Kahibaro
Discord Login Register

القوة المركزية

تمهيد إلى مفهوم القوة المركزية

في دراسة الحركة الدورانية والحركة على المسارات المنحنية، تظهر فكرة خاصة من القوى تسمى القوة المركزية. هذه القوة ليست نوعًا جديدًا من القوى، بل هي توصيف لدور أي قوة عندما تجبر جسيمًا على الحركة في مسار منحنٍ، خصوصًا عندما يكون المسار دائريًا أو قريبًا من الدائري.

القوة المركزية هي القوة التي يكون اتجاهها دائمًا نحو نقطة ثابتة تسمى المركز. عندما تكون الحركة على مسار دائري منتظم، تكون هذه القوة متجهة دائمًا نحو مركز الدائرة، وتعطي للجسيم التسارع اللازم لتغيير اتجاه سرعته.

رغم أن السرعة الخطية قد تبقى ثابتة مقدارًا في الحركة الدائرية المنتظمة، إلا أن اتجاهها يتغير باستمرار، وتغيير الاتجاه يعني وجود تسارع. هذا التسارع هو التسارع المركزي، والقوة المسؤولة عنه تسمى القوة المركزية.

العلاقة بين القوة المركزية والتسارع المركزي

من ديناميكا نيوتن نعلم أن محصلة القوى تساوي كتلة الجسم مضروبة في تسارعه. في حالة الحركة على مسار دائري، نركّز على المركبة الشعاعية للتسارع المتجهة نحو المركز، التي نسميها التسارع المركزي.

يمكن إثبات أن مقدار التسارع المركزي لجسم يتحرك بسرعة ثابتة المقدار $v$ على مسار دائري نصف قطره $r$ يساوي

$$
a_c = \frac{v^2}{r}
$$

وبما أن

$$
\vec{F} = m \vec{a},
$$

فإن القوة المركزية اللازمة للحركة الدائرية على نصف قطر $r$ وبسرعة خطية مقدارها $v$ تكون

$$
F_c = m \, a_c = m \, \frac{v^2}{r}
$$

كما يمكن التعبير عن القوة المركزية بدلالة السرعة الزاوية $\omega$، حيث أن السرعة الخطية على مسار دائري هي

$$
v = \omega r.
$$

بالتعويض في العلاقة السابقة نحصل على

$$
a_c = \omega^2 r
$$

وبالتالي

$$
F_c = m \, \omega^2 r
$$

هاتان الصيغتان هما التعبيران الأساسيان للقوة المركزية في الحركة الدائرية المنتظمة، إما بدلالة السرعة الخطية $v$ أو بدلالة السرعة الزاوية $\omega$.

طبيعة القوة المركزية ومصادرها الفيزيائية

القوة المركزية ليست نوعًا فيزيائيًا محددًا من القوى، بل قد تكون:

قوة شد في حبل يدور به حجر.
قوة احتكاك ثابتة بين الإطار والأرض عندما تنعطف السيارة.
القوة الجاذبية التي تبقي الكواكب في مداراتها.
القوة الكهربائية بين جسيمات مشحونة في مدار دائري.

في جميع هذه الحالات تقوم قوة فيزيائية معروفة بدور القوة المركزية، أي أن مركبتها باتجاه المركز هي التي تحقق شرط الحركة الدائرية.

مثال توضيحي
جسم كتلته $m = 0.5 \,\text{kg}$ مربوط بخيط ويدور في دائرة أفقية نصف قطرها $r = 1 \,\text{m}$ بسرعة ثابتة مقدارها $v = 4 \,\text{m/s}$.
مقدار القوة التي يؤمنها الشد في الخيط (وهي هنا القوة المركزية) هو
$$
F_c = m \frac{v^2}{r} = 0.5 \times \frac{16}{1} = 8 \,\text{N}.
$$
أي أن الخيط يشد الحجر بقوة مقدارها $8$ نيوتن نحو مركز الدائرة.

الإطار المرجعي والفرق بين القوة المركزية والقوة الطاردة

في الأطر العطالية، أي الأطر غير المتسارعة، نتعامل مع القوة المركزية باعتبارها قوة حقيقية ناتجة عن تفاعل معروف، مثل الشد أو الجاذبية. لا تظهر في هذه الأطر قوة حقيقية متجهة إلى الخارج.

