Table of Contents
مدخل إلى الكميات في الفيزياء
في الفيزياء نتعامل طوال الوقت مع كميات نصف بها العالم المادي، مثل الطول والكتلة والزمن والقوة والسرعة. لكن ليست كل هذه الكميات من النوع نفسه. بعضها يكفي لوصفه عدد فقط، وبعضها يحتاج إلى عدد واتجاه معًا. هذا التقسيم البسيط يقودنا إلى مفهومين أساسيين في كل الميكانيكا الكلاسيكية، الكميات القياسية والكميات المتجهة.
هذا الفصل يهدف إلى تمييز هذين النوعين، وفهم كيف نكتب كلًا منهما رياضيًا، وكيف نتعامل معهما في المسائل الفيزيائية. التفاصيل الخاصة بالإحداثيات وجبر المتجهات والضرب القياسي والاتجاهي ستأتي في الفصول اللاحقة، لذلك سنكتفي هنا بالتصور العام وطريقة الاستعمال في الفيزياء.
الكميات القياسية, ما معناها في الفيزياء؟
الكمية القياسية هي كمية تُحدد تحديدًا كاملًا بواسطة عدد واحد ووحدة قياس مناسبة، ولا يرتبط معناها الفيزيائي بأي اتجاه في الفضاء. عندما نقول إن كتلة جسم ما تساوي $2\,\text{kg}$، فهذا الوصف لا يحتاج لسؤال "في أي اتجاه؟"، فالمقدار وحده يكفي.
من الأمثلة الشائعة للكميات القياسية في الميكانيكا, الكتلة, درجة الحرارة, الزمن, المسافة المقطوعة, الشغل, الطاقة (بأنواعها), الشحنة الكهربائية. في كل هذه الأمثلة، تغيير الاتجاه لا يغيّر معنى الكمية، فلا يوجد "زمن نحو الشرق" و"زمن نحو الغرب".
رياضيًا، يمكن تمثيل الكمية القياسية برمز مثل $m$ للكتلة أو $t$ للزمن، ويسمّى العدد الذي يعبّر عنها "قيمة عددية" أو "مقدار". فإذا قلنا إن الزمن $t = 5\,\text{s}$ فهذا يعني أن مدة العملية خمس ثوان، بغض النظر عن أي اتجاه.
قاعدة مهمة
إذا كان تغيير اتجاه المحاور أو دوران نظام الإحداثيات لا يغيّر من وصف الكمية، فهي على الأرجح كمية قياسية وليست متجهة.
الكميات المتجهة, الحاجة إلى الاتجاه
في المقابل، توجد كميات فيزيائية لا يكفي لوصفها عدد واحد، لأن معناها يعتمد على الاتجاه في الفضاء. هذه الكميات تسمى كميات متجهة، أو ببساطة متجهات.
لتوضيح الفكرة، تخيل شخصين يسيران مسافة $3\,\text{m}$، الأول نحو الشرق، والثاني نحو الغرب. المسافة المقطوعة في الحالتين هي نفسها، فهي كمية قياسية. لكن إذا أردنا وصف "الإزاحة" من نقطة البداية إلى نقطة النهاية، فالنتيجة مختلفة تمامًا، لأن اتجاه الحركة مختلف. هنا تظهر الحاجة إلى متجه.
من الأمثلة الأساسية للكميات المتجهة في الميكانيكا, الإزاحة, السرعة المتجهة, التسارع, القوة, الزخم الخطي, المجال الكهربائي والمغناطيسي. في كل هذه الحالات، لا يكفي أن نقول "قوته 10 نيوتن"، بل يجب تحديد "في أي اتجاه تؤثر هذه القوة".
التمثيل الرياضي للمتجهات
هناك طريقتان أساسيتان للتفكير في المتجه، طريقة هندسية, وطريقة رمزية.
هندسيًا، يُمثَّل المتجه بسهم في الفضاء. طول السهم يمثّل مقدار المتجه، واتجاهه يمثّل الاتجاه الفيزيائي للكمية. إذا مثّلنا قوة تؤثر في جسم بسهم طوله يناسب $5\,\text{N}$ مثلًا، فإن تدوير السهم يغيّر اتجاه القوة حتى لو بقي طوله كما هو.
