Kahibaro
Discord Login Register

الزخم والتصادمات

تمهيد

في هذا الفصل نبدأ بدراسة واحد من أهم المفاهيم في الميكانيكا الكلاسيكية, وهو الزخم الخطي وعلاقته بالحركة وبالتصادمات. الزخم يلعب دورًا يشبه دور الطاقة من حيث قوانين الحفظ, لكنه يرتبط بشكل مباشر أكثر بحالة حركة الجسم واتجاهها. من خلال هذا الفصل سنبني الأساس الذي سنحتاجه لفهم مبرهنة الدفع الزخم, معادلة الصاروخ, وأنواع التصادمات في الفصول الفرعية اللاحقة.

سنركّز هنا على الفكرة الفيزيائية العامة للزخم, معنى حفظ الزخم, ولماذا يصبح هذا الحفظ أداة قوية في تحليل الظواهر التي يصعب التعامل معها بقوانين نيوتن مباشرة في كل لحظة من لحظات الحركة.

مفهوم الزخم الخطي

الزخم الخطي لجسم مادي يتحرك بسرعة معينة يعبر عن "كمية الحركة" التي يمتلكها هذا الجسم. يعتمد الزخم على كتلة الجسم وعلى سرعته, لذلك فهو كمية متجهة, أي له مقدار واتجاه.

يُعرَّف الزخم الخطي لجسم كتلته $m$ ويتحرك بسرعة متجهة $\vec{v}$ بالعلاقة

$$
\vec{p} = m \vec{v}
$$

في الحركة في بعد واحد يمكن الاكتفاء بالاتجاه الموجب أو السالب على محور واحد, وعندها يمكن كتابة الزخم بدون سهم باعتباره كمية جبريّة, مع الانتباه لإشارة المقدار.

من هذا التعريف نلاحظ أمورًا مهمة:

أولًا, إذا تضاعفت كتلة الجسم مع ثبات سرعته, تضاعف زخمه. وثانيًا, إذا تضاعفت السرعة مع ثبات الكتلة, تضاعف الزخم أيضًا. وثالثًا, إذا تغيّر اتجاه السرعة, تغيّر اتجاه الزخم, حتى لو بقي مقدار السرعة ثابتًا. لهذا السبب يكون للزخم أهمية خاصة في الحركات المنحنية والدائرية.

الزخم ككمية متجهة

بما أن الزخم متجه, يمكن تحليله على المحاور الإحداثية تمامًا كما نفعل مع السرعة والقوة. فإذا كانت سرعة الجسم في بعدين

$$
\vec{v} = v_x \hat{i} + v_y \hat{j}
$$

فإن الزخم يكون

$$
\vec{p} = m \vec{v} = m v_x \hat{i} + m v_y \hat{j}
$$

أي أن مركبات الزخم هي

$$
p_x = m v_x, \quad p_y = m v_y
$$

هذه الفكرة تصبح مهمة عند دراسة التصادمات في بعدين أو ثلاثة أبعاد, حيث نحتاج إلى تطبيق قانون حفظ الزخم على كل محور إحداثي على حدة.

مثال توضيحي بسيط
كرة كتلتها $0.5 \ \text{kg}$ تتحرك في الاتجاه $x$ بسرعة $4 \ \text{m/s}$. ما مقدار زخمها؟
نستخدم العلاقة $p = m v$:
$$
p = 0.5 \times 4 = 2 \ \text{kg·m/s}
$$
الزخم هنا مقداره $2 \ \text{kg·m/s}$ في الاتجاه الموجب لمحور $x$.

نظام من جسيمات والزخم الكلي

في كثير من التطبيقات الفيزيائية لا نهتم فقط بجسم واحد, بل بمجموعة من الأجسام التي قد تتفاعل معًا, ككرات تتصادم على طاولة, أو شظايا تنتشر بعد انفجار, أو عربات تصطدم على سكّة.

إذا كان لدينا نظام مكون من عدة جسيمات, لكل جسيم منها زخم خاص به $\vec{p}_i$, فإن الزخم الكلي للنظام هو مجموع زخوم جميع الجسيمات

$$
\vec{P}_{\text{tot}} = \sum_{i} \vec{p}_i
$$

هذا الجمع متجهي, أي أن كل مركبة من مركبات الزخم تجمع على حدة. إذا كتبت الزخوم في بعد واحد فقط, يصبح المجموع جبريًا.

تكتسب هذه الفكرة أهميتها عند دراسة التصادمات, حيث لا نهتم بالتفاصيل الدقيقة لتفاعل الأجسام أثناء التصادم, وإنما نهتم بحالة الحركة قبل التصادم وبعده. في مثل هذه الحالات يكون التعامل مع الزخم الكلي أسهل بكثير من تتبع كل قوة لحظية وفقًا لقوانين نيوتن.

