Kahibaro
Discord Login Register

الاهتزازات المخمدة

تمهيد إلى الاهتزازات المخمدة

عند دراسة الحركة التوافقية البسيطة نكون قد افترضنا أن الجسم يهتز دون أن يفقد طاقة مع الزمن. في الواقع، كل نظام يهتز في الطبيعة يخسر جزءًا من طاقته نتيجة الاحتكاك أو مقاومة الوسط المحيط، فيتناقص سعة الاهتزاز تدريجيًا، وهذا ما نسمّيه الاهتزازات المخمدة.

المطلوب في هذا الفصل هو فهم الفكرة العامة للتخميد، شكله الرياضي الأساسي، وتأثيره في سلوك الحركة، تمهيدًا للتفاصيل الرياضية لقوى التخميد وأنواعها في الفصول التالية.

مصادر التخميد ومعناه الفيزيائي

التخميد هو أي عملية تؤدي إلى تحويل الطاقة الميكانيكية للاهتزاز إلى شكل آخر من الطاقة مثل الحرارة أو الطاقة الصوتية. من أبرز مصادر التخميد في الأنظمة اليومية

الاحتكاك الجاف بين سطحين متلامسين، مثل اهتزاز نابض على سطح خشن.
مقاومة الهواء أو السوائل، كما في اهتزاز بندول في الهواء أو لوح يهتز في الماء.
التشوهات الداخلية في المواد، حيث تتحول طاقة الاهتزاز إلى حرارة داخل المادة نفسها.

في كل هذه الحالات تنخفض الطاقة الكلية المخزونة في النظام المهتز مع الزمن، وبالتالي تنقص سعة الاهتزاز تدريجيًا. يبقى النوع الأساسي للحركة نفسه حركة حول وضع توازن، لكن شكل الدالة الزمنية يتغير عن الحالة غير المخمدة، وتبدأ المتغيرات الفيزيائية مثل الإزاحة والسرعة في الحصول على عامل تناقص مع الزمن.

النموذج الرياضي البسيط للاهتزاز المخمد

لكي ندرس التخميد بصورة مبسطة، نستخدم نموذجًا قياسيًا هو نظام كتلة متصلة بنابض ومثبتة إلى نقطة ثابتة، وتؤثر عليها قوة تخميد تتناسب مع السرعة. هذا النوع من التخميد يسمى التخميد اللزج، وهو النموذج الأشهر في الميكانيكا والفيزياء التطبيقية.

نفترض أن القوة المسببة للاهتزاز هي النابض، والقوة المعارضة للحركة هي قوة التخميد. عند إسقاط كل القوى على خط الحركة، واستخدام قانون نيوتن الثاني، نحصل على معادلة تفاضلية تصف موضع الكتلة $x(t)$ كدالة في الزمن.

المعادلة التفاضلية القياسية للاهتزاز المخمد (تخميد لزج) هي
$$
m \ddot{x} + b \dot{x} + k x = 0
$$
حيث
$m$ كتلة الجسم.
$b$ معامل التخميد، ويعبّر عن شدة قوة التخميد.
$k$ ثابت النابض.
$x(t)$ إزاحة الجسم عن موضع التوازن.
$\dot{x}$ مشتقة أولى بالنسبة للزمن، أي السرعة.
$\ddot{x}$ مشتقة ثانية بالنسبة للزمن، أي التسارع.

المصطلح $k x$ يمثّل قوة النابض، والمصطلح $b \dot{x}$ يمثل قوة التخميد التي تعاكس الحركة. الإشارة الموجبة أمام هذين الحدين في المعادلة تأتي من نقل القوى إلى طرف واحد، بينما فيزيائيًا يكون كلاهما معاكسا للإزاحة أو للسرعة حسب الحالة.

إذا حذفنا حد التخميد أي وضعنا $b = 0$، نعود مباشرة إلى معادلة الحركة التوافقية البسيطة، وهذا يوضح أن الاهتزاز المخمد هو تعميم مباشر لاهتزاز نابض بسيط مع إضافة تأثير فقدان الطاقة.