رمزيًا، نكتب المتجه عادة بشكل يميّزه عن الكمية القياسية. يمكن استعمال سهم صغير فوق الحرف مثل $\vec{v}$ للسرعة المتجهة، أو خط عريض في الطباعة مثل $\mathbf{F}$ للقوة. في هذا المقرر سنستخدم غالبًا رمز السهم مثل $\vec{A}$، ونحتفظ بالرمز نفسه بدون سهم للكمية القياسية المرتبطة به إن وجدت.
مثال، إذا كانت $\vec{r}$ تمثل متجه الموضع، فيمكن أن نرمز لمقدار هذا المتجه بالرمز $r$ فقط، حيث
$$
r = |\vec{r}|
$$
وهذا $r$ كمية قياسية تمثل طول المتجه أو "المسافة من نقطة الأصل".
مثال توضيحي
تخيل أن لديك متجه سرعة $\vec{v}$ لجسم يتحرك في خط مستقيم. إذا كانت قيمة $|\vec{v}| = 20\,\text{m/s}$، فهذا يعني أن مقدار السرعة 20 مترًا في الثانية. لكن وصف $\vec{v}$ نفسه يتضمن أيضًا الاتجاه، مثل "نحو الشرق" أو "أعلى المنحدر".
إذًا $|\vec{v}|$ كمية قياسية، بينما $\vec{v}$ كمية متجهة.
المقدار والاتجاه, مكوِّنا المتجه
كل متجه يمكن فهمه من خلال جزئين أساسيين، مقدار، واتجاه.
المقدار هو "كمية" المتجه، ويُعبّر عنه بعدد موجب ووحدة. فإذا كان لدينا متجه قوة $\vec{F}$، فإن مقداره يكتب كـ $|\vec{F}|$ ويقاس بوحدة النيوتن. الاتجاه يحدد أين "يتجه" هذا المتجه في الفضاء، مثل "بزاوية $30^\circ$ فوق المحور الأفقي"، أو "نحو الشمال"، أو "موازيًا لمحور $x$ الموجب".
في الفصول القادمة، عندما نتعرّف إلى أنظمة الإحداثيات، سنكتب المتجه من خلال مركباته على المحاور مثل
$$
\vec{A} = (A_x, A_y, A_z)
$$
وهذه الصورة تعطي الطريقة الحسابية للتعامل مع المقدار والاتجاه. لكن في هذا الفصل يكفي أن نعي أن المتجه يحتوي في جوهره على هذين الجانبين معًا، ولا يكتمل وصفه بدون أحدهما.
قاعدة مهمة
إذا كانت كمية فيزيائية يمكن اختزالها إلى "كم" فقط، فهي قياسية.
إذا كان لا بد من وصف "كم" و"إلى أين"، فهي متجهة.
الفرق الفيزيائي بين الكميات القياسية والمتجهة
من الناحية الرياضية هناك اختلاف كبير في كيفية جمع أو طرح هذه الكميات، وهذا سيُفصَّل لاحقًا في "جبر المتجهات". لكن من المفيد فهم الفكرة الفيزيائية العامة هنا.
عندما تجمع كميات قياسية، يكفي أن تجمع الأعداد. إذا مشيت $2\,\text{m}$ ثم $3\,\text{m}$ في الاتجاه نفسه، فالمسافة الكلية المقطوعة هي $5\,\text{m}$، ولا توجد مفاجآت.
في المقابل، عندما تجمع متجهات، فالاتجاه يلعب دورًا حاسمًا. إذا أثرت على جسم قوتان مقدار كل منهما $10\,\text{N}$، لكن في اتجاهين متعاكسين تمامًا، فالنتيجة ليست $20\,\text{N}$، بل يمكن أن تلغي القوتان بعضهما وتكون المحصلة صفرًا. هذا وحده يكفي ليوضح أن المتجهات تحتاج لقواعد خاصة في الجمع والطرح تختلف عن الأعداد العادية.