لكن في إطار مرجعي يدور مع الجسم، يبدو للجسم أنه ساكن في مكانه، مع أن هناك شدًا في الحبل أو قوة تماس نحو المركز. كي "يتوازن" في هذا الإطار غير العطالي، يُضطر المراقب إلى افتراض وجود قوة ظاهرية متجهة إلى الخارج تسمى "القوة الطاردة المركزية". هذه القوة ليست قوة تفاعل حقيقية بل نتيجة لاختيار إطار مرجعي متسارع.

في هذا الفصل نهتم بالقوة المركزية كقوة حقيقية في إطار عطالي، أما القوى الوهمية في الأطر الدوارة فيتم تناولها في فصل الأطر المرجعية غير العطالية.

الشروط اللازمة للحركة الدائرية المنتظمة

لكي يستمر الجسم في حركة دائرية منتظمة نصف قطرها $r$ وسرعتها ثابتة مقدارًا $v$ يجب أن تتوافر عدة شروط أساسية:

أولًا، يجب أن توجد قوة محصلة باتجاه مركز الدائرة مقدارها يساوي $m v^2 / r$. هذه هي قوة التماسك الديناميكي للحركة الدائرية.

ثانيًا، لا بد أن تكون هذه المحصلة باتجاه المركز في كل لحظة، أي أن اتجاه القوة يتغير مع حركة الجسم بحيث يبقى دائمًا نحو المركز.

ثالثًا، إذا تغير مقدار السرعة أو نصف القطر، يتغير مقدار القوة المركزية المطلوبة. فإذا لم تستطع القوة المتاحة توفير المقدار المطلوب، تتغير طبيعة الحركة ولا تعود دائرية منتظمة.

مثال على فشل تحقيق القوة المركزية المطلوبة
سيارة تتحرك في منعطف دائري نصف قطره صغير وبسرعة كبيرة. القوة الوحيدة التي يمكن أن تؤدي دور القوة المركزية هي قوة الاحتكاك بين الإطارات والطريق. إذا كانت قيمة الاحتكاك الأقصى أقل من $m v^2 / r$، فإن السيارة لا تستطيع الحفاظ على مسار دائري بل تنزلق إلى الخارج وتترك المسار المنحني.

التعبير عن القوة المركزية بدلالة الزمن الدوري

إضافة إلى التعبيرين بدلالة $v$ و $\omega$، يمكن كتابة القوة المركزية بدلالة الزمن الدوري $T$ وهو الزمن الذي يستغرقه الجسم ليقوم بدورة كاملة.

نعلم أن

$$
\omega = \frac{2\pi}{T},
$$

فإذا استخدمنا العلاقة

$$
F_c = m \omega^2 r,
$$

نحصل على

$$
F_c = m \left(\frac{2\pi}{T}\right)^2 r = m \, \frac{4\pi^2 r}{T^2}.
$$

$$
F_c = m \, \frac{4\pi^2 r}{T^2}
$$

هذا الشكل مفيد عندما يكون الزمن الدوري معروفًا من القياس التجريبي، بينما لا تُقاس السرعة الزاوية أو الخطية مباشرة.

مثال بدلالة الزمن الدوري
جسم كتلته $0.2\,\text{kg}$ يدور حول محور ثابت على مسار نصف قطره $0.5\,\text{m}$، ويتم دورة كاملة كل $T = 0.4\,\text{s}$.
القوة المركزية
$$
F_c = 0.2 \times \frac{4\pi^2 \times 0.5}{(0.4)^2}
= 0.2 \times \frac{2\pi^2}{0.16}
\approx 0.2 \times 123.37
\approx 24.7 \,\text{N}.
$$
إذن يجب أن تؤمن القوة الفعلية (مثل الشد) ما يقارب $25$ نيوتن باتجاه المركز.

الطاقة في حركة تحت تأثير قوة مركزية

في حالة الحركة الدائرية المنتظمة، تكون القوة المركزية في كل لحظة عمودية على السرعة الخطية للجسم، لأن السرعة مماسة للمسار والقوة نحو المركز. من خصائص الشغل في الميكانيكا أن القوة العمودية على الإزاحة لا تقوم بشغل.