الزخم وقوى التأثير المتبادل

عندما تتفاعل الأجسام فيما بينها عبر قوى داخلية, كما في التصادمات, تظهر أهمية خاصة لقانون نيوتن الثالث الذي ينص على أن القوى المتبادلة بين جسمين تكون متساوية في المقدار ومتعاكسة في الاتجاه.

إذا أثّر جسم 1 بقوة $\vec{F}_{12}$ على جسم 2, فإن جسم 2 يؤثر بقوة

$$
\vec{F}_{21} = - \vec{F}_{12}
$$

على جسم 1. بما أن القوة هي معدل تغيّر الزخم مع الزمن, فإن هذه القوى المتساوية والمتعاكسة تؤدي إلى تغيّرات في زخمي الجسمين تكون متساوية في المقدار ومتعاكسة في الاتجاه, فيكون التغير الكلي في الزخم للنظام المكوّن من الجسمين مساويًا للصفر. هذه الفكرة هي الأساس الفيزيائي لقانون حفظ الزخم.

هنا نبدأ في رؤية العلاقة العميقة بين قوانين نيوتن للحركة وبين مبدأ حفظ الزخم, لكن التعبير الدقيق عن هذه العلاقة واستخدامها في صيغة مبرهنة الدفع الزخم سيُترك للفصل الفرعي المخصص للدفع.

حفظ الزخم في الأنظمة المعزولة

الخاصية الأساسية التي تجعل الزخم أداة قوية هي مبدأ الحفظ. نقول إن كمية فيزيائية محفوظة إذا بقيت قيمتها الكلية ثابتة مع الزمن في نظام معزول. بالنسبة للزخم الخطي يكون مبدأ الحفظ كالآتي:

في نظام معزول لا تؤثر عليه قوى خارجية محصِّلة, يبقى الزخم الخطي الكلي ثابتًا مع الزمن.

أي أن الزخم الكلي قبل أي تفاعل, كالتصادم أو الانفجار, يساوي الزخم الكلي بعده.

$$
\vec{P}_{\text{قبل}} = \vec{P}_{\text{بعد}}
$$

شرط العزلة هنا يعني أن محصلة القوى الخارجية المؤثرة في النظام تساوي صفرًا. القـوى الداخلية, أي القوى المتبادلة بين عناصر النظام, لا تغيّر الزخم الكلي, لكنها تغيّر زخوم الأجسام المفردة داخل النظام.

في التطبيقات العملية أحيانًا تكون هناك قوى خارجية, لكن يمكن إهمال تأثيرها إذا كانت صغيرة جدًّا أو إذا أثرت خلال زمن قصير جدًّا مقارنة بزمن الظاهرة التي ندرسها. في مثل هذه الحالات نتعامل مع النظام على أنه "معزول تقريبًا", فتكون العلاقة السابقة تقريبية لكنها مفيدة جدًا في الحسابات.

مثال نوعي
سيارتان تنزلقان على طريق جليدي أملس تقريبًا. الاحتكاك بين الإطارات والجليد صغير جدًا, لذلك يمكن اعتبار محصلة القوى الخارجية في اتجاه الحركة صغيرة. عندما تتصادم السيارتان, تكون القوى بينهما كبيرة داخلية بالنسبة للنظام المكون من السيارتين.
لهذا نستطيع تقريبًا القول إن الزخم الكلي للسيارتين قبل التصادم يساوي الزخم الكلي بعد التصادم, رغم التغيرات الكبيرة التي تحدث لسرعتي السيارتين كل على حدة.

الزخم في بعد واحد وبعدين

في كثير من التمارين التمهيدية نبدأ بدراسة التصادمات في بعد واحد فقط, حيث تتحرك الأجسام على خط مستقيم. في هذه الحالة يصبح قانون حفظ الزخم علاقة جبريّة بسيطة.

إذا كان لدينا جسمان يتحركان على محور واحد, وكانت كتلتهما $m_1, m_2$ وسرعتهما قبل التصادم $v_{1, \text{قبل}}, v_{2, \text{قبل}}$ وبعد التصادم $v_{1, \text{بعد}}, v_{2, \text{بعد}}$, فإن حفظ الزخم في بعد واحد يمكن كتابته على الشكل

$$
m_1 v_{1, \text{قبل}} + m_2 v_{2, \text{قبل}}
=
m_1 v_{1, \text{بعد}} + m_2 v_{2, \text{بعد}}
$$

مع مراعاة الإشارات الموجبة والسالبة حسب اختيار محور الإحداثيات.

