط الشغل بالتغير في $K$, نحصل على
$$
\Delta K = W_{1 \to 2} = -\Delta U
$$
وبالتالي
$$
\Delta K + \Delta U = 0
$$
أي أن
$$
K_2 + U_2 = K_1 + U_1
$$
كما كتبنا من قبل.
في وجود قوى محافظة فقط,
$$
\Delta K = -\Delta U, \quad \Delta(K + U) = 0
$$
أي أن الطاقة الميكانيكية $K + U$ محفوظة.
هذه الصيغة تعبر عن جوهر حفظ الطاقة الميكانيكية بالنسبة للحركات التي تخضع لقوى محافظة كالوزن وقوة النابض في غياب الاحتكاك.
الشغل الذي تبذله القوى غير المحافظة
عندما توجد قوى غير محافظة, مثل قوة الاحتكاك الحركي أو مقاومة الهواء أو قوة محرك يقوم بسحب جسم, فإن الطاقة الميكانيكية للنظام لا تعود ثابتة. يصبح لدينا ارتباط بين التغير في الطاقة الميكانيكية وبين الشغل الذي تبذله هذه القوى.
إذا رمزنا بالطاقة الميكانيكية إلى $E_\text{mec} = K + U$, ورمزنا بالشغل الذي تبذله القوى غير المحافظة إلى $W_\text{غير محافظ}$ فإن العلاقة تأخذ الصورة
في وجود قوى غير محافظة,
$$
\Delta E_\text{mec} = W_\text{غير محافظ}
$$
أي أن التغير في الطاقة الحركية والكامنة معًا يساوي الشغل الذي تبذله القوى غير المحافظة.
في حالة الاحتكاك مثلًا يكون الشغل الذي تبذله قوة الاحتكاك سالبًا عادة, لأن هذه القوة تعاكس الحركة. لذا تنقص الطاقة الميكانيكية, ويتحول الجزء المفقود إلى طاقة حرارية داخل الأجسام أو في الوسط المحيط.
هذه المعادلة هي التعميم للطاقة الميكانيكية عندما لا تعود محفوظة. لكنها تظل متوافقة مع قانون حفظ الطاقة الشامل على مستوى الكون, لأن الطاقة "المفقودة" في الوصف الميكانيكي تظهر من جديد كطاقة داخلية أو حرارية أو غيرها.
اختيار منسوب الطاقة الكامنة
الطاقة الكامنة, بخلاف الطاقة الحركية, لا تتحدد بقيمة مطلقة وحيدة, بل يمكننا أن نختار منسوبًا مرجعيًا نجعل عنده $U = 0$. المهم في قانون حفظ الطاقة هو فروق الطاقة الكامنة وليس قيمتها المطلقة.
فعندما نكتب
$$
K_1 + U_1 = K_2 + U_2
$$
فإن ما يهمنا حقًا هو
$$
\Delta U = U_2 - U_1
$$
إذا غيّرنا منسوب الطاقة الكامنة بإضافة ثابت $C$ إلى $U$, تصبح الطاقة الكامنة الجديدة $U' = U + C$, ولكن المعادلة السابقة تبقى صحيحة لأن الثابت يُضاف إلى الطرفين معًا ويُختزل عند حساب الفرق.
لذلك, عند حل المسائل, نختار منسوبًا للطاقة الكامنة بحيث يُبسِّط الحساب, مثل جعل $U = 0$ عند سطح الأرض أو عند موضع التوازن لنابض, حسب طبيعة المسألة.
الانتقال بين أشكال مختلفة للطاقة
في التطبيق العملي لحفظ الطاقة, لا نهتم فقط بالطاقة الحركية والكامنة, بل قد تظهر أشكال أخرى من الطاقة داخل النظام أو بين النظام ومحيطه. من بين هذه الأشكال الطاقة الحرارية, والطاقة الكيميائية, والطاقة الكهربائية.
القانون العام لحفظ الطاقة يمكن كتابته بشكل نوعي كما يلي, مع العلم أن التفاصيل الحرارية وغير الميكانيكية تُدرس في فروع أخرى
في أي عملية فيزيائية,
$$
E_\text{الكل, ابتدائية} = E_\text{الكل, نهائية}
$$
حيث تشمل $E_\text{الكل}$ جميع أشكال الطاقة داخل النظام ومع ما ينتقل إلى الخارج.
إذا ركزنا فقط على الشكل الميكانيكي ووجدنا أن الطاقة الميكانيكية تنقص بمقدار معيّن, فهذا يعني أن المقدار نفسه قد تحوّل إلى شكل آخر من الطاقة, كالسخونة أو الأصوات أو تشوّه دائم في الأجسام.
هذه النظرة الشاملة هي التي تحافظ على صلاحية مبدأ حفظ الطاقة مهما كانت العملية معقدة أو فيها احتكاك أو مقاومة أو عمليات كسر أو ميوعة.
أمثلة توضيحية على استخدام حفظ الطاقة
في تطبيقات الميكانيكا, يُستفاد من مبدأ حفظ الطاقة لحل المسائل من دون الحاجة إلى تتبع الحركة لحظة بلحظة أو استخدام المعادلات التفصيلية للحركة.