الإزاحة اللحظية للجسم تكون على طول المماس للمسار، في حين أن القوة المركزية على طول نصف القطر. لذلك في الحركة الدائرية المنتظمة لا تبذل القوة المركزية شغلًا على الجسم، ولا تغير من مقدار طاقته الحركية، بل يقتصر دورها على تغيير اتجاه متجه السرعة.

هذا ينسجم مع ملاحظة أن مقدار السرعة ثابت في هذه الحركة، وما يتغير هو اتجاهها فقط.

في حركات أخرى تحت تأثير قوى مركزية غير متناسبة بالضبط مع $v^2 / r$ أو عندما يكون المسار غير دائري مثالي، يمكن أن يتغير مقدار السرعة وبالتالي الطاقة الحركية. دراسة هذه الحالات بتفصيل أعمق تنتمي إلى ديناميكا الأجسام في قوى الجاذبية والقوى المركزية العامة، وتتناولها فصول الجاذبية والحركة المدارية.

تطبيقات على القوة المركزية في الحياة اليومية

تظهر القوة المركزية في كثير من المواقف العملية:

في حركة الكواكب والأقمار الصناعية، تؤدي قوة الجاذبية دور القوة المركزية، وتحافظ على الحركة المدارية.
في أجهزة الطرد المركزي المخبرية، يمسك الأنبوب المدوِّر بالعينة ويؤمن لها القوة المركزية، بينما في الإطار الدوار نفسه تظهر ظاهرة "اندفاع" المواد إلى الخارج.
في دوران الغسالة، يساهم الثقب في الحوض مع الدوران في جعل الماء يواصل حركته بينما تبقى الملابس مقيدة، إذ يوفر جدار الحوض القوة المركزية للمسار الدائري.

في كل هذه الأمثلة، القوة المركزية ليست قوة إضافية جديدة، بل هي الدور الهندسي لقوة قائمة عندما تكون محصلتها موجهة نحو مركز مسار منحني.

حدود السرعة وشروط الانفلات من المسار

في المسائل العملية يوجد حدود قصوى ودنيا للسرعة تحفظ استمرار الحركة على المسار المنحني.

في منحنى أفقي لسيارة مثلًا، الحد الأعلى للسرعة يحدده الاحتكاك الأعظمي الذي يمكن أن يؤدي دور القوة المركزية. عندما تتجاوز السرعة قيمة معينة، تصبح القوة المطلوبة

$$
F_c = m \frac{v^2}{r}
$$

أكبر من الاحتكاك المتاح، فتفشل الحركة الدائرية وتخرج السيارة عن المنعطف.

أما عندما يكون المسار رأسيًا مثل حلقة اللعب في مدينة الملاهي أو حركة جسم في مسار دائري رأسي، فإن قيمًا دنيا للسرعة تصبح ضرورية حتى تبقى القوة المركزية باتجاه المركز ولا يفقد الجسم التماس مع المسار عند نقاط معينة. هذه الحالات تجمع بين القوة المركزية وتحليل قوى الثقل والشد أو قوة التماس، ويتم تناول تفاصيلها عادة عندما تُدرس الحركة على المسارات المنحنية في الحقول الجاذبية.

خلاصة خصائص القوة المركزية في الحركة الدائرية المنتظمة

القوة المركزية هي محصلة القوى المتجهة نحو مركز المسار، وهي المسؤولة عن تغيير اتجاه السرعة لا مقدارها في الحركة الدائرية المنتظمة.
مقدارها في هذه الحركة يعطى بالعلاقات

$$
F_c = m \frac{v^2}{r} = m \omega^2 r = m \, \frac{4\pi^2 r}{T^2}
$$

لا تبذل شغلًا في الحركة الدائرية المنتظمة لأنها عمودية دائمًا على الإزاحة اللحظية.
مصدرها قوى فيزيائية معروفة مثل الجاذبية، الاحتكاك، الشد، أو قوة التماس.
فشل تحقيق القيمة المطلوبة لها يؤدي إلى انحراف الجسم عن المسار الدائري أو تغيير نوع الحركة.

في الفصول التالية من الحركة الدورانية، يتم الانتقال من القوة المركزية التي تهتم بتوجيه الحركة إلى الكميات الدورانية الأخرى مثل العزم وعزم القصور والزخم الزاوي، التي توحّد فهمنا للحركة الدائرية مع الحركة حول محاور ثابتة وفي الأجسام الصلبة.

Views: 7

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!