في بعدين أو ثلاثة أبعاد لا يكفي النظر إلى مقدار السرعة فقط, لأن الاتجاه مهم. لذلك نطبّق حفظ الزخم على كل محور على حدة. في بعدين مثلًا نكتب

$$
P_{x,\text{قبل}} = P_{x,\text{بعد}}, \quad
P_{y,\text{قبل}} = P_{y,\text{بعد}}
$$

حيث

$$
P_{x} = \sum_i m_i v_{ix}, \quad
P_{y} = \sum_i m_i v_{iy}
$$

هذا التفصيل يصبح جوهريًا في فهم التصادمات المائلة وفي تحليلات مثل اصطدام كرة بزاوية بحائط أو تفرُّق جسيمات بعد تصادم في بعدين.

دور الزخم في دراسة التصادمات

التصادمات هي مواقف تتغير فيها سرعات الأجسام خلال زمن قصير نتيجة قوى كبيرة جدًا متبادلة بينها. التعامل المباشر مع قوانين نيوتن في هذه الحالات صعب, لأن القوة تتغير مع الزمن بشكل معقد خلال لحظة التصادم.

الزخم يوفر طريقًا مختصرًا. فعوضًا عن معرفة تفاصيل القوة والزمن, يكفي تطبيق قانون حفظ الزخم على الحالة قبل التصادم وبعده. بذلك نستطيع إيجاد السرعات النهائية للأجسام بعد التصادم دون تتبع تفاصيل التفاعل.

في التصادمات لا يكون الزخم هو الكمية الوحيدة المهمة. الطاقة الميكانيكية قد تُحفظ أو لا تُحفظ, وذلك يميز بين التصادمات المرنة وغير المرنة, وهي مواضيع مخصصة للفصول الفرعية اللاحقة. لكن الزخم الخطي الكلي, في نظام معزول, يظل محفوظًا في جميع أنواع التصادمات مهما كانت طبيعة القوى الداخلية.

إذن هذا الفصل يمهّد لفهم:

كيف نستخدم حفظ الزخم لحل مسائل اصطدام في بعد واحد وبعدين.

كيف نربط بين الزخم والطاقة الحركية لتصنيف التصادمات إلى مرنة وغير مرنة.

كيف نُدخل تأثير القوى الكبيرة خلال زمن قصير عبر مفهوم الدفع وعلاقته بتغير الزخم.

الزخم والحركة اليومية

رغم أن الزخم يبدو مفهومًا مجرّدًا في البداية, إلا أنه يفسر الكثير من الظواهر المألوفة. عندما تتحرك شاحنة ثقيلة ببطء يكون لها زخم كبير بسبب كتلتها الكبيرة, فيصعب إيقافها فجأة. بينما دراجة هوائية بنفس السرعة تقريبًا تمتلك زخمًا أقل بكثير, لذا يمكن إيقافها بسهولة.

كما يفسر الزخم سلوك المقذوفات ذات الكتلة الصغيرة عند اصطدامها بأجسام ضخمة. كرة صغيرة تصطدم بحائط ثابت تقريبًا, يمكن اعتبار الحائط جزءًا من الأرض ذات الكتلة الهائلة, فيبقى زخم الأرض عمليًا ثابتًا, بينما يتغير زخم الكرة بشكل كبير. هذا نوع من تطبيق قانون حفظ الزخم بين جسم خفيف جدًا ونظام ضخم يمكن اعتباره ثابتًا تقريبًا.

في الأمثلة الأكثر تعقيدًا مثل إطلاق الصواريخ, رجوع البندقية إلى الخلف عند إطلاق الرصاصة, أو انفجار جسم إلى عدة شظايا, نجد أن فكرة الزخم وحفظه هي الأداة الأساسية لتحليل الحركة, وسيتم تناول بعضها بتفصيل أكبر في الفصول اللاحقة كمعادلة الصاروخ.

خلاصة

في هذا الفصل قدّمنا المفهوم العام للزخم الخطي ككمية متجهة مرتبطة بالكتلة والسرعة, وعرّفنا الزخم الكلي لنظام من الجسيمات على أنه مجموع زخومها. رأينا أن قوانين نيوتن, وخصوصًا القانون الثالث, تقود بشكل طبيعي إلى مبدأ حفظ الزخم في الأنظمة المعزولة, وأن هذا المبدأ يمثّل أداة قوية لتحليل التصادمات والتفاعلات القصيرة الأمد.

في الفصول الفرعية التالية سوف نربط بين الزخم والقوة عبر مفهوم الدفع, ثم نستخدم حفظ الزخم في تحليل التصادمات بأنواعها, إضافة إلى تطبيقات خاصة مثل معادلة الصاروخ, مع التركيز على طريقة استخدام هذه المبادئ في حل المسائل.

Views: 6

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!