Table of Contents
تمهيد إلى الديناميكا الدورانية
في الحركة الدورانية نكون قد تعرّفنا في فصل الكينماتيكا الزاوية على كيفية وصف الدوران من حيث الموضع الزاوي والسرعة الزاوية والتسارع الزاوي، من غير أن نهتم بسبب حدوث هذه الحركة. في الديناميكا الدورانية نطرح سؤال "لماذا يدور الجسم؟" و"ما الذي يغيّر سرعة دورانه؟". هنا يظهر مفهوم العزم، وعزم القصور الذاتي، وعلاقة ذلك بقوانين نيوتن في صورة دورانية.
في هذا الفصل نركّز على الربط بين القوى والحركة الدورانية، وكيفية كتابة معادلات الحركة لجسم صلب يدور حول محور ثابت، مع التمهيد لما سيأتي من صيغة دورانية كاملة لقوانين نيوتن في الفصل الفرعي الخاص بذلك.
العزم كسبب للحركة الدورانية
القوة وحدها لا تكفي لوصف تأثيرها الدوراني. قد تؤثر قوة كبيرة لكنها لا تُحدث دورانًا إذا أثّرت في نقطة معيّنة، بينما قوة أصغر في موضع آخر قد تولّد دورانًا واضحًا. لهذا نستخدم مفهوم "العزم" لقياس قدرة القوة على إحداث دوران حول محور معين.
بصورة نوعية، يعتمد العزم على ثلاثة عناصر أساسية: مقدار القوة، والمسافة عن محور الدوران، والزاوية بين اتجاه القوة وخط الامتداد من المحور إلى نقطة التأثير. سوف يُفصَّل التعريف الرياضي للعزم في الفصل الفرعي "العزم"، لذلك سنكتفي هنا بفهم دوره في معادلات الديناميكا الدورانية وكيف يتجمع ويتوازن.
العزم يلعب بالنسبة للدوران دورًا مشابهًا لما تلعبه القوة بالنسبة للحركة الانتقالية. كما أن محصلة القوى تؤثر في تسارع مركز الكتلة، فإن محصلة العزوم حول محور معين تؤثر في التسارع الزاوي حول هذا المحور.
عزم القصور الذاتي وديناميكا الدوران
في الحركة الانتقالية يظهر مفهوم الكتلة كقياس لممانعة الجسم لتغيّر سرعته الخطية. في الحركة الدورانية يظهر مفهوم مشابه يقيس ممانعة الجسم لتغير حالته الدورانية. هذا المفهوم هو "عزم القصور الذاتي"، والذي سيُدرس بعمق في الفصل الفرعي "طاقة الدوران وعزم القصور الذاتي".
في سياق الديناميكا الدورانية يكفي أن نعرف أن عزم القصور الذاتي يعتمد على كيفية توزيع الكتلة بالنسبة إلى محور الدوران، لا على الكتلة الكلية فقط. جسمان لهما نفس الكتلة قد يكون لهما عزم قصور مختلف إذا وُزِّعت الكتلة في كل منهما بشكل مختلف عن محور الدوران.
من أجل جسم صلب يدور حول محور ثابت، يظهر عزم القصور الذاتي في المعادلة الأساسية للحركة الدورانية التي تربط العزم المحصّل بالتسارع الزاوي.
في أبسط صورة، ولجسم صلب يدور حول محور ثابت، تكون المعادلة الدورانية المكافئة للمعادلة الانتقالية $F = m a$ على النحو الآتي:
$$
\sum \tau = I \alpha
$$
حيث:
$\sum \tau$ محصلة العزوم حول المحور،
$I$ عزم القصور الذاتي حول نفس المحور،
$\alpha$ التسارع الزاوي.
هذه المعادلة هي جوهر الديناميكا الدورانية للأجسام الصلبة حول محور ثابت، وسنستخدمها لتفسير كثير من الظواهر مثل تسارع عجلة، أو تباطؤ قرص يدور تحت تأثير الاحتكاك، أو دوران باب تحت تأثير قوة عند مقبضه.
الربط بين الحركة الانتقالية والحركة الدورانية
تكوين حدس صحيح يتطلّب أن نقارن باستمرار بين الحركة الانتقالية والحركة الدورانية. في الحركة الانتقالية إذا أثرت قوة محصّلة غير صفرية على جسم كتلته $m$ فإنه يُكسب تسارعًا خطيًّا $a$ بحسب:
$$
\sum F = m a
$$
في المقابل، في الحركة الدورانية يتحقّق تناظر واضح:
التناظر بين الحركة الانتقالية والدورانية:
$$
\sum F \leftrightarrow \sum \tau,\quad
m \leftrightarrow I,\quad
a \leftrightarrow \alpha
$$
ومن ثم:
$$
\sum \tau = I \alpha
$$
إضافة إلى ذلك يوجد تناظر في الكميات الحركية والطاقة، وسوف يُستثمر هذا التناظر بصورة أوسع عند دراسة طاقة الدوران والزخم الزاوي في الفصول الفرعية اللاحقة.