الترددات المميزة في النظام المخمد

في النظام غير المخمد عرفنا التردد الزاوي الطبيعي

$$
\omega_0 = \sqrt{\frac{k}{m}}
$$

في وجود التخميد من النوع اللزج، يظهر مقدار جديد مهم نسميه معامل التخميد

$$
\gamma = \frac{b}{2m}
$$

هذا الثابت يحدد مدى سرعة تناقص الاهتزاز. بدمج هذه الكميات يمكن إعادة كتابة المعادلة التفاضلية في صورة

$$
\ddot{x} + 2\gamma \dot{x} + \omega_0^2 x = 0
$$

هذه الصورة أكثر وضوحًا من الناحية الفيزيائية لأن كل حد فيها يضم ثابتًا له معنى واضح، $\omega_0$ يصف "ميل" النظام للاهتزاز، و$\gamma$ يصف "قوة" التخميد.

السلوك العام للحل وتناقص السعة

الحل العام لمعادلة الاهتزاز المخمد يعتمد على العلاقة بين $\gamma$ و $\omega_0$. في حالة يكون فيها التخميد غير شديد وهي الحالة الأكثر شيوعًا في التطبيقات، تظل الحركة اهتزازية لكنها تتناقص مع الزمن. تسمى هذه الحالة التخميد الناقص، وسيتم تناولها بالتفصيل في فصل لاحق.

في هذه الحالة يأخذ الحل صورة اهتزاز جيبي مضروب بعامل يتناقص أسيًا مع الزمن. أي أن الإزاحة يمكن كتابتها بصورة تقريبية على الشكل

$$
x(t) = A_0 e^{-\gamma t} \cos(\omega t + \phi)
$$

حيث

$A_0$ السعة الابتدائية عند بداية الحركة.
$\gamma$ معامل التخميد.
$\omega$ تردد اهتزاز أصغر قليلًا من $\omega_0$ بسبب التخميد.
$\phi$ طور ابتدائي يحدد موضع الجسم عند $t = 0$.

العامل $e^{-\gamma t}$ هو الذي يمثل التخميد بشكل مباشر. فكلما زاد الزمن تقل قيمة هذا العامل من 1 إلى قيم أصغر فأصغر حتى تقترب من الصفر، فيتلاشى الاهتزاز عمليًا. أما الجزء $\cos(\omega t + \phi)$ فيمثل الاهتزاز الترددي نفسه حول موضع التوازن.

مثال توضيحي لفظي
تخيل نابضًا مربوطًا بالحوائط وكتلة معلقة به، موضوعة في كأس ماء. عند شد الكتلة وتركها، يهتز النظام ولكن حركة الماء تحت الكتلة تشكل مقاومة لزجة. في البداية تكون سعة الاهتزاز كبيرة، وبعد عدة ذبذبات تلاحظ أن الكتلة لا تزال تهتز لكنها لا تصل إلى نفس الإزاحة السابقة. بعد زمن أطول تكاد الحركة تختفي وتبقى الكتلة مستقرة تقريبًا عند موضع التوازن.
هذا الوضع يمثله العامل $e^{-\gamma t}$ الذي يقلل السعة تدريجيًا مع الزمن.

الطاقة في النظام المخمد

في الحركة التوافقية البسيطة بدون تخميد، تتبادل الطاقة بين طاقة حركية وطاقة وضع مرونية لكنها تبقى ثابتة في مجموعها. في الاهتزاز المخمد لا يبقى مجموع الطاقة ثابتًا، بل يتناقص باستمرار مع الزمن بسبب تحويل جزء من الطاقة إلى حرارة أو إلى أشكال أخرى غير قابلة للاسترجاع في الحركة.

