Kahibaro
Discord Login Register

الموجات

تمهيد إلى الموجات

في هذه المرحلة ننتقل من دراسة الاهتزازات في نقطة أو في جسم واحد إلى دراسة ظاهرة انتشار الاهتزاز في المكان. عندما لا يبقى الاهتزاز محصورًا في نظام واحد مثل كتلة ونابض، بل ينتقل من نقطة إلى أخرى، تظهر لنا الموجات. في هذا الفصل نضع الأساس العام لفهم الموجات قبل الدخول في تفاصيل دالة الموجة ومعادلة الموجة وأنواع خاصة مثل الخفقات والموجات الواقفة في الفصول التالية.

الموجة هي عملية نقل اضطراب في وسط أو في مجال، مع انتقال للطاقة والمعلومات، دون انتقال دائم للمادة نفسها من مكان إلى آخر. هذا التعريف العام سيُفصَّل رياضيًا في الفصول التالية، لكن هنا نهتم بالتصور الفيزيائي والخصائص الأساسية المشتركة بين معظم الموجات.

ما هي الموجة ماديًا؟

يمكن تخيل الموجة كاضطراب ينتقل. إذا حرّكت طرف حبل من أعلى إلى أسفل مرة واحدة، ستلاحظ أن "نتوءًا" يتشكل في الحبل ويتحرك على طوله. جزيئات الحبل نفسها تتحرك صعودًا وهبوطًا حول مواضع توازنها، بينما شكل الاضطراب هو الذي يسير على طول الحبل. هذا مثال بسيط على الفكرة الأساسية: الموجة ليست "شيئًا صلبًا" يسير، بل هي نمط من الحركة ينتقل في الوسط.

الشيء نفسه يحدث في الماء. عندما ترمي حجرًا في بركة ساكنة، ترتفع وتنخفض نقاط سطح الماء، وتتكون حلقات دائرية تتسع إلى الخارج. جزيئات الماء تهتز حول مواضعها، بينما الشكل الحلقي هو الذي ينتشر.

في الموجات الصوتية، جزيئات الهواء لا تنتقل من فم المتكلم إلى أذن المستمع، بل تهتز حول مواضع توازنها، ويُدفع الهواء المجاور وينضغط ويتخلخل، فينتشر نمط الضغط هذا على شكل موجة.

إذن ما ينتقل هو نمط، أو اضطراب، أو معلومات، ومعها طاقة. وهذا ما يميّز الموجة عن حركة انتقالية بسيطة لجسم مادي.

الموجات وانتقال الطاقة

الميزة الجوهرية في الموجات هي أنها تنقل الطاقة دون نقل صافي للمادة على مسافات كبيرة. في الحبل المهتز، إذا علّقت قطعة صغيرة من الورق على الحبل في نقطة ما، ستلاحظ أنها تتحرك صعودًا وهبوطًا، لكنها لا تنتقل مع "النتوء" على طول الحبل. رغم ذلك، واضح أن هناك طاقة انتقلت من يدك إلى مكان الورقة، لأن الورقة بدأت تتحرك.

يمكن ملاحظة انتقال الطاقة أيضًا في الأمواج المائية التي تضرب الشاطئ. جزيئات الماء قرب الشاطئ لم تأتِ من منتصف البحر، لكنها تستقبل طاقة تكفي لتحريك الرمال أو تكسير الصخور مع الزمن.

ينعكس انتقال الطاقة هذا في سعة الموجة، فكلما كانت السعة أكبر كانت الطاقة التي تحملها الموجة عادة أكبر. العلاقة الدقيقة بين الطاقة وسعة الموجة ستُفصّل في سياقات لاحقة مع أمثلة نوعية، لكن في هذه المرحلة يكفي ربط "قوة" الموجة بإزاحة الجسيمات داخل الوسط.

الخاصية الفيزيائية الأساسية للموجة
تنقل الموجة الطاقة والمعلومات عبر الوسط، بينما تبقى الجسيمات في المتوسط قريبة من مواضع توازنها ولا ترافق الاضطراب انتقالًا طويل المدى.

الموجات والوسط المادي

ليست كل الموجات متشابهة من حيث علاقتها بالوسط. بعض الموجات تحتاج إلى وسط مادي كي تنتشر، وبعضها الآخر يمكنه الانتشار في الفراغ.

الموجات الميكانيكية مثل الموجات على الحبل، والموجات المائية، والموجات الصوتية، تحتاج جميعها إلى وسط مادي. إذا أزلت الوسط أو جعلته في فراغ كامل، تختفي هذه الموجات لأن "حامل" الاضطراب غير موجود. سبب ذلك أن هذا النوع من الموجات يعتمد على قوى مرنة بين جزيئات الوسط تنقل الاضطراب من نقطة إلى أخرى.

