Table of Contents
تمهيد إلى نموذج الكتلة–النابض
في هذا الفصل نطبّق المفاهيم العامة للحركة التوافقية البسيطة على واحد من أهم النماذج الفيزيائية، وهو نظام الكتلة–النابض. هذا النموذج البسيط ظاهرًا يمتلك قدرة كبيرة على تمثيل سلوك كثير من الأنظمة الفيزيائية الدقيقة والكبيرة، الميكانيكية والكهربية وغيرها، ولذلك يعد حجر أساس في فهم الاهتزازات والموجات.
سنركّز هنا على الصورة الأساسية: نابض مثالي متصل بكتلة، يتحرك في بعد واحد، مع إهمال الاحتكاك وقوى التخميد، ثم نضيف بعض التعديلات البسيطة كوجود الاحتكاك أو وجود أكثر من نابض.
وصف نظام الكتلة–النابض
نتخيّل نابضًا أفقيًا مثبتًا من أحد طرفيه إلى جدار ثابت، ومربوطًا من الطرف الآخر بكتلة \(m\) قادرة على الانزلاق دون احتكاك على سطح أفقي أملس. عند حالة التوازن يكون النابض غير مشدود أكثر من “استطالة التثبيت” التي اعتدنا عليها، ونعتبر الموضع الذي تقف فيه الكتلة ساكنة هو الموضع \(x = 0\).
إذا سحبنا الكتلة مسافة صغيرة إلى اليمين (مثلاً إلى الموضع \(x = A\)) ثم تركناها حرة، يبدأ النابض في جذبها نحو موضع التوازن، فتتجاوز الموضع الصفري إلى الجهة الأخرى، وهكذا تحدث حركة اهتزازية حول موضع التوازن.
الحرَكة هنا في بعد واحد فقط، أي أن موضع الكتلة يُوصف بإحداثي واحد \(x(t)\) يقيس الإزاحة من موضع التوازن.
قانون هوك والقوة في نظام الكتلة–النابض
النابض المثالي يخضع لـ “قانون هوك” الذي يربط بين القوة التي يؤثر بها النابض وبين استطالته أو انضغاطه. إذا كانت استطالة النابض عن طوله الطبيعي مساوية لـ \(x\)، فإن القوة التي يؤثر بها النابض على الكتلة تعطى بـ:
$$
F_{\text{نابض}} = -k x
$$
حيث \(k\) ثابت النابض، وهو مقياس لصلابته، ووحدته في النظام الدولي هي نيوتن لكل متر \(\text{N/m}\). الإشارة السالبة تعني أن اتجاه قوة النابض معاكس دومًا لاتجاه الإزاحة، فإذا أزحنا الكتلة ناحية اليمين كان النابض يشدها ناحية اليسار، والعكس صحيح.
قانون هوك:
$$
F = -k x
$$
حيث:
\(F\) قوة النابض،
\(k\) ثابت النابض،
\(x\) الإزاحة عن موضع التوازن.
معادلة الحركة لنظام الكتلة–النابض
تخضع الكتلة لقانون نيوتن الثاني في الحركة، إذ تكون محصلة القوى على الكتلة مساوية لكتلتها في تسارعها. في نموذجنا البسيط بدون احتكاك ولا قوى أخرى:
$$
\sum F = m a
$$
القوة الوحيدة في اتجاه الحركة هي قوة النابض:
$$
F = -k x
$$
ونعلم أن التسارع الخطي هو المشتقة الثانية للإزاحة بالنسبة للزمن:
$$
a = \frac{d^2 x}{dt^2}
$$
بوضع ذلك في قانون نيوتن الثاني نحصل على:
$$
m \frac{d^2 x}{dt^2} = -k x
$$
أو:
$$
\frac{d^2 x}{dt^2} + \frac{k}{m} x = 0
$$
هذه هي معادلة الحركة التفاضلية الأساسية لنظام الكتلة–النابض في بعد واحد، وهي معادلة خطية متجانسة من المرتبة الثانية.