كذلك، بعض القوانين الفيزيائية يحفظ كميات قياسية مثل الطاقة، وبعضها يحفظ كميات متجهة مثل الزخم الخطي أو الزخم الزاوي. هذا يعني أن "الاتجاه" نفسه يمكن أن يكون جزءًا من قانون حفظ في الفيزياء.
ملاحظة حول الرموز والكتابة
في مسائل الميكانيكا سوف تصادف رموزًا كثيرة، وبعضها يمثل كميات قياسية وبعضها متجهات. من المفيد أن تعتاد على التمييز من خلال السياق والرموز.
مثلًا، في كثير من الكتب يستخدم
$$
\vec{r} \text{ للموضع المتجه}, \quad \vec{v} \text{ للسرعة المتجهة}, \quad \vec{a} \text{ للتسارع}, \quad \vec{F} \text{ للقوة}
$$
بينما تستخدم الرموز القياسية مثل
$$
m \text{ للكتلة}, \quad t \text{ للزمن}, \quad s \text{ للمسافة أو الإزاحة القياسية في بعض السياقات}, \quad E \text{ للطاقة}
$$
مع الوقت، ستجد أن هذا التمييز يصبح بديهيًا، وسوف تعرف من مجرد قراءة المعادلة هل تتعامل مع متجهات أم مع كميات قياسية.
مثال من الميكانيكا
في وصف حركة جسم في خط مستقيم، يمكن أن نكتب معادلة الحركة على شكل
$$
\vec{v} = \vec{v}_0 + \vec{a}\,t
$$
حيث $\vec{v}$ و$\vec{v}_0$ و$\vec{a}$ كميات متجهة، بينما $t$ كمية قياسية.
هذا يعني أن التغير في السرعة يعتمد على اتجاه التسارع، وليس على مقداره فقط، بينما الزمن نفسه لا يتضمن اتجاهًا.
لماذا نحتاج إلى المتجهات في الميكانيكا؟
السبب الرئيسي أن العالم الذي ندرسه ثلاثي الأبعاد، والقوانين التي تحكمه تعتمد عادة على الاتجاه. الجاذبية الأرضية مثلًا لها مقدار محدد بالقرب من سطح الأرض تقريبًا $9.8\,\text{m/s}^2$، لكنها في الوقت نفسه دائمًا نحو مركز الأرض. إذا تجاهلنا هذا الاتجاه، فإننا نفقد جزءًا أساسيًا من الوصف الفيزيائي.
بالمثل، القوة التي يطبقها حبل على جسم، أو قوة الاحتكاك على جسم ينزلق على سطح، أو القوة العمودية من سطح على جسم، كلها كميات متجهة، لأن تأثيرها الفعلي على الحركة يعتمد على اتجاهها بالنسبة لمسار الحركة.
من دون لغة المتجهات، يصبح التعبير عن هذه الظواهر معقدًا ومبهمًا. المتجهات توحّد الطريقة التي نصف بها هذه الكميات، وتسمح بكتابة قوانين مختصرة وواضحة مثل قانون نيوتن الثاني في الصورة المتجهية
$$
\vec{F}_{\text{محصلة}} = m \vec{a}
$$
وهذه المعادلة تعني في الوقت نفسه ثلاث معادلات مستقلة في الأبعاد الثلاثة، لكنها تكتب في صيغة واحدة أنيقة بواسطة المتجهات.
الخلاصة
في هذا الفصل تعرّفنا إلى نوعين أساسيين من الكميات في الفيزياء، الكميات القياسية التي تُوصف بعدد ووحدة فقط، ولا تعتمد على اتجاه في الفضاء، والكميات المتجهة التي تحتاج إلى مقدار واتجاه معًا لوصفها بشكل كامل.
فهم هذا التمييز ضروري قبل الدخول في تفاصيل أنظمة الإحداثيات وجبر المتجهات، لأن معظم موضوعات الميكانيكا الكلاسيكية تعتمد على التعامل الصحيح مع المتجهات، سواء في وصف الحركة أو في وصف القوى والقوانين التي تحكمها.