أما الموجات الكهرومغناطيسية، مثل الضوء المرئي والأشعة السينية وموجات الراديو، فيمكنها الانتشار في الفراغ. في هذه الحالة لا نهتم بتذبذب جزيئات مادّية، بل بتذبذب حقول فيزيائية، وهي الحقول الكهربائية والمغناطيسية. هذه الموجات لها خصائص خاصة، لكنها تشترك مع الموجات الأخرى في كثير من المفاهيم العامة مثل الطول الموجي والتردد.

من المهم إذن التمييز بين:
موجات تحتاج لوسط مادي، وموجات لا تحتاج ذلك، رغم أن الوصف الرياضي العام للموجة يتقارب كثيرًا بين الحالتين.

التصنيف العام للموجات

يمكن تصنيف الموجات وفق عدة معايير، وكل معيار يسلط الضوء على جانب معين من سلوكها. هنا نركز على تصنيفين مهمين يرتبطان بطبيعة حركة الوسط وشكل الانتشار.

موجات مستعرضة وطولية

هذا التصنيف يعتمد على اتجاه حركة جزيئات الوسط مقارنة باتجاه انتشار الموجة في الفضاء.

في الموجة المستعرضة يكون اتجاه اهتزاز الجزيئات عموديًا على اتجاه انتشار الموجة. مثال ذلك موجات الحبل إذا حركت الطرف للأعلى والأسفل، فتتحرك جزيئات الحبل رأسيًا بينما ينتشر الاضطراب أفقيًا على طول الحبل. بعض خصائص الضوء يمكن فهمها أيضًا باعتباره موجة مستعرضة في الحقول الكهرومغناطيسية.

في الموجة الطولية يكون اتجاه اهتزاز الجزيئات موازيًا لاتجاه انتشار الموجة. في الهواء مثلًا، في الموجات الصوتية، تنضغط طبقات الهواء وتتخلخل على طول اتجاه الحركة نفسها، فتتحرك الجزيئات للأمام والخلف حول موضع التوازن في نفس خط الانتشار.

مثال توضيحي: نابض مثالي طويل
إذا ثبتّ أحد طرفي نابض حلزوني أفقيًا، وضغطت الطرف الآخر للأمام ثم تركته، تنتشر على طول النابض مناطق ضغط وانكماش ثم ارتخاء. جزيئات النابض تتحرك في الاتجاه الأفقي نفسه، في حين ينتشر الاضطراب أيضًا أفقيًا. هذه موجة طولية.
أما إذا جعلت النابض يمتد أفقيًا ثم هززت أحد أطرافه للأعلى والأسفل، فستنتشر على طوله تموجات يكون فيها اهتزاز النابض عموديًا على امتداده. هذه موجة مستعرضة.

كلا النوعين يمكن أن يحمل الطاقة، إلا أن نوع الوسط وميله للضغط والانضغاط أو للانحناء والقص هو الذي يحدد ما إذا كان يفضل نوعًا معينًا من الموجات.

موجات سطحية

هناك نوع ثالث يُرى كثيرًا في الحياة اليومية، وهو الموجات السطحية، مثل أمواج الماء. في هذه الموجات تتحرك الجزيئات في مسارات أكثر تعقيدًا، غالبًا دائرية أو بيضوية، ولا تكون حركة الوسط لا طولية خالصة ولا مستعرضة خالصة. لذلك توصف أحيانًا بأنها مزيج بين الحالتين.

الموجات المستمرة والنبضات الموجية

من زاوية أخرى يمكن التمييز بين نوعين مهمين من الموجات بحسب انتظامها في الزمن والمكان.

النبضة الموجية هي اضطراب مفرد أو محدود في الزمن والمكان. إذا حركت طرف الحبل مرة واحدة فقط، تتكون "حدبة" واحدة تنتشر ثم تتلاشى. هذه نبضة منفردة، ويمكن دراستها من حيث شكلها وسرعة انتشارها وتشتتها.

أما الموجة الدورية أو المستمرة فهي تكرار منتظم للاهتزاز، بحيث يكون لكل نقطة في الوسط حركة دورية لها فترة وتردد ثابتان. إذا استمريت في تحريك طرف الحبل بحركة توافقية بسيطة، يتشكل نمط موجي متكرر، يمكن وصفه بدقة عبر دالة موجة دورية. في هذه الحالة تصبح مفاهيم مثل التردد والطول الموجي والسرعة الموجية ذات معنى واضح ودقيق.

في الفصول القادمة، عندما نعرّف دالة الموجة ومعادلة الموجة، سيصبح الفرق بين نبضة محدودة زمنيا وموجة مستمرة أكثر وضوحًا، خاصة عند تحليل الموجات في أشكال رياضية مثل الدوال الجيبية.