معادلة الحركة لنظام الكتلة–النابض المثالي (بدون احتكاك):
$$
\frac{d^2 x}{dt^2} + \omega^2 x = 0
$$
حيث:
$$
\omega^2 = \frac{k}{m}
$$
الحل التوافقي لمعادلة الكتلة–النابض
المعادلة التفاضلية:
$$
\frac{d^2 x}{dt^2} + \omega^2 x = 0
$$
هي نفس المعادلة التي تصف الحركة التوافقية البسيطة. حلها العام معروف على صورة دوال جيبية:
$$
x(t) = A \cos(\omega t + \phi)
$$
حيث:
- \(A\) سعة الاهتزاز، أي أكبر إزاحة عن موضع التوازن.
- \(\omega\) السرعة الزاوية أو التردّد الزاوي.
- \(\phi\) طور أو زاوية ابتدائية تحدد موضع الكتلة عند \(t = 0\).
في نظام الكتلة–النابض تتحدد \(\omega\) بواسطة ثابت النابض والكتلة كما يلي:
$$
\omega = \sqrt{\frac{k}{m}}
$$
وبالتالي فإن التردّد الخطي \(f\) والزمن الدوري \(T\) لهذه الحركة هما:
$$
f = \frac{\omega}{2\pi} = \frac{1}{2\pi}\sqrt{\frac{k}{m}}
$$
$$
T = \frac{1}{f} = 2\pi \sqrt{\frac{m}{k}}
$$
التردّد والزمن الدوري لنظام الكتلة–النابض:
$$
\omega = \sqrt{\frac{k}{m}},
\quad
T = 2\pi \sqrt{\frac{m}{k}},
\quad
f = \frac{1}{2\pi} \sqrt{\frac{k}{m}}
$$
نلاحظ أن الزمن الدوري لا يعتمد على السعة \(A\) في هذا النموذج المثالي، ما دام قانون هوك صالحًا والإزاحات صغيرة نسبيًا. هذا من أهم خصائص الحركة التوافقية البسيطة في نظام الكتلة–النابض.
مثال:
نابض ثابتُه \(k = 100\,\text{N/m}\)، تتعلق به كتلة \(m = 0.25\,\text{kg}\).
نحسب الزمن الدوري:
$$
T = 2\pi \sqrt{\frac{m}{k}} = 2\pi \sqrt{\frac{0.25}{100}}
= 2\pi \sqrt{0.0025} = 2\pi \times 0.05 \approx 0.314\,\text{s}
$$
إذن يكمل النظام اهتزازة كاملة تقريبًا كل \(\,0.31\) ثانية.
السرعة والتسارع في نظام الكتلة–النابض
بمجرد معرفة \(x(t)\) نستطيع إيجاد السرعة والتسارع بالتفاضل بالنسبة للزمن. إذا كان:
$$
x(t) = A \cos(\omega t + \phi)
$$
فإن السرعة:
$$
v(t) = \frac{dx}{dt} = -A \omega \sin(\omega t + \phi)
$$
والتسارع:
$$
a(t) = \frac{d^2 x}{dt^2} = -A \omega^2 \cos(\omega t + \phi)
$$
نلاحظ أن التسارع متناسب مع الإزاحة ولكن في الاتجاه المعاكس:
$$
a(t) = -\omega^2 x(t)
$$
وهذا ما يعكس طبيعة القوة الاسترجاعية للنابض.
العلاقة الأساسية بين التسارع والإزاحة في نظام الكتلة–النابض:
$$
a(t) = -\omega^2 x(t)
$$
حيث \(\omega^2 = \dfrac{k}{m}\).
الطاقة في نظام الكتلة–النابض
في نظام الكتلة–النابض المثالي، تتحول الطاقة بشكل دوري بين الصورة الحركية والصورة الكامنة المرونية في النابض. سنستفيد هنا من المفاهيم العامة للشغل والطاقة، مع التركيز على هذا النظام خاصة.
الطاقة الكامنة المرونية
النابض الذي يخضع لقانون هوك يختزن طاقة كامنة مرونية عندما يُضغط أو يُشد. هذه الطاقة تعطى بالعلاقة:
$$
U(x) = \frac{1}{2} k x^2
$$
حيث \(x\) الإزاحة عن موضع التوازن.
