Table of Contents
تمهيد إلى طاقة الشد
في هذا الفصل نركّز على نوع خاص من الطاقة الكامنة هو طاقة الشد أو الطاقة المرونية. في فصل الشغل والطاقة تم التعرّف إلى مفهوم الشغل والطاقة عموما، وهنا نهتم بالطاقة التي يخزنها جسم مرن عندما نمدده أو نضغطه مثل النابض أو شريط المطاط أو بعض المواد الصلبة ضمن حدود معيّنة.
الفكرة الأساسية أن الجسم المرن يستطيع أن يخزن طاقة عندما يُشوه، ثم يعيد هذه الطاقة عندما يعود إلى شكله الأصلي. هذه الطاقة المخزنة هي ما نسميه طاقة الشد أو الطاقة المرونية.
العلاقة بين القوة والازاحة في الأجسام المرنة
لفهم طاقة الشد يجب أن نتذكر أن القوة التي يؤثر بها الجسم المرن ترتبط عادة بمقدار التغيّر في طوله. في حالة النابض المثالي تنطبق علاقة خطية تعرف بقانون هوك، لكن في هذا الفصل نفترض أن هذه العلاقة معروفة من قبل، ونركّز على كيفية ربطها بالطاقة المخزنة.
في الحالة الأبسط عندما تكون القوة متناسبة خطيا مع الاستطالة، أي أن القوة تزداد تدريجيا كلما ازداد الشد، فإن العلاقة التقريبية في منطقة السلوك المرن هي
$$
F(x) = k\,x
$$
حيث $x$ هو مقدار الاستطالة أو الانضغاط عن الوضع الطبيعي، و $k$ ثابت يسمى ثابت المرونة أو ثابت النابض.
في مواد أخرى قد لا تكون العلاقة خطية تماما، لكن ما يهمنا هنا هو أن القوة تعتمد على الإزاحة، وبالتالي فالشغل المبذول لتشويه الجسم لا يكون عادة $F \, x$ ببساطة، لأن القوة ليست ثابتة أثناء التشويه.
تعريف طاقة الشد كطاقة كامنة مرونية
طاقة الشد هي شكل من أشكال الطاقة الكامنة، أي أنها طاقة تعتمد على وضع الجسم أو حالته وليس على حركته. في حالة الجسم المرن ترتبط الطاقة بمدى تشوهه مقارنة بطوله أو شكله الأصلي.
عندما نقوم بتمديد نابض ببطء من وضعه الطبيعي حتى يصل إلى استطالة معيّنة، فإننا نبذل شغلا على النابض. هذا الشغل لا يضيع بل يخزن على شكل طاقة كامنة مرونية داخل النابض. إذا تركنا النابض بعد ذلك فإنه يستطيع أن يبذل شغلا مساويا على جسم آخر مستفيداً من هذه الطاقة المخزنة.
إذن يمكننا تعريف طاقة الشد المرونية بأنها الشغل اللازم لتشويه الجسم المرن من حالته الطبيعية حتى يصل إلى حالة التشوه المدروسة، بشرط أن تتم العملية ببطء بحيث نتجنب تأثيرات أخرى مثل الاحتكاك أو التسخين.
اشتقاق صيغة طاقة النابض
في حالة القوة الثابتة يكون الشغل مساويا لحاصل ضرب القوة في الإزاحة. لكن في حالة النابض تتغير القوة مع الإزاحة، ولهذا نستخدم التكامل الخطي على المسار ليحسب الشغل بدقة.
إذا كان لدينا نابض مثالي يحقق قانون هوك، وقمنا بتمديده ببطء من $x = 0$ إلى $x = x_{\max}$، فإن الشغل الذي نبذله يساوي
$$
W = \int_0^{x_{\max}} F(x)\,dx = \int_0^{x_{\max}} kx\,dx
$$
وباستخدام التكامل نحصل على
$$
W = \frac{1}{2}k x_{\max}^2
$$
هذا الشغل هو بالضبط مقدار الطاقة المرونية المخزنة في النابض عند استطالة $x_{\max}$.
طاقة الشد المرونية المخزنة في نابض مثالي متمدد أو منضغط مسافة $x$ عن طوله الطبيعي هي
$$
U_{\text{مرونية}} = \frac{1}{2}k x^2
$$
حيث $k$ ثابت النابض، و $x$ مقدار التشوه عن الطول الطبيعي، ووحدة الطاقة في النظام الدولي هي الجول.
هذه العلاقة تفترض سلوكاً مرناً خطيا وتبقى صحيحة فقط طالما أن قانون هوك ما زال صالحا، أي قبل الوصول إلى حدود الانهيار أو التشوه الدائم في المادة.