الكميات الأساسية لوصف الموجة

لكي نصف موجة بشكل كمي نحتاج إلى مجموعة من الكميات الأساسية التي تظهر تقريبًا في كل أنواع الموجات. التفاصيل الرياضية ستُناقش عند الحديث عن دالة الموجة، لكن يمكن تقديم فكرة أولية عن هذه الكميات هنا.

أول كمية هي السعة، وهي أقصى إزاحة للجسيمات عن موضع توازنها نتيجة للموجة. في الموجات على حبل تمثل السعة أعلى ارتفاع للنقطة عن الوضع الأفقي. في الصوت ترتبط السعة بشدة الضغط، وبالتالي بشدة الصوت.

الكمية الثانية هي الطول الموجي، ويرمز له غالبًا بـ $\lambda$. الطول الموجي هو المسافة بين نقطتين متتاليتين في الموجة لهما نفس الطور، مثل المسافة بين قمتين متجاورتين في موجة مستعرضة، أو بين منطقتي ضغط عالٍ متتاليتين في موجة صوتية طولية.

الكمية الثالثة هي التردد، ويرمز له عادة بـ $f$. التردد هو عدد الاهتزازات الكاملة التي تقوم بها نقطة في الوسط في كل ثانية. وحدته في النظام الدولي هي الهرتز، وكل هرتز يعني اهتزازة واحدة في الثانية.

ترتبط بالتردد كمية أخرى هي الفترة الزمنية $T$، وهي الزمن اللازم كي تقوم نقطة في الوسط باهتزازة كاملة واحدة. العلاقة بين التردد والفترة بسيطة.

العلاقة بين التردد والفترة
$$ f = \frac{1}{T} $$
حيث $f$ هو التردد بوحدة هرتز، و $T$ هو الفترة الزمنية بوحدة ثانية.

أخيرًا يوجد مفهوم السرعة الموجية، وهي السرعة التي ينتشر بها شكل الموجة أو الطور في الوسط. هذه السرعة تختلف عن السرعة اللحظية لجزيئات الوسط نفسها. في موجة الحبل مثلًا، النقاط تتحرك صعودًا وهبوطًا، بينما القمم تتحرك أفقيًا على الحبل بسرعة أخرى هي السرعة الموجية.

هناك علاقة أساسية تربط سرعة انتشار الموجة بطولها الموجي وترددها ستكون في صميم دراسة دالة الموجة.

العلاقة بين سرعة الموجة والتردد والطول الموجي
$$ v = \lambda \, f $$
حيث $v$ سرعة انتشار الموجة، و $\lambda$ الطول الموجي، و $f$ التردد.

هذه العلاقة صحيحة لموجات دورية ذات شكل منتظم مثل الموجات الجيبية، وستستخدم باستمرار في الحسابات والتطبيقات.

شكل الموجة والطور

الموجة ليست فقط مجموعة من الأعداد مثل السعة والتردد والسرعة، بل لها "شكل" مميز في المكان والزمان. هذا الشكل يوصف رياضيًا في ما بعد بدالة تعتمد على المكان والزمان. لكن حتى قبل الدخول في التعبير الرياضي العام، من المفيد فهم فكرة الطور.

في الموجة الدورية يكون لكل نقطة حالة آنية تحدد "مرحلة" اهتزازها. نقطتان لهما نفس الطور إذا كانتا في الموضع نفسه من دورة الاهتزاز، كأن تكونا كلتاهما عند القمة، أو كلتاهما في لحظة المرور بموضع التوازن نحو الأعلى. الطور مفهوم مهم يحدد العلاقة النسبية بين حركة نقطتين في الموجة الواحدة، أو بين موجتين مختلفتين.

عندما تثبت لحظة زمنية معينة وتنظر إلى الموجة على طول الحبل، فإنك ترى "شكلًا" يتكرر كل طول موجي. وإذا ثبتت نقطة في المكان وراقبتها مع الزمن، ترى حركة دورية ترتبط بالفترة والتردد. هذا الترابط بين المكان والزمان هو جوهر الوصف الموجي الذي سيُصاغ لاحقًا في دالة الموجة.

مبدأ التراكب في سياق الموجات

في الاهتزازات رأينا أن نظامًا خطيًا يمكن أن يستجيب لمجموع قوى أو اضطرابات بحيث يكون الجواب الكلي هو مجموع الاستجابات الجزئية. في الموجات يظهر هذا المبدأ بشكل واضح جدًا في تداخل الموجات.

في الأنظمة الخطية يمكن لموجتين أن تنتشرا في الوسط نفسه في اللحظة نفسها. في كل نقطة من الوسط يكون الإزاحة الكلية هي مجموع الإزاحتين اللتين تسببهما كل موجة على حدة. هذه هي صيغة مبدأ التراكب في الموجات.