هذا الربط يساعد على نقل كثير من أفكار ديناميكا نيوتن الخطية إلى عالم الحركة الدورانية مع استبدال الكميات الخطية بنظيراتها الزاوية.
مثال نوعي على التناظر:
إذا دفعت عربة كتلتها $m$ بقوة ثابتة على سطح أفقي مهمل الاحتكاك، تزداد سرعتها الخطية تدريجيًّا لأن لها تسارعًا ثابتًا.
بصورة مشابهة، إذا أثّرت بعزم ثابت على عجلة لها عزم قصور $I$ حول محورها، تزداد سرعتها الزاوية تدريجيًّا لأن لها تسارعًا زاويًّا ثابتًا.
في الحالتين، وجود "مقاومة" للتغيّر في الحالة الحركية، تُقاس بالكتلة في الحالة الانتقالية وبعزم القصور الذاتي في الحالة الدورانية.
اختيار المحور وتوازن العزوم
في الديناميكا الدورانية يعتبر اختيار محور الدوران مسألة أساسية. فالعزم دائمًا يُحسب بالنسبة إلى محور محدد، ومحصلات العزوم وتوازنها تعتمد على هذا الاختيار. في الأنظمة البسيطة يكون محور الدوران واضحًا مثل محور عجلة ثابتة أو باب يدور حول مفصل، أما في مسائل أكثر تعقيدًا فقد نختار محورًا "افتراضيًا" لسهولة الحساب، وهو ما يتعلّق بموضوع مبرهنة المحور الموازي التي سوف تدرس لاحقًا في "ديناميكا الأجسام الصلبة".
عندما يكون الجسم في حالة توازن دوراني تصبح محصلة العزوم حول أي محور=0. هذه الحالة لا تتطلب بالضرورة أن يكون الجسم ساكنًا خطيًّا، فقد يكون في حركة انتقالية منتظمة ولكن من دون تغيّر في حالته الدورانية.
شرط التوازن الدوراني حول محور معيّن:
$$
\sum \tau = 0
$$
وشرط التوازن الانتقالي:
$$
\sum \vec{F} = \vec{0}
$$
لتحقيق التوازن التام يلزم تحقق الشرطين معًا.
هذه الفكرة أساسية في دراسة العتلات والجسور والرافعات وفي تحليل الأجسام الصلبة في حالة توازن، وهي تمهيد مباشر لما يُعرف بـ "الاستاتيكا" في الميكانيكا التطبيقية.
مثال نوعي على التوازن الدوراني:
لو كان لديك لوح أفقي متزن على دعامة في وسطه، ووضع شخصان كتلتاهما مختلفتان على طرفي اللوح، يمكن تحقيق التوازن الدوراني إذا كان "عزم" وزن كل شخص حول نقطة الارتكاز متساويًا في المقدار ومضادًا في الاتجاه.
رغم أن القوى نفسها قد لا تتساوى، إلا أن توازن العزوم يكفي لمنع دوران اللوح.
الحركة الدورانية تحت تأثير عزوم ثابتة
حالة العزوم الثابتة حول محور ثابت تشبه تمامًا حالة القوى الثابتة في الحركة الخطية. إذا كانت محصلة العزوم حول محور ثابت تساوي قيمة ثابتة $\tau_{\text{ثابت}}$ وعزم القصور الذاتي للجسم $I$ ثابتًا أيضًا، فإن التسارع الزاوي يكون ثابتًا:
لجسم صلب يدور حول محور ثابت تحت تأثير عزم محصّل ثابت:
$$
\alpha = \frac{\tau_{\text{ثابت}}}{I}
$$
وبالربط مع معادلات الكينماتيكا الزاوية يمكن وصف تطوّر الحركة الدورانية بالكامل.
في هذه الحالة يمكن استخدام معادلات تشبه تمامًا معادلات الحركة ذات التسارع المنتظم لكن بصورة زاوية. هذه المعادلات طُرحت في فصل الكينماتيكا الزاوية، وهنا نستخدمها بعد أن عرفنا السبب الديناميكي الذي يقف وراء ثبات التسارع الزاوي.
مثال نوعي على عزم ثابت:
عجلة يُلف حولها حبل يتصل بجسم صغير معلق يسقط تحت تأثير الجاذبية. يهوي الجسم تقريبًا مع تسارع ثابت، فيؤثر وزن الجسم بعزم شبه ثابت على العجلة، وينتج عن ذلك تسارع زاوي ثابت تقريبًا للعجلة. تحليل هذه المسألة يتم باستخدام العلاقة $\sum \tau = I \alpha$ مع معادلات الحركة الانتقالية للجسم المعلق.