تمثيل طاقة الشد بيانيا
من المفيد أن نربط صيغة الطاقة بالشكل البياني للقوة. عندما نرسم القوة $F$ بدلالة الاستطالة $x$ لنابض مثالي، نحصل على خط مستقيم يمر بنقطة الأصل ميله $k$.
في هذا التمثيل يكون الشغل المبذول لتشويه النابض من $0$ إلى $x$ مساويا للمساحة تحت منحنى القوة. بما أن العلاقة خطية، فإن المساحة هي مساحة مثلث قاعدته $x$ وارتفاعه $kx$ وبالتالي
$$
W = \frac{1}{2}\,\text{القاعدة}\,\times\,\text{الارتفاع} = \frac{1}{2}x(kx) = \frac{1}{2}k x^2
$$
إذن يمكننا تفسير طاقة الشد بوصفها المساحة تحت منحنى القوة مقابل الإزاحة بين الوضعين الابتدائي والنهائي، حتى عندما لا تكون العلاقة خطية. في الحالات العامة تكون الطاقة المرونية
$$
U = \int_{x_0}^{x} F(x')\,dx'
$$
حيث $x_0$ هو الوضع المرجعي الذي نعتبر عنده الطاقة صفراً.
طاقة الشد والقوى المحافظة
القوة المرنة في حالة النابض مثال نموذجي على قوة محافظة. معنى ذلك أن الشغل الذي تبذله هذه القوة يعتمد فقط على موضع البداية والنهاية، ولا يعتمد على المسار الذي اتخذه الجسم كي يصل من الموضع الأول إلى الثاني، ما دام السلوك المرن محفوظا.
بما أن القوة محافظة، يمكن التعبير عنها على أنها مشتقة سالبة للطاقة الكامنة المرونية بالنسبة للإزاحة. في بعد واحد تتحقق العلاقة
$$
F(x) = -\frac{dU}{dx}
$$
إذا عوضنا عن $U = \frac{1}{2}k x^2$ نحصل على
$$
F(x) = -k x
$$
وهي صيغة قانون هوك للقوة التي يؤثر بها النابض على الجسم المتصل به. الإشارة السالبة تعني أن القوة المرنة دائماً موجهة لتعارض التشوه وتحاول إعادة الجسم إلى وضعه الطبيعي.
تحولات الطاقة بين المرونية والحركية
في الأنظمة التي تحتوي على نابض يمكن أن تتحول الطاقة باستمرار بين طاقة كامنة مرونية وطاقة حركية. في غياب الاحتكاك تكون الطاقة الميكانيكية الكلية محفوظة، فتتبادل الأجسام الطاقة دون ضياع.
عندما يكون النابض في وضعه الطبيعي ولا يوجد تشوه تكون طاقة الشد المرونية صفراً. إذا سحبنا الكتلة المعلقة بالنابض إلى موضع بعيد ثم أطلقناها من السكون، تبدأ طاقة النابض المرونية بالتناقص بينما تزداد الطاقة الحركية للكتلة. عند المرور بالموضع الطبيعي يكون التشوه صفراً فتختفي الطاقة المرونية تماما ويصل الجسم إلى أكبر سرعة ممكنة. بعد ذلك يتحول جزء من الطاقة الحركية مرة أخرى إلى طاقة مرونية مع استمرار الاهتزاز.
هذه الفكرة هي الأساس في فهم الحركة التوافقية البسيطة للنظام كتلة نابض، والتي تُدرس بتفصيل في فصل الموجات والاهتزازات. هنا يكفي أن نلاحظ أن صيغة طاقة الشد المرونية تظهر بشكل مباشر في معادلة حفظ الطاقة في النظام.
مثال توضيحي
نابض أفقي ثابتُه $k = 100\,\text{N/m}$ مثبت من أحد طرفيه بجدار، ومثبت بطرفه الآخر جسم كتلته صغيرة جداً. مددنا النابض ببطء مسافة $x = 0.20\,\text{m}$ عن طوله الطبيعي ثم ثبتناه في هذا الموضع.
- طاقة الشد المرونية المخزنة في النابض هي
$$
U = \frac{1}{2}kx^2 = \frac{1}{2}\times 100\times (0.20)^2 = 2.0\,\text{J}
$$ - إذا تركنا النابض يتحرك بحرية على سطح عديم الاحتكاك، فإن أقصى طاقة حركية يمكن أن يحصل عليها الجسم المعلق ستكون أيضا $2.0\,\text{J}$، لأن الطاقة الميكانيكية الكلية محفوظة وتتحول الطاقة المرونية بالكامل إلى طاقة حركية عند المرور بالطول الطبيعي.
