Table of Contents
مقدمة إلى التصادمات
عندما يتفاعل جسمان في الميكانيكا الكلاسيكية عبر قوى كبيرة خلال زمن قصير، نسمي ذلك تصادما. في هذا الفصل نركّز على وصف التصادمات بشكل عام، من غير الدخول بعد في التصنيف التفصيلي إلى تصادمات مرنة وغير مرنة الذي سيأتي في الفصول اللاحقة، وسنربط ما يحدث للزخم والطاقة خلال هذه العملية.
التصادم ليس بالضرورة أن يكون عنيفا أو مصحوبا بتكسر، فملامسة كرتين في لعبة البلياردو، وارتداد كرة مطاطية عن الأرض، واصطدام سيارة بحائط، كلها أمثلة لتصادمات تختلف فقط في كيفية تبادل الزخم والطاقة وكمية الطاقة الميكانيكية المفقودة أو المحفوظة.
نمذجة التصادم كعملية قصيرة الزمن
في معظم المسائل نعالج التصادم كحدث قصير جدا مقارنة بالأزمنة الأخرى في المسألة. أثناء هذا الزمن القصير تصبح قوة التفاعل بين الجسمين كبيرة جدا مقارنة بالقوى الخارجية الأخرى مثل الوزن أو الاحتكاك مع الهواء.
هذه الفكرة تسمح لنا بتقريب مهم، وهو إهمال تأثير القوى الخارجية خلال زمن التصادم، والنظر إلى الجسمين كأنهما نظام معزول تقريبا. نتيجة ذلك، يصبح مجموع زخم الجسمين قبل التصادم مساويا تقريبا لمجموع زخم الجسمين بعد التصادم.
قانون حفظ الزخم في التصادمات القصيرة
إذا أمكن إهمال القوى الخارجية خلال زمن التصادم، فإن:
$$
\vec p_{\text{قبل}} = \vec p_{\text{بعد}}
$$
أي
$$
\sum \vec p_i^{\text{قبل}} = \sum \vec p_i^{\text{بعد}}
$$
حيث $ \vec p = m \vec v $ هو الزخم الخطي لكل جسم.
التصادم كنقل للزخم عبر قوى داخلية
أثناء التصادم تؤثر الأجسام المتصادمة في بعضها بقوى كبيرة نسميها قوى التصادم أو قوى التماس. هذه القوى قوى داخلية بالنسبة للنظام المكوَّن من الأجسام المتصادمة. طبقا لمبرهنة الدفع والزخم، يمكن كتابة:
$$
\vec J = \int_{t_1}^{t_2} \vec F_{\text{تصادم}} \, dt = \Delta \vec p
$$
حيث $ \vec J $ هو الدفع و $ \Delta \vec p $ التغير في زخم كل جسم. كل جسم يستقبل دفعا يغير زخمه. القوى الداخلية متساوية في المقدار ومتعاكسة في الاتجاه وفقا لقانون نيوتن الثالث، فيكون الدفع الذي يكتسبه أحد الجسمين هو نفسه في المقدار ومعاكس في الاتجاه للدفع الذي يكتسبه الجسم الآخر.
لذلك على مستوى النظام ككل، مجموع التغيرات في الزخم يساوي صفرا، أي أن زخم النظام محفوظ، بينما طاقة الحركة قد تنقص أو تبقى كما هي، تبعا لنوع التصادم.
الخط العام لتحليل التصادمات
تحليل أي تصادم، سواء كان خطيا في بعد واحد أو في بعدين أو ثلاثة أبعاد، يتبع عادة خطوات منهجية محددة، تعتمد في جوهرها على حفظ الزخم، وقد تعتمد أحيانا على معلومات إضافية عن حفظ الطاقة أو عن مقدار الطاقة المفقودة:
أولا نحدّد الأجسام المشتركة في التصادم ونعتبرها نظاما واحدا. في المسائل مرة يكون النظام جسما واحدا يرتطم بجدار ثقيل، ومرة يكون كرتين، أو سيارة وشاحنة، أو رصاصة وكتلة معلّقة. المهم أن تكون القوى الداخلية بين هذه الأجسام هي قوى التصادم، وأن تكون القوى الخارجية أقل تأثيرا خلال زمن التصادم.
