Table of Contents
تمهيد إلى علم الحركة
علم الحركة أو الكينماتيكا هو الفرع من الميكانيكا الكلاسيكية الذي يصف كيفية حركة الأجسام من غير أن يسأل عن سبب هذه الحركة. أي أنه يهتم بتحديد موضع الجسم مع الزمن، وكيف تتغير سرعته وتسارعه، في خط مستقيم أو في مسار منحني، من غير الدخول في تحليل القوى المؤثرة عليه، فهذا موضوع ديناميكا نيوتن في فصل مستقل.
في هذا الفصل سنبني اللغة الأساسية لوصف الحركة، مثل الموضع والإزاحة والسرعة والتسارع والمعادلة العامة للحركة، ونقدّم مبدأ التراكب والحركة النسبية بشكل تمهيدي. التفاصيل الرياضية الدقيقة لبعض هذه المفاهيم، مثل التفاضل والتكامل، ستُتناول في فصل الأدوات الرياضية.
وصف الحركة: الفكرة العامة
عند دراسة حركة جسم، نحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية. أولا، نختار إطارا مرجعيا، مثلا سطح الأرض أو عربة متحركة. ثانيا، نعرّف إحداثيات لوصف موضع الجسم في هذا الإطار، مثل الإحداثي $x$ على خط مستقيم أو الإحداثيات $(x, y)$ في مستوى. ثالثا، نصف كيف يتغير هذا الموضع مع الزمن، أي نكتب دالة مثل $x(t)$ أو $(x(t), y(t))$.
بهذه الفكرة البسيطة يمكن أن نصف معظم أنواع الحركة التي ستظهر في بقية فصول الميكانيكا، سواء كانت سقوط جسم، أو حركة سيارة، أو مدار كوكب، أو اهتزاز نابض.
تذكّر أن الكينماتيكا تهتم فقط بالـ "كيف" في الحركة، بينما الإجابة عن "لماذا" تُرجأ إلى الديناميكا عندما ندخل قوى مثل الوزن والشد والاحتكاك.
الحركة في بعد واحد وبعدين
هناك فرق مهم بين الحركات البسيطة في خط مستقيم والحركات العامة في الفضاء.
في الحركة في بعد واحد، نستخدم كمية قياسية واحدة لوصف الموضع، مثل $x(t)$ على محور مستقيم. يمكن أن يكون الخط أفقيا أو رأسيا أو في أي اتجاه، فالرياضيات لا تهتم بشكل الرسم بل بالعلاقة بين الموضع والزمن.
في الحركة في بعدين أو ثلاثة، نستخدم متجه الموضع، مثلا في بعدين
$$
\vec{r}(t) = x(t)\,\hat{i} + y(t)\,\hat{j}
$$
حيث $\hat{i}$ و$\hat{j}$ متجهان وحيدان على المحورين $x$ و$y$. فهم الفارق بين الكمية القياسية والمتجه مهم، لكنه سيُشرح بتفصيل في فصل الأدوات الرياضية، وهنا يكفينا أن نعرف أنّ المتجه يملك مقدارًا واتجاهًا في آن واحد.
في الكينماتيكا ننتقل كثيرا من دراسة الحركة في بعد واحد إلى بعدين أو ثلاثة، لكن المفاهيم الأساسية مثل الموضع والسرعة والتسارع تظل هي نفسها، مع فرق أنها تصبح متجهات في الفضاء.
الحركة كدالة في الزمن
الفكرة المركزية في علم الحركة أن كل كمية تصف الحركة تُعد دالة في الزمن. الموضع دالة في الزمن $x(t)$ أو $\vec{r}(t)$، والسرعة دالة في الزمن، وكذلك التسارع.
بهذا المنظور يصبح وصف الحركة مسألة رياضية، فكأننا نبحث عن دوال تحقق شروطا معينة. على سبيل المثال، إذا عرفنا أن جسما يتحرك بسرعة ثابتة $v$ في خط مستقيم، فالحركة يمكن أن تُكتب على صورة
$$
x(t) = x_0 + vt
$$
حيث $x_0$ موضع الجسم عند الزمن $t = 0$. هذه الصيغة البسيطة مثال على "معادلة حركة"، أي علاقة تربط بين الموضع والزمن.
في الحالات المعقدة، قد تكون السرعة أو التسارع غير ثابتين، فتأخذ المعادلات أشكالا أكثر تعقيدا، لكن الفكرة العامة تبقى نفسها، وهي إيجاد علاقة تربط الكميات الحركية بالزمن.