عندما تمر الكتلة بموضع التوازن \(x = 0\) تكون الطاقة الكامنة المرونية صفرًا، وعندما تصل إلى أقصى إزاحة \(\pm A\) تبلغ الطاقة الكامنة أقصى قيمة:
$$
U_{\max} = \frac{1}{2} k A^2
$$
الطاقة الحركية
الطاقة الحركية للكتلة في أي لحظة هي:
$$
K = \frac{1}{2} m v^2
$$
وباستخدام التعبير عن السرعة في نظام الكتلة–النابض:
$$
v(t) = -A \omega \sin(\omega t + \phi)
$$
نحصل على:
$$
K(t) = \frac{1}{2} m A^2 \omega^2 \sin^2(\omega t + \phi)
$$
حفظ الطاقة في النظام المثالي
في غياب الاحتكاك، تكون الطاقة الميكانيكية الكلية للنظام ثابتة مع الزمن:
$$
E = K + U = \text{ثابت}
$$
بتعويض \(x(t)\) و \(v(t)\) نحصل على:
$$
E = \frac{1}{2} m v^2 + \frac{1}{2} k x^2
$$
وباستخدام \(\omega^2 = \dfrac{k}{m}\)، يمكن إثبات أن:
$$
E = \frac{1}{2} k A^2
$$
أي أن الطاقة الكلية لا تعتمد على الزمن، وإنما على ثابت النابض وسعة الاهتزاز فقط.
الطاقة الميكانيكية الكلية في نظام الكتلة–النابض المثالي:
$$
E = \frac{1}{2} k A^2 = \frac{1}{2} m A^2 \omega^2
$$
وتبقى ثابتة مع الزمن (في غياب الاحتكاك).
مثال:
كتلة \(m = 0.5\,\text{kg}\) تتذبذب على نابض ثابتُه \(k = 200\,\text{N/m}\) بسعة \(A = 0.10\,\text{m}\).
الطاقة الكلية:
$$
E = \frac{1}{2} k A^2
= \frac{1}{2} \times 200 \times (0.10)^2
= 100 \times 0.01 = 1\,\text{J}
$$
إذن الطاقة الميكانيكية الكلية للنظام تساوي \(1\) جول طوال الحركة.
تحديد الثوابت من الشروط الابتدائية
الحل العام للحركة:
$$
x(t) = A \cos(\omega t + \phi)
$$
يحتوي على ثابتين \(A\) و \(\phi\)، ويتم تحديدهما من خلال الشروط الابتدائية، غالبًا موضع الكتلة وسرعتها عند اللحظة \(t = 0\).
إذا كانت الإزاحة الابتدائية \(x(0) = x_0\)، والسرعة الابتدائية \(v(0) = v_0\)، فإن:
$$
x(0) = A \cos\phi = x_0
$$
و
$$
v(0) = -A \omega \sin\phi = v_0
$$
من هاتين العلاقتين يمكن إيجاد \(A\) و \(\phi\) إما مباشرة أو عن طريق استخدام المتطابقات المثلثية.
في كثير من المسائل يختار الزمن \(t = 0\) بحيث يبسّط هذه العلاقات، مثل أن تبدأ الحركة من أقصى إزاحة بحيث تكون \(x(0) = A\) و \(v(0) = 0\)، فينتج \(\phi = 0\) بسهولة.
مثال:
نظام كتلة–نابض له \(\omega = 5\,\text{rad/s}\). عند اللحظة \(t = 0\) كانت الإزاحة \(x_0 = 0.10\,\text{m}\)، والسرعة \(v_0 = 0\).
من:
$$
x(0) = A \cos\phi = 0.10
$$
و
$$
v(0) = -A \omega \sin\phi = 0
$$
إما أن يكون \(A = 0\) أو \(\sin\phi = 0\). نستبعد \(A = 0\)، إذ تعني عدم وجود حركة، إذن \(\phi = 0\) أو \(\phi = \pi\). بما أن \(x(0)\) موجبة، نختار \(\phi = 0\)، فيصبح:
$$
A = 0.10\,\text{m}
$$
ويكون الحل:
$$
x(t) = 0.10 \cos(5 t)
$$
نظام الكتلة–النابض الرأسي
حتى الآن اعتبرنا النابض أفقيًا لإهمال تأثير الجاذبية مباشرة في اتجاه الحركة. يمكن أيضًا دراسة نابض رأسي معلّق من سقف، ومربوطة به كتلة. هنا تؤثر قوة الوزن إلى الأسفل وقوة النابض إلى الأعلى.