ثانيا نختار إطارا مرجعيا ملائما، عادة إطارا عطاليا، ونختار محاور الإحداثيات. في التصادمات الخطية في بعد واحد يكفي محور واحد، وفي التصادمات في مستو يلزم تحليل الحركة على مركبتين.
ثالثا نكتب معادلات حفظ الزخم. في بعد واحد:
$$
\sum m_i v_{i,\text{قبل}} = \sum m_i v_{i,\text{بعد}}
$$
وفي بعدين نكتب معادلتين مستقلتين، واحدة لكل مركبة من مركبتي المتجه:
$$
\sum m_i v_{i,x}^{\text{قبل}} = \sum m_i v_{i,x}^{\text{بعد}}, \quad
\sum m_i v_{i,y}^{\text{قبل}} = \sum m_i v_{i,y}^{\text{بعد}}
$$
رابعا نستخدم معلومات إضافية عن نوع التصادم. في بعض المسائل يعطى معامل يسمى معامل الارتداد، أو يعطى التصادم صراحة على أنه مرن أو غير مرن، وهذه المعلومات تحدد الشكل الرياضي للعلاقة بين السرعات قبل وبعد التصادم، ومن ثم تسمح بحل المجهولات.
التصادمات في بعد واحد
في البعد الواحد تكون حركة الأجسام المتصادمة على خط مستقيم واحد. هذه هي أبسط حالة من الناحية الرياضية، وهي أساس فهم الحالات الأكثر تعقيدا.
في هذه الحالة جميع السرعات يمكن اعتبارها قيمًا جبريّة على خط مستقيم، مع اختيار اتجاه موجب واتجاه سالب. تكون معادلة حفظ الزخم ببساطة:
$$
m_1 v_{1,\text{قبل}} + m_2 v_{2,\text{قبل}} = m_1 v_{1,\text{بعد}} + m_2 v_{2,\text{بعد}}
$$
ويمكن أن يحدث أن يلتصق الجسمان بعد التصادم فيتحركان معا بسرعة واحدة، أو أن ينفصلا بسرعتين مختلفتين، أو أن ينعكس اتجاه حركة أحدهما. التفاصيل الدقيقة لذلك تُبحث في تصادمات مرنة وغير مرنة، لكن ما يهم هنا أن معادلة حفظ الزخم تظل صالحة ما دام النظام معزولا أثناء التصادم.
مثال تمهيدي
كرة كتلتها $ 0.2 \,\text{kg} $ تتحرك بسرعة $ 5 \,\text{m/s} $ وتصطدم بعربة صغيرة كتلتها $ 0.8 \,\text{kg} $ ساكنة على مسار مستقيم. بعد التصادم يلاحظ أن الكرة والعربة تتحركان معا بسرعة واحدة.
بما أن التصادم في بعد واحد وأنهما صارا جسما واحدا بعد التصادم، فإن:
$$
m_{\text{الكل}} v_{\text{بعد}} = m_1 v_{1,\text{قبل}} + m_2 v_{2,\text{قبل}}
$$
حيث $ m_{\text{الكل}} = 0.2 + 0.8 = 1.0 \,\text{kg} $ و $ v_{2,\text{قبل}} = 0 $.
إذن:
$$
1.0 \, v_{\text{بعد}} = 0.2 \times 5
\Rightarrow v_{\text{بعد}} = 1 \,\text{m/s}
$$
نلاحظ أن الزخم الكلي قبل التصادم $ 1 \,\text{kg·m/s} $ هو نفسه بعد التصادم.
التصادمات في بعدين وأبعاد أعلى
عندما تكون مسارات الأجسام في مستو، مثل تصادم كرتين في لعبة البلياردو، لا يمكن الاكتفاء بعدد واحد يمثل الزخم بل يجب النظر إلى الزخم كمتجه. في هذه الحالة يكون حفظ الزخم معنى متجها.
