Table of Contents
تمهيد لمبرهنة الدفع والزخم
في هذا الفصل نربط بين مفهومين أساسيين في الميكانيكا, الدفع والزخم الخطي. سبق أن عُرِّف الزخم الخطي في موضع مستقل, كما تم تعريف الدفع في الفصل السابق مباشرة. هنا نعرض العلاقة الرياضية العميقة بينهما, وهي ما يسمى مبرهنة الدفع الزخم, ونرى كيف تسمح لنا هذه المبرهنة بدراسة القوى التي تؤثر خلال أزمنة قصيرة, مثل التصادمات والضربات.
الصياغة الرياضية لمبرهنة الدفع الزخم
نبدأ من العلاقة الزمنية للقوة المؤثرة في جسم, حيث يكون تغير الزخم مرتبطا بالقوة وفق قانون نيوتن الثاني في صورته الزخمية, أي أن القوة المحصلة تساوي معدل تغيّر الزخم الخطي مع الزمن.
إذا كان زخم جسم هو $\vec p(t)$, فإن:
$$
\vec F_{\text{محصلة}}(t) = \frac{d\vec p}{dt}
$$
للحصول على العلاقة بين الدفع وتغير الزخم, نكامل هذه المعادلة خلال فترة زمنية من $t_1$ إلى $t_2$:
$$
\int_{t_1}^{t_2} \vec F_{\text{محصلة}}(t)\,dt =
\int_{t_1}^{t_2} \frac{d\vec p}{dt}\,dt
$$
يوجد في الطرف الأيمن تكامل مشتقة الزخم, وهو يساوي ببساطة الفرق بين قيم الزخم في بداية الفترة ونهايتها:
$$
\int_{t_1}^{t_2} \frac{d\vec p}{dt}\,dt = \vec p(t_2) - \vec p(t_1) = \Delta \vec p
$$
أما الطرف الأيسر فهو, بحكم تعريفه, الدفع الناتج عن القوة المحصلة خلال الفترة الزمنية:
$$
\vec I = \int_{t_1}^{t_2} \vec F_{\text{محصلة}}(t)\,dt
$$
إذن نحصل على الصيغة المتجهة لمبرهنة الدفع الزخم:
$$
\vec I = \Delta \vec p
$$
أي أن الدفع الكلي المؤثر في جسم خلال فترة زمنية يساوي التغير في زخمه الخطي.
هذه النتيجة عامة وصحيحة سواء كانت القوة ثابتة أو متغيرة مع الزمن, وسواء تغير اتجاه الحركة أو لم يتغير, لأنها مبنية على التكامل المتجهي لعلاقة نيوتن.
الحالة الخاصة للقوة الثابتة
في كثير من المسائل التعليمية تكون القوة المحصلة ثابتة المقدار والاتجاه خلال الفترة الزمنية المدروسة. في هذه الحالة يصبح التكامل أبسط بكثير.
إذا كانت $\vec F_{\text{محصلة}}$ ثابتة في الزمن, فإن:
$$
\vec I = \int_{t_1}^{t_2} \vec F_{\text{محصلة}}\,dt
= \vec F_{\text{محصلة}} \int_{t_1}^{t_2} dt
= \vec F_{\text{محصلة}} (t_2 - t_1)
= \vec F_{\text{محصلة}}\,\Delta t
$$
وباستخدام مبرهنة الدفع الزخم نحصل على:
$$
\vec F_{\text{محصلة}}\,\Delta t = \Delta \vec p
$$
في حالة القوة الثابتة, يساوي الدفع حاصل ضرب القوة في زمن تأثيرها, وهذا يساوي التغير في الزخم.
تفيد هذه الصيغة البسيطة في فهم تأثير زيادة زمن تأثير القوة أو تقليله, وهو ما يظهر بوضوح في أمثلة الحياة اليومية.
مثال توضيحي بسيط
كرة كتلتها $0.2\,\text{kg}$ تسير في خط مستقيم بسرعة $5\,\text{m/s}$ فتتعرض لقوة ثابتة في نفس اتجاه حركتها مقدارها $4\,\text{N}$ لمدة $0.5\,\text{s}$. احسب التغير في الزخم, ثم السرعة النهائية.