يمكن التعبير عن الطاقة الكلية التقريبية للنظام في الحالة المخمدة عبر السعة التي يتناقص مربعها مع الزمن. في حالة التخميد اللزج من النوع الناقص، يكون تناقص الطاقة عادة أسيًا أيضًا، لأن الطاقة تقريبًا تتناسب مع مربع سعة الاهتزاز. فمن الناحية الرياضية يترتب على السعة

$$
A(t) = A_0 e^{-\gamma t}
$$

أن الطاقة الكلية تتناقص تقريبًا وفق

$$
E(t) \propto A(t)^2 \propto e^{-2\gamma t}
$$

هذه العلاقة تعبر عن أن فقدان الطاقة مع الزمن يتسارع بشكل يتناسب مع مقدار الطاقة المتبقية، وهي خاصية مميزة للتخاميد من النمط اللزج.

زمن التخميد ومقاييس أخرى

لوصف سرعة اخماد الاهتزاز، نستخدم كميات زمنية مميزة تساعدنا في المقارنة بين أنظمة مختلفة، دون الدخول في تفاصيل ديناميكا كل نظام.

أحد أهم هذه المقاييس هو زمن مميز يمكن تسميته زمن التخميد. يمكن النظر إلى $1/\gamma$ كمقياس تقريبي للزمن الذي تتناقص فيه السعة إلى جزء صغير من قيمتها الابتدائية. فكلما كان $\gamma$ كبيرًا، كان التخميد قويًا، وتزول الاهتزازات خلال زمن قصير، أما إذا كان $\gamma$ صغيرًا، فتستمر الاهتزازات عددًا كبيرًا من الدورات قبل أن تتلاشى.

كذلك يمكن التعبير عن درجة التخميد أحيانًا عبر نسبة بين الطاقة في دورتين متتاليتين أو عبر معاملات نوعية أخرى تتعلق بسرعة فقدان الطاقة. هذه المقاييس تصبح مهمة في التصميم الهندسي لأجهزة مثل عدادات القياس الميكانيكية أو أنظمة التعليق في السيارات.

ملاحظات فيزيائية وتطبيقات عامة

وجود التخميد ليس دائمًا سلبيا، بل غالبًا ما يكون مطلوبًا للغاية في الأنظمة الفيزيائية والهندسية. في بعض التطبيقات نرغب في اهتزازات تستمر طويلًا مع أقل فقدان للطاقة، كما في الأجراس أو بعض الأجهزة الدقيقة. في تطبيقات أخرى نريد أن تختفي الاهتزازات بسرعة حتى لا تسبب ضررًا أو إزعاجًا، مثل اهتزازات هيكل السيارة أو الجسور أو المباني خلال الزلازل.

في تصميم أي نظام مهتز يتم التحكم بمعامل التخميد عن طريق اختيار المواد والأشكال والوسائط المناسبة، مثل إضافة ممتصات صدمات، أو وضع النظام في زيت أو هواء أو فراغ، أو إدخال أجزاء مطاطية تعمل على امتصاص الطاقة.

هذا يوضح أن دراسة الاهتزازات المخمدة ليست مجرد تمرين رياضي، بل هي أداة مركزية لفهم وضبط سلوك الأنظمة الواقعية التي تتأثر دائمًا بالخسائر والاحتكاكات.

خلاصة

الاهتزازات المخمدة هي امتداد طبيعي لفكرة الحركة التوافقية البسيطة عندما نأخذ بعين الاعتبار فقدان الطاقة بسبب قوى مقاومة مختلفة. من خلال إدخال قوة تخميد متناسبة مع السرعة نحصل على معادلة تفاضلية من المرتبة الثانية تحتوي على حد إضافي يمثل التخميد، وتظهر فيها كميات فيزيائية جديدة مثل معامل التخميد والترددات المعدلة.

في الفصول التالية سيتم تخصيص دراسة مستقلة لقوى التخميد نفسها، مع التمييز بين الأنواع المختلفة للتخميد، مثل التخميد الناقص والتخميد الزائد والتخميد الحرج، وبيان أشكال الحلول في كل حالة على حدة وتأثير ذلك على استجابة الأنظمة المهتزة.

Views: 5

Comments

Please login to add a comment.

Don't have an account? Register now!