نتيجة هذا المبدأ أن الموجات يمكن أن "تمر عبر بعضها" من غير أن تدمر إحداها الأخرى. بعد عبور الموجتين لمنطقة التداخل، تعود كل منهما تقريبًا إلى شكلها السابق، كأن شيئًا لم يكن. لكن أثناء التداخل نفسه يمكن أن تتغير السعة الكلية مؤقتًا بسبب الجمع الجبري للإزاحات.

عندما يكون الطور في نقطتين متطابقًا تقريبًا، يمكن أن يحدث تعزيز للموجة، فيبدو الاضطراب أكبر. وعندما يكونان متعاكسين، يمكن أن يحدث إلغاء جزئي أو شبه تام. هذه الظواهر الأساسية للتداخل ستقودنا لاحقًا إلى مفاهيم مثل الخفقات والموجات الواقفة.

مثال مبسط على التراكب
إذا أنشأت نبضتين متشابهتين على حبل من طرفيه في الوقت نفسه، بحيث تتحرك كل نبضة نحو الأخرى، فعندما تلتقيان في المنتصف تتشكل لحظةً موجة ذات سعة أكبر بكثير من كل نبضة على حدة. بعد مرور هذه اللحظة يتابع كل نبضة طريقها وكأنها لم "تصطدم" بالنبضة الأخرى. هذا مثال بسيط على مبدأ التراكب في الموجات.

مبدأ التراكب هو أحد الأسباب التي تجعل الموجات مناسبة بشكل مذهل لنقل المعلومات ولتفسير كثير من الظواهر في الفيزياء الكلاسيكية والحديثة.

خصائص عامة للانتشار الموجي

سلوك الموجة أثناء الانتشار يتأثر بعدة عوامل أهمها خواص الوسط نفسه وحدوده. حتى في هذا التقديم العام يمكن ذكر بعض الظواهر الأساسية التي ستتكرر في أنواع متعددة من الموجات.

عندما تنتشر الموجة وتواجه نهاية وسطها، يمكن أن ينعكس جزء من طاقتها عند الحد بين وسطين، وجزء آخر يعبر إلى الوسط الثاني. في الحبل المثبت من طرفه مثلًا، تنعكس الموجة بشكل معين يعتمد على طريقة التثبيت. هذه الظاهرة تجعل من الممكن تكوين أنماط خاصة مثل الموجات الواقفة عندما تلتقي الموجة المنعكسة بالواردة.

كما يمكن أن تنكسر الموجة عندما تعبر من وسط إلى آخر تختلف فيه سرعة انتشارها. في الأمواج المائية يتغير اتجاه انتشارها عندما تنتقل من منطقة عميقة إلى ضحلة. في الصوت ينحني مسار الموجة في طبقات الهواء المختلفة الكثافة. هذه الفكرة نفسها تأخذ صورة أكثر دقة في الموجات الكهرومغناطيسية عندما ندرس انكسار الضوء.

تظهر أيضًا ظاهرة انحراف الموجات عندما تمر عبر فتحات ضيقة أو حول حواف عوائق. هذه الظواهر التفصيلية تنتمي بشكل أعمق إلى دراسة التداخل والحيود، لكنها تبقى مرتبطة بالمفهوم الأساسي للموجة كظاهرة ممتدة في المكان، وليست محصورة في "مسار" رفيع.

أهمية المفهوم الموجي في الفيزياء

فكرة الموجة ليست مقتصرة على الحبل والماء والصوت والضوء فقط. كثير من الظواهر الفيزيائية يمكن وصفها على أنها موجات في مجال أو وسط معين. في المواد الصلبة توجد موجات اهتزازية في شبكة الذرات، وفي الموائع توجد موجات ضغط وحركة، وحتى في ميكانيكا الكم تلعب الدوال الموجية دورًا مركزيًا في وصف الجسيمات على المستوى الذري.

هذا الامتداد الواسع لمفهوم الموجة يجعل تعلم الأساسيات في سياق بسيط مثل موجات الحبل أو الصوت خطوة أساسية لفهم أشكال أكثر تعقيدًا وتقدمًا لاحقًا. كلما أتقنت فكرة وصف الظاهرة بدالة موجة ومعادلة موجة، كان من السهل عليك الانتقال إلى مجالات أعمق في الفيزياء.

في الفصول التالية من هذا الباب سوف نترجم هذه الأفكار العامة إلى لغة رياضية أكثر دقة عبر تعريف دالة الموجة ومعادلة الموجة، ثم نرى كيف تتولد أنماط خاصة من التداخل مثل الخفقات، وكيف تنشأ الموجات الواقفة، وأخيرًا كيف يؤثر اختلاف الأطر المرجعية على الوصف الموجي من خلال ظاهرة مثل تأثير دوبلر.

Views: 6

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!