عند التوازن، يكون النابض مستطيلًا بمقدار \(x_0\) عن طوله الطبيعي، حيث يتعادل الوزن مع قوة النابض:
$$
k x_0 = m g
$$
إذا اعتبرنا موضع التوازن هذا هو \(y = 0\)، ودرسنا الإزاحات الصغيرة حوله، نجد أن معادلة الحركة تأخذ نفس صورة معادلة الكتلة–النابض الأفقي:
$$
\frac{d^2 y}{dt^2} + \frac{k}{m} y = 0
$$
أي أن التردد والزمن الدوري لا يتأثران بالجاذبية في هذا النموذج البسيط، بل تعتمد فقط على \(m\) و \(k\). الفرق الوحيد أن موضع التوازن يكون أعمق بسبب وزن الكتلة.
تأثير الاحتكاك البسيط: لمحة سريعة
في الواقع توجد دائمًا بعض قوى المقاومة أو الاحتكاك، مثل مقاومة الهواء أو الاحتكاك بين الكتلة والسطح. إذا كانت قوة الاحتكاك متناسبة مع السرعة، مثل:
$$
F_{\text{مقاومة}} = -b v
$$
حيث \(b\) ثابت التخميد، تصبح معادلة الحركة:
$$
m \frac{d^2 x}{dt^2} + b \frac{dx}{dt} + k x = 0
$$
هذا النظام يمثل ما يسمى “الاهتزاز المخمّد”، الذي سيُدرس بتفصيل في فصل آخر. ما يهمنا هنا أن وجود الاحتكاك يجعل السعة \(A\) تتناقص مع الزمن تدريجيًا، بينما يقترب النظام من السكون.
أكثر من نابض في خط واحد
يمكن بناء أنظمة أكثر تعقيدًا من الكتلة–النابض بتركيب أكثر من نابض على التوالي أو على التوازي. من المفيد أن نذكر الصيغ المكافئة للنابض الفعّال في الحالتين، لأن نظام الكتلة قد “يرى” أكثر من نابض كما لو كان نابضًا واحدًا.
نابضان على التوالي
إذا ربطنا نابضين ثابتاهما \(k_1\) و \(k_2\) على التوالي بين جدار وكتلة واحدة، فإن ثابت النابض المكافئ \(k_{\text{مكافئ}}\) يكون:
$$
\frac{1}{k_{\text{مكافئ}}} = \frac{1}{k_1} + \frac{1}{k_2}
$$
أي:
$$
k_{\text{مكافئ}} = \frac{k_1 k_2}{k_1 + k_2}
$$
نابضان على التوازي
إذا ربطنا نابضين بجوار بعضهما البعض بين الجدار والكتلة نفسها بحيث يتحمل كل منهما جزءًا من الاستطالة نفسها، فإن ثابت النابض المكافئ هو مجموع الثوابت:
$$
k_{\text{مكافئ}} = k_1 + k_2
$$
بهذا يمكن تبسيط أنظمة متعددة النوابض إلى نظام نابض واحد مكافئ، ثم نطبّق مباشرة نتائج نظام الكتلة–النابض البسيط.
ثابت النابض المكافئ:
- للتوالي:
$$
k_{\text{مكافئ}} = \frac{k_1 k_2}{k_1 + k_2}
$$ - للتوازي:
$$
k_{\text{مكافئ}} = k_1 + k_2
$$
أهمية نموذج الكتلة–النابض
نموذج الكتلة–النابض ليس مثالًا مدرسيًا فقط، بل أداة رياضية وفيزيائية واسعة الاستخدام. يكفي أن نذكر أن كثيرًا من الأنظمة الفيزيائية التي لها موضع توازن مستقر يمكن تقريب سلوكها بالقرب من التوازن بواسطة قانون يشبه قانون هوك، وبالتالي تشبه حركتها حركة كتلة على نابض.
في التطبيقات العملية، نستعمل هذا النموذج لفهم:
- اهتزازات السيارات وأنظمة التعليق.
- الاهتزازات في الهياكل الهندسية كالجسور والمباني.
- النماذج الكهربائية التي تتصرف بشكل رياضي مكافئ لنظام كتلة–نابض، مثل دوائر \(LC\).
وبهذا يصبح نظام الكتلة–النابض نموذجًا مرجعيًا مهمًا لدراسة الحركة التوافقية البسيطة، ومنطلقًا للتعامل مع أنظمة أكثر تعقيدًا في الفصول اللاحقة.