العمل الدوراني والربط مع الطاقة
على الرغم من أن موضوع "طاقة الدوران" سيُفصّل في الفصل الفرعي الخاص بها، إلا أن الديناميكا الدورانية لا تكتمل من غير الإشارة إلى أن العزم يمكنه أن يبذل "شغلاً" عندما يدير جسمًا حول محور. كما أن القوة التي تؤثر في مسافة معيّنة تبذل شغلاً خطيًّا، فإن العزم الذي يدير جسمًا بزاوية معيّنة يبذل شغلاً دورانيًّا.
هذا الربط يسمح باستعمال مبدأ حفظ الطاقة عند دراسة الحركة الدورانية، خصوصًا حينما يكون التحليل باستخدام العزوم وحده معقدًا أو عندما توجد قوى محافظة، كما سيتضح في فصل "طاقة الدوران وعزم القصور الذاتي" وفي فصل "الشغل والطاقة".
الاحتكاك والعزوم المقاومة
في الأنظمة الحقيقية نادرًا ما يدور جسم من غير مقاومة. تظهر عزوم مقاومة بسبب الاحتكاك في المحور أو بسبب لزوجة الهواء أو غيره من الوسط المحيط. هذه العزوم تكون غالبًا معاكسة لاتجاه الدوران، وتؤدي إلى تباطؤ تدريجي في السرعة الزاوية.
في العديد من التطبيقات يمكن تقريب عزم الاحتكاك إما كثابت أو ككمية تتناسب مع السرعة الزاوية. في الحالتين يدخل عزم الاحتكاك كحد إضافي في معادلة العزوم:
$$
\sum \tau_{\text{مُحَرِّك}} + \sum \tau_{\text{مقاوم}} = I \alpha
$$
وجود هذه العزوم المقاومة يفسر توقف العجلات بعد زمن معين إذا لم تستمر قوة خارجية في التأثير، ويهيئ المقدمة لفهم الاهتزازات المخمدة والدوران في الأنظمة اللزجة في فصول لاحقة.
الديناميكا الدورانية والأجسام الصلبة المعقدة
حتى الآن ركزنا على جسم صلب يدور حول محور ثابت بسيط. في الواقع يمكن أن تكون حركة الأجسام الصلبة أكثر تعقيدًا، خاصة عندما لا يكون المحور ثابتًا أو عندما يتحرك مركز الكتلة نفسه في مسار ما. في هذه الحالات تزداد تعقيدات توزيع الكتلة، ويظهر دور مبرهنة المحور الموازي وحساب عزم القصور الذاتي حول محاور مختلفة، وهو ما سيتم تناوله تحت عنوان "ديناميكا الأجسام الصلبة".
مع ذلك تظل الفكرة الأساسية للديناميكا الدورانية كما هي: محصلة العزوم تسبب تسارعًا زاويًا، وعزم القصور الذاتي يحدد مدى استجابة الجسم لتلك العزوم. التطويرات اللاحقة سوف تبني على هذه الفكرة لتشمل أنظمة أكثر تعقيدًا مثل حركة التدحرج والجيروسكوبات.
خلاصة علاقة الديناميكا الدورانية بقوانين نيوتن
في نهاية هذا الفصل يمكن تلخيص موقع الديناميكا الدورانية في إطار الميكانيكا الكلاسيكية على النحو الآتي. قوانين نيوتن، التي صيغت أولًا للحركة الانتقالية، يمكن التعبير عنها في صورة دورانية للأجسام الصلبة عندما نعرّف العزم وعزم القصور الذاتي والزخم الزاوي تعريفًا مناسبًا.
العلاقة الأساسية $\sum \tau = I \alpha$ ليست قانونًا مستقلًا عن قوانين نيوتن، بل هي نتيجة لتطبيق القانون الثاني على مجموعة جزيئات تؤلف جسمًا صلبًا، مع أخذ العزوم حول محور معين. في الفصل الفرعي "الصيغة الدورانية لقوانين نيوتن" سيتم إظهار هذا الاتصال بصورة أكثر دقة، وبيان كيف تتحول معادلات الحركة الخطية إلى معادلات للحركة الدورانية مع الحفاظ على البنية نفسها للقوانين الأساسية.
بهذا تكون الديناميكا الدورانية حلقة وصل بين الوصف الكينماتيكي للحركة الدورانية وبين البنية العميقة لقوانين نيوتن، وتؤسس لفهم ثري لحركة كل ما يدور من الأبواب والعجلات حتى الكواكب والنجوم.