الزخم الابتدائي:
$$
p_i = m v_i = 0.2 \times 5 = 1.0\,\text{kg·m/s}
$$
الدفع:
$$
I = F \Delta t = 4 \times 0.5 = 2\,\text{N·s}
$$
من مبرهنة الدفع الزخم:
$$
\Delta p = I = 2\,\text{kg·m/s}
$$
إذن الزخم النهائي:
$$
p_f = p_i + \Delta p = 1 + 2 = 3\,\text{kg·m/s}
$$
ومن $p_f = m v_f$ نحصل على:
$$
v_f = \frac{p_f}{m} = \frac{3}{0.2} = 15\,\text{m/s}
$$
المعنى الفيزيائي للمبرهنة
تبرز أهمية مبرهنة الدفع الزخم حين نتعامل مع قوى كبيرة التأثير تعمل خلال أزمنة قصيرة جدا, مثل:
حوادث التصادم بين السيارات.
ضرب الكرة بالمضرب أو القدم.
الارتطام بالأرض بعد السقوط.
في مثل هذه الحالات يصعب في الواقع قياس القوة اللحظية بدقة, كما أن القوة نفسها قد تتغير بسرعة كبيرة خلال زمن الحدث. بدلا من ذلك, يكون من الأسهل قياس أو تقدير قبل وبعد الزخم, وبالتالي حساب التغير في الزخم, أي الدفع الكلي.
تخبرنا المبرهنة أن ما يهم فعلا في تغيير حالة الحركة هو حاصل ضرب "شدة القوة في زمن تأثيرها". فقد تكون قوة صغيرة لكنها تعمل لمدة طويلة فتسبب تغيرا كبيرا في الزخم, أو تكون قوة كبيرة جدا تعمل في زمن قصير جدا وتسبب تغيرا مشابها في الزخم. المهم هو قيمة الدفع النهائية.
التمثيل البياني للدفع وتغير الزخم
عندما تكون القوة دالة في الزمن $F(t)$, يمكن تمثيلها بيانيا في مخطط قوة مقابل زمن. تساعدنا مبرهنة الدفع الزخم في إعطاء معنى هندسي للدفع.
فالمنحنى في مخطط $F$ على المحور الرأسي و $t$ على المحور الأفقي يحيط بمساحة تحت المنحنى بين $t_1$ و $t_2$. هذه المساحة تساوي التكامل:
$$
I = \int_{t_1}^{t_2} F(t)\,dt
$$
إذن:
مساحة المنطقة تحت منحنى القوة مع الزمن بين لحظتين تساوي الدفع خلال تلك الفترة, وهو نفسه التغير في الزخم الخطي.
هذا التفسير الهندسي مفيد جدا, خصوصا عندما لا تكون لدينا صيغة تحليلية دقيقة للقوة, ولكن يمكننا تقريب شكل المنحنى بيانيا أو عدديّا.
مثال بياني مختصر
افترض أن قوة تؤثر في جسم خلال فترة قصيرة بحيث يمكن تقريب منحناها على شكل مثلث في مخطط $F t$, له قاعدة طولها $0.02\,\text{s}$ وارتفاعه الأقصى $1000\,\text{N}$. إذن مساحة المثلث:
$$
I = \frac{1}{2}\,\text{القاعدة}\,\text{الارتفاع}
= \frac{1}{2} \times 0.02 \times 1000
= 10\,\text{N·s}
$$
من مبرهنة الدفع الزخم يكون التغير في الزخم مساويا $10\,\text{kg·m/s}$ في اتجاه القوة.
مبرهنة الدفع الزخم ونظم الجسيمات
حتى الآن ركزنا على جسم واحد. إلا أن المبرهنة يمكن تعميمها إلى نظام من الجسيمات, مع التمييز بين القوى الداخلية والقوى الخارجية. بما أن القوى الداخلية تأتي في أزواج متساوية ومتعاكسة وفق قانون نيوتن الثالث, فإنها لا تغير الزخم الكلي للنظام, بل تؤثر فقط في الأجسام داخله فرادى.
إذا اعتبرنا نظاما من جسيمات, وكانت $\vec F_{\text{خارجية, محصلة}}$ هي القوة الخارجية المحصلة المؤثرة في النظام ككل, فإن مبرهنة الدفع الزخم تأخذ الشكل:
$$
\vec I_{\text{خارجية}} = \int_{t_1}^{t_2} \vec F_{\text{خارجية, محصلة}}\,dt
= \Delta \vec P_{\text{كلية}}
$$
حيث $\vec P_{\text{كلية}}$ هو الزخم الكلي للنظام.