المواد المرنة وغير الخطية وحدود المرونة
النابض المثالي ليس إلا نموذجاً مبسطاً لسلوك بعض المواد في مدى تشوهات صغيرة. في الواقع، كثير من المواد الصلبة تتبع تقريباً قانون هوك عندما تكون التشوهات صغيرة، لكن عند التشوهات الأكبر يصبح السلوك غير خطي، وقد يتعرض الجسم لتشوه دائم أو للكسر.
في المنطقة التي يكون فيها السلوك خطيا نطلق على العلاقة بين الإجهاد والانفعال اسم المجال المرن الخطي. خارج هذا المجال نبدأ في الدخول إلى السلوك اللدن، حيث لا يعود الجسم إلى شكله الأصلي رغم زوال القوة. في هذه الحالة لا يمكننا اعتبار أن كل الشغل المبذول يخزن كطاقة مرونية قابلة للاسترجاع بالكامل على شكل شغل، لأن جزءا من الطاقة يتحول إلى حرارة أو إلى تغييرات بنيوية دقيقة في المادة.
إذا أردنا وصف طاقة الشد في مادة غير خطية، نعود إلى الفكرة العامة وهي أن الطاقة المرونية تساوي المساحة تحت منحنى القوة مقابل الإزاحة في الجزء المرن من السلوك
$$
U = \int_{x_0}^{x} F(x')\,dx'
$$
في بعض الحالات يحدد مهندسو المواد قيمة حدية يسمى حد المرونة، وهو أقصى تشوه يسمح بتنفيذه بحيث تبقى العلاقة المرنة صالحة. ما دون هذا الحد يمكن اعتبار الطاقة المخزنة طاقة شد مرونية مثالية تقريباً.
أمثلة أخرى على طاقة الشد في الحياة اليومية
طاقة الشد المرونية لا تظهر فقط في النابض الميكانيكي البسيط، بل في كثير من الظواهر والأدوات اليومية.
عندما نمد خيط قوس الرماية، نخزن طاقة مرونية في القوس والخيط معا. عند إفلات السهم تتحول هذه الطاقة إلى طاقة حركية للسهم. صيغة الطاقة هنا قد لا تكون بالضرورة $ \frac{1}{2}k x^2$ بشكل دقيق، لكنها تبقى في جوهرها ناتجة عن الشغل الذي بذلناه لتمديد القوس.
في الشريط المطاطي مثل الأربطة المطاطية، يكون السلوك خطيا فقط عند استطالات صغيرة. رغم ذلك المفهوم نفسه ينطبق، إذ إن الشغل الذي نبذله لتمديد الشريط يخزن بصورة رئيسية كطاقة مرونية، يمكن أن تُستعاد جزئياً عندما يعود الشريط إلى طوله الأصلي.
في أنظمة امتصاص الصدمات في السيارات، توجد نوابض أو مواد مطاطية تخزن جزءاً من طاقة التصادم على شكل طاقة شد مرونية، ثم تطلقها تدريجياً أو تمتصها جزئيا في مواد لزجة مجاورة. هنا تلعب طاقة الشد دوراً مهماً في حماية الهيكل والركاب من التسارع المفاجئ.
دور طاقة الشد في تحليل الأنظمة الميكانيكية
في كثير من المسائل الميكانيكية يكون استعمال مبدأ حفظ الطاقة أسهل من استعمال قوانين نيوتن مباشرة. عندما يحتوي النظام على عناصر مرنة، تدخل طاقة الشد المرونية كمصطلح إضافي في معادلة الطاقة الميكانيكية الكلية، إلى جانب الطاقة الحركية وطاقة الوضع الجاذبية أو غيرها.
إذا رمزنا إلى طاقة الشد المرونية ب $U_{\text{مرونية}}$ وإلى الطاقة الكامنة الجاذبية ب $U_{\text{جاذبية}}$ وإلى الطاقة الحركية ب $K$، فإن حفظ الطاقة الميكانيكية في غياب الاحتكاك يمكن أن يكتب بالشكل
$$
K_{\text{ابتدائي}} + U_{\text{مرونية, ابتدائية}} + U_{\text{جاذبية, ابتدائية}}
=
K_{\text{نهائي}} + U_{\text{مرونية, نهائية}} + U_{\text{جاذبية, نهائية}}
$$
في مجموعة كبيرة من المسائل التي تشمل نوابض وأجساما متحركة يكفي أن نستخدم هذه العلاقة مع
$$
U_{\text{مرونية}} = \frac{1}{2}k x^2
$$
لنجد السرعات أو التشوهات المطلوبة من دون كتابة معادلات الحركة التفصيلية.
بهذا يكون مفهوم طاقة الشد المرونية أداة رئيسية لفهم السلوك الديناميكي للأنظمة التي تتضمن عناصر مرنة، ويمهد لدراسة الاهتزازات والموجات والعديد من التطبيقات الهندسية والفيزيائية المتقدمة.