يقوم التحليل على تفكيك السرعات والزخم إلى مركبات على المحاور المختارة. في المستوي الديكارتي نأخذ عادة المحور $ x $ والأفقى، والمحور $ y $ والرأسي في المستوي. ثم نكتب قانون حفظ الزخم على كل مركبة على حدة:
$$
\sum p_x^{\text{قبل}} = \sum p_x^{\text{بعد}}, \quad
\sum p_y^{\text{قبل}} = \sum p_y^{\text{بعد}}
$$
هذه المجموعة من المعادلات تسمح بحساب السرعات المجهولة بعد التصادم. في كثير من المسائل يختار المحور $ x $ باتجاه سرعة أحد الأجسام قبل التصادم لتبسيط الحسابات، ويستفاد من الزوايا المعطاة بين السرعات لوضع علاقات مثل $ v_x = v \cos\theta $ و $ v_y = v \sin\theta $.
التصادمات في ثلاثة أبعاد تحلل بالطريقة نفسها تقريبا مع إضافة معادلة ثالثة لمركبة $ z $.
الطاقة الميكانيكية في التصادمات
بينما الزخم محفوظ في التصادمات المعزولة، لا يمكن قول الشيء نفسه دائما عن الطاقة الحركية. يمكن للتصادمات أن تحافظ على طاقة الحركة الكلية أو تقللها، لكن لا يمكن أن تزيدها من تلقاء نفسها من غير مصدر طاقة خارجي.
التصادمات التي تحفظ طاقة الحركة الكلية تسمى تصادمات مرنة، بينما التصادمات التي تنقص فيها طاقة الحركة تسمى تصادمات غير مرنة. يوجد نوع خاص من التصادمات غير المرنة تلتصق فيه الأجسام معا بعد التصادم وتتحرك كجسم واحد.
التفريق الدقيق بين هذه الأنواع، وحساب كميات الطاقة المفقودة أو المحفوظة، وطريقة إدخال هذه المعلومات في معادلات التصادم، كلها تفاصيل ستتناولها الفصول اللاحقة عن التصادمات المرنة وغير المرنة، لكن المهم هنا أن ندرك أن:
الزخم، بصفته متجه، محفوظ في التصادمات المعزولة.
طاقة الحركة، بصفتها كمية عددية، قد تحفظ أو لا تحفظ، حسب طبيعة التصادم والظروف الميكانيكية والفيزيائية للمواد المتصادمة.
الإطار المرجعي ودور الراصد
قانون حفظ الزخم في التصادمات المعزولة قانون عام لا يعتمد على اختيار إطار مرجعي عطالي معين. فإذا حسب راصد الزخم الكلي قبل وبعد التصادم في قطار متحرك، وحسبه راصد آخر ثابت على الأرض، سيجدان أن الزخم الكلي محفوظ في كلا الإطارين، رغم اختلاف القيم العددية للزخم في كل إطار نتيجة اختلاف السرعات المقاسة.
هذا الاستقلال عن الإطار العطالي يجعل من التصادمات أداة عملية لدراسة قوانين الحفظ، ولتأكيد أن الزخم كمية فيزيائية ذات معنى عميق في الميكانيكا الكلاسيكية.
توصيف تجريبي للتصادمات
في التجارب المعملية يستفاد من مقاطع تصويرية بطيئة، أو من حساسات ضوئية ومواضع محددة على مسارات خالية من الاحتكاك، لقياس سرعات الأجسام قبل التصادم وبعده، ثم التحقق عدديا من حفظ الزخم، وكذلك من مقدار التغير في طاقة الحركة.
في تجارب على كرات فولاذية صلبة، تظهر النتائج أن طاقة الحركة تقريبا محفوظة، فيقترب السلوك من سلوك التصادمات المرنة. بينما في تجارب على كرات مطاطية أو صلصال أو أجسام تتحطم، يلاحظ نقص كبير في طاقة الحركة وتحويلها إلى حرارة وتشوهات دائمة، فيقترب السلوك من التصادمات غير المرنة.
هذا التنوع في السلوك التجريبي هو الذي يدفع إلى تقسيم التصادمات في الدراسة النظرية إلى أنواع، وإلى إدخال معامل الارتداد والعلاقات التي تميز التصادمات المرنة وغير المرنة، وهو ما سوف يعالج بالتفصيل في الفصول التالية.