تظهر هذه الصيغة بشكل أساسي في دراسة التصادمات بين الأجسام, حيث يكون الزمن قصيرا جدا, ويمكن إهمال القوى الخارجية أحيانا خلال زمن التصادم. في هذه الحالة يقترب الدفع الخارجي من الصفر, وبالتالي يقترب تغير الزخم الكلي من الصفر, وهو ما يرتبط مباشرة بمبدأ حفظ الزخم الخطي الذي يعالج في موضع آخر.
التحكم في التغير في الزخم عبر زمن التأثير
من النتائج العملية المهمة لمبرهنة الدفع الزخم إمكانية التحكم في التغير في الزخم من خلال التحكم في زمن تأثير القوة. في كثير من التطبيقات يكون التغير في الزخم محددا بظروف الحركة, لكن يمكن توزيع هذا التغير على فترة زمنية أطول لتقليل شدة القوة المتوسطة أو لحظاتها القصوى.
من العلاقة:
$$
\Delta \vec p = \vec F_{\text{متوسطة}}\,\Delta t
$$
وبثبات $\Delta \vec p$ لظروف معينة, نجد أن:
$$
\vec F_{\text{متوسطة}} \propto \frac{1}{\Delta t}
$$
أي أنه إذا زدنا زمن تأثير القوة, قل مقدار القوة المتوسطة المطلوبة لإحداث نفس التغير في الزخم. هذه الفكرة تفسر كثيرا من تقنيات الحماية وتقليل الصدمات.
مثال تطبيقي على تقليل القوة بزيادة الزمن
عند اصطدام سيارة بجدار صلب يتوقف هيكل السيارة في زمن قصير جدا يبلغ أجزاء من الثانية, فينتج عن ذلك قوة هائلة على الركاب. إذا تم تزويد السيارة بوسائد هوائية وأحزمة أمان فإن زمن تباطؤ أجساد الركاب يزداد مقارنة بزمن تحطم الهيكل.
بما أن التغير في الزخم من السرعة الابتدائية إلى الصفر تقريبا هو نفسه سواء وجدت وسادة أم لا, فإن زيادة زمن التوقف تقلل من متوسط القوة المؤثرة على جسم الراكب, وهذا يفسر قدرة الوسائد الهوائية على إنقاذ الأرواح.
يمكن تطبيق المبدأ نفسه في رياضات مثل كرة القدم أو التنس, حيث يقوم اللاعب بسحب يده أو قدمه قليلا مع اتجاه حركة الكرة أثناء استقبالها, مما يزيد زمن تأثير القوة ويقلل من حدة التصادم, فيُستقبل الكرة بسلاسة أكبر.
الفرق بين مبرهنة الدفع الزخم وقانون حفظ الزخم
قد يبدو أن مبرهنة الدفع الزخم تشبه قانون حفظ الزخم الخطي, لكنها في الحقيقة أعم من ذلك, ويجب التمييز بينهما بوضوح.
مبرهنة الدفع الزخم تربط بين الدفع الناتج عن القوى الخارجية وتغير الزخم. فهي معادلة ديناميكية تصف كيف تؤدي القوى إلى تغيير حركة الجسم أو النظام:
$$
\vec I_{\text{خارجية}} = \Delta \vec p
$$
أما قانون حفظ الزخم فيتحدث عن حالة خاصة, حين يكون الدفع الخارجي على نظام ما مساويا للصفر خلال فترة زمنية معينة. عندها يكون:
$$
\vec I_{\text{خارجية}} = 0 \Rightarrow \Delta \vec P_{\text{كلية}} = 0
$$
أي أن الزخم الكلي للنظام يبقى ثابتا. مدخل هذا القانون سيكون موضوعا مستقلا عندما تتم دراسة التصادمات بشكل مفصل.
يمكن القول إن قانون حفظ الزخم هو حالة خاصة من مبرهنة الدفع الزخم عندما يكون الدفع الخارجي معدوما, في حين تظل قوى التفاعل الداخلي بين مكونات النظام موجودة وقد تكون كبيرة, لكنها لا تغير الزخم الكلي.