مثال 1, سقوط جسم في مجال جاذبية دون احتكاك
جسم كتلته $m$ يُترك من السكون على ارتفاع $h$ فوق سطح مرجعي حيث نأخذ $U = 0$ عند السطح. عند البداية تكون طاقته الحركية $K_1 = 0$ لأن سرعته صفر, وطاقة الجاذبية الكامنة $U_1 = mgh$.
عندما يصل إلى السطح, نصبح عند $U_2 = 0$, ونرمز إلى سرعته حينها بـ $v_2$. لدينا
$$
K_1 + U_1 = K_2 + U_2
$$
أي
$$
0 + mgh = \frac{1}{2} m v_2^2 + 0
$$
وبالتالي
$$
v_2 = \sqrt{2gh}
$$
هنا لم نحتج إلى استخدام معادلات الحركة الزمنية, بل اعتمدنا فقط على حفظ الطاقة الميكانيكية في غياب الاحتكاك.
مثال 2, صعود جسم فوق منحدر مع احتكاك
جسم ينزلق على منحدر وخلال الحركة توجد قوة احتكاك حركي مقدارها ثابت $f_k$. نقارن بين موضعين $1$ و $2$ على طول المنحدر. نعلم أن قوة الاحتكاك تبذل شغلًا سالبًا مقداره
$$
W_\text{احتكاك} = - f_k s
$$
حيث $s$ المسافة التي قطعها الجسم على المنحدر. في هذه الحالة نستعمل
$$
\Delta E_\text{mec} = W_\text{احتكاك}
$$
أي
$$
(K_2 + U_2) - (K_1 + U_1) = - f_k s
$$
هذه العلاقة تبيّن كيف تنقص الطاقة الميكانيكية بمقدار الشغل الذي تبذله قوة الاحتكاك, وتُستخدم لحساب السرعات أو الارتفاعات النهائية مع أخذ الاحتكاك في الحسبان.
حفظ الطاقة كأداة لحل المسائل
من الناحية العملية, حين نحل مسألة في الميكانيكا يمكن أن نختار بين طريقتين رئيسيتين, طريقة معادلات الحركة الزمنية التي تعتمد على قوانين نيوتن مباشرة, وطريقة الطاقة التي تعتمد على مبدأ حفظ الطاقة وشغل القوى غير المحافظة.
في كثير من الحالات تكون طريقة الطاقة أبسط, خصوصًا عندما يكون المطلوب ربط السرعات بالمواضع أو الارتفاعات من دون تتبع الزمن. مبدأ حفظ الطاقة يكون مفيدًا جدًا في:
- المسائل التي تتضمن تحويلًا بين طاقة حركية وطاقة كامنة مثل حركة المقذوفات أو الأجسام المتأرجحة على نابض أو بندول في مجال الجاذبية مع إهمال الاحتكاك.
- المسائل التي فيها احتكاك أو مقاومة يمكن تمثيل تأثيرها على شكل شغل مبذول, حيث نربط التغير في الطاقة الميكانيكية بهذا الشغل.
- دراسة الأنظمة المركبة حيث يصعب تتبع القوى على كل جزء من أجزاء النظام, بينما يكون من السهل تتبع الطاقة الكلية.
لكن يجب دائمًا التأكد من تحديد النظام بدقة, ومعرفة أي القوى محافظة وأيها غير محافظة, وتحديد منسوب الطاقة الكامنة بطريقة واضحة.
الصيغة العامة لحساب التغير في الطاقة الميكانيكية
يمكن تلخيص العلاقة بين القوى المختلفة والطاقة الميكانيكية في صيغة واحدة تجمع ما سبق. إذا أثرت في جسم أو نظام ميكانيكي قوى محافظة وقوى غير محافظة في آن واحد, فإننا نكتب
$$
\Delta K = W_\text{محافظ} + W_\text{غير محافظ}
$$
وبما أن
$$
W_\text{محافظ} = - \Delta U
$$
فإن
$$
\Delta K = - \Delta U + W_\text{غير محافظ}
$$
أي
$$
\Delta (K + U) = W_\text{غير محافظ}
$$
هذه الصيغة هي الشكل العملي العام لمبدأ حفظ الطاقة الميكانيكية, وتذكّرنا بأن أي تغير في مجموع الطاقة الحركية والكامنة داخل النظام لا يمكن أن يحدث من دون شغل تبذله أو يُبذل عليها بواسطة قوى غير محافظة.
الصيغة العامة للطاقة الميكانيكية مع قوى غير محافظة
$$
\Delta (K + U) = W_\text{غير محافظ}
$$
في غياب القوى غير المحافظة يصبح $W_\text{غير محافظ} = 0$ فنستعيد حفظ الطاقة الميكانيكية
$$
K_1 + U_1 = K_2 + U_2
$$
بهذا الشكل يصبح مبدأ حفظ الطاقة أداة موحدة لفهم وتحليل طيف واسع من الحركات والأنظمة في الميكانيكا الكلاسيكية, مع تذكّر أن الطاقة لا تضيع أبدًا, بل تتخذ أشكالًا مختلفة داخل النظام أو تنتقل خارجه.