التغيّر اللحظي في الزخم والقوة المتوسطة
في كثير من التطبيقات لا نعرف الشكل التفصيلي لتغيّر القوة مع الزمن, لكن يمكننا تعريف قوة متوسطة تعطي نفس الدفع خلال الفترة الزمنية. إذا كان التغير في الزخم خلال الزمن $\Delta t$ هو $\Delta \vec p$, يمكن تعريف:
$$
\vec F_{\text{متوسطة}} = \frac{\Delta \vec p}{\Delta t}
$$
وهي قوة ثابتة افتراضية لو أثرت خلال الزمن نفسه لأعطت نفس التغير في الزخم.
هذا التعريف يعكس بالضبط قانون نيوتن الثاني في صورته التفاضلية, ولكن على فترة زمنية منتهية, وليس في لحظة واحدة. في العمليات العنيفة القصيرة, مثل التصادمات, قد تكون القوة اللحظية متذبذبة جدا, لذلك يعوَّل عادة على القوة المتوسطة لتبسيط الحسابات أو لوصف شدة الأثر على الأجسام والمواد.
المبرهنة في بعد واحد
في مسائل الحركة على خط مستقيم, يمكن تبسيط الصيغة المتجهية إلى صيغة عددية مع الانتباه لإشارة الاتجاه. إذا اعتبرنا الحركة على محور واحد, مثلا المحور $x$, تصبح:
$$
I_x = \int_{t_1}^{t_2} F_x(t)\,dt = \Delta p_x
$$
وفي حالة القوة الثابتة على المحور نفسه:
$$
F_x \Delta t = m v_{x,2} - m v_{x,1}
$$
أو:
$$
F_x = \frac{m v_{x,2} - m v_{x,1}}{\Delta t}
$$
هذه الصيغة في بعد واحد مفيدة جدا في حل المسائل البسيطة التي لا يتغير فيها اتجاه الحركة, مثل العربة التي تتحرك في خط مستقيم نتيجة قوة أفقية ثابتة خلال زمن معين.
استخدام المبرهنة في تحليل التصادمات
في دراسة التصادمات, تكون القوى الداخلية بين الأجسام متبادلة وكبيرة, وزمن التصادم صغيرا. غالبا يكون حساب القوة التفصيلية خلال التصادم صعبا, لكن مبرهنة الدفع الزخم تتيح طريقة مباشرة لتحليل ما يحدث للأجسام دون الحاجة لمعرفة تفاصيل القوة اللحظية.
مثلا, في تصادم جسمين على محور مستقيم, إذا علمنا السرعات والكتل قبل التصادم وبعده, يمكننا حساب تغير الزخم لكل جسم على حدة. التغير في زخم الجسم الأول هو دفع القوة التي أثرت عليه, والتغير في زخم الجسم الثاني هو دفع القوة التي أثرت عليه. حسب قانون نيوتن الثالث تكون القوتان متساويتين في المقدار ومتعاكستين في الاتجاه, وبالتالي يكون دفع كل منهما متساويا في المقدار ومتعاكسا في الاتجاه. هذا ينعكس على تغيرات الزخم بحيث تتآزر لتبقي الزخم الكلي محفوظا عندما يمكن إهمال القوى الخارجية خلال زمن التصادم.
هذه الفكرة الأساسية تقود إلى النتائج التفصيلية التي تدرس في فصل التصادمات, حيث تميز بين التصادمات المرنة وغير المرنة واستخدام معادلات الزخم والطاقة معا.
خلاصة مبرهنة الدفع الزخم
تبرز مبرهنة الدفع الزخم كإعادة صياغة متكاملة لقانون نيوتن الثاني, من خلال ربط كمية كلية هي الدفع بكمية كلية أخرى هي التغير في الزخم. تسمح المبرهنة بالتعامل مع قوى قد تكون معقدة أو متغيرة في الزمن, وذلك عن طريق التكامل أو القياس البياني.
في مسائل الحياة اليومية والتجارب المخبرية, تُعد هذه المبرهنة أداة قوية لفهم أثر القوى خلال الأزمنة القصيرة, وتفسير دور الزمن في تقليل أو زيادة شدة القوى المؤثرة في الأجسام, كما تمهد بشكل أساسي لدراسة حفظ الزخم وتحليل التصادمات في الفصول اللاحقة.