مثال تمهيدي
جسم يتحرك في خط مستقيم بحيث يزداد بعده عن نقطة ثابتة بانتظام، مثلا 2 متر كل ثانية. إذا كان عند اللحظة $t = 0$ يبعد 3 متر عن النقطة، فإن موضعه بعد زمن $t$ يكتب
$$
x(t) = 3 + 2t
$$
هذا مثال مباشر على وصف الحركة باستخدام دالة خطية في الزمن.
المنحنيات الحركية والتمثيل البياني
من أهم أدوات الكينماتيكا التمثيل البياني للعلاقة بين الكميات الحركية والزمن. بدل أن نكتب معادلة، يمكننا رسم منحنى $x$ بدلالة $t$ أو $v$ بدلالة $t$.
من خلال الرسم البياني يمكننا أن نفهم سلوك الحركة نوعيا، من غير الدخول في كل التفاصيل الحسابية. مثلا، إذا كان منحنى الموضع مع الزمن خطا مستقيما ذي ميل ثابت، فهذا يعني أن السرعة ثابتة. وإذا كان الخط منحنيا، فهذا يدل على أن السرعة تتغير مع الزمن.
سيتضح في فصول لاحقة أن الميل في منحنى الموضع والزمن يرتبط بالسرعة، وأن المساحة تحت منحنى السرعة والزمن ترتبط بالإزاحة. هذه الأفكار تعتمد على التفاضل والتكامل، لذلك ستُستكمل رياضيا في فصل التفاضل والتكامل، لكن استخدامها في وصف الحركة يبدأ هنا.
الكميات المتجهة في الكينماتيكا
مع أن الفصل الحالي لا يهدف إلى تعليم جبر المتجهات من الصفر، إلا أن فكرة أساسية يجب أن تظهر مبكرا، وهي أن كثيرا من الكميات الحركية متجهة بطبيعتها، مثل الموضع والإزاحة والسرعة المتجهة والتسارع.
مثلا، إذا تحرك جسم في مستوى، فإن موضعه لحظة ما يعطى بمتجه
$$
\vec{r} = x\,\hat{i} + y\,\hat{j}
$$
أي أن وصف الحركة لا يكفي فيه أن نقول إن الجسم يبعد 5 أمتار عن نقطة ما، بل يجب أيضا أن نحدد في أي اتجاه يكون هذا البعد.
التمييز بين السرعة ككمية قياسية ومقدار السرعة المتجهة سيوضح في فصل "السرعة والسرعة المتجهة"، لكن في الكينماتيكا عموما نعتمد على المتجهات عندما نتعامل مع الحركة في أكثر من بعد واحد.
قاعدة مهمة
إذا كانت الحركة في أكثر من بعد واحد، فلا يكفي التعامل مع الأعداد وحدها لوصف الكميات الحركية الرئيسية، بل يجب استخدام المتجهات، لأنها تحمل معلومات عن المقدار والاتجاه في الوقت نفسه.
الحركة المنتظمة والحركة المتغيّرة
في الكينماتيكا نفرق بين نوعين عامين من الحركة. الحركة المنتظمة حيث تبقى السرعة ثابتة في المقدار والاتجاه، والحركة المتغيرة حيث تتغير السرعة أو الاتجاه أو كلاهما.
الحركة في خط مستقيم بسرعة ثابتة مثال على حركة بسيطة يمكن وصفها بمعادلات خطية في الزمن. أما الحركة بتسارع ثابت مثل السقوط الحر، فتؤدي إلى معادلات من الدرجة الثانية في الزمن، تأخذ عادة الشكل
$$
x(t) = x_0 + v_0 t + \frac{1}{2} a t^2
$$
هذه الصيغة مثال مبكر على "المعادلة العامة للحركة" في حالة التسارع الثابت في بعد واحد، وستُدرَس بتفصيل في فقرة خاصة لاحقا.
في الحركة في بعدين أو ثلاثة، حتى إذا كان مقدار السرعة ثابتا، قد يعدّ الجسم متسارعا لأن اتجاه السرعة نفسه يتغير، كما يحدث في الحركة الدائرية المنتظمة. هذه الفكرة ستظهر مجددا في فصول الحركة الدورانية والقوة المركزية، لكن جذورها كينماتيكية خالصة.
مبدأ التراكب في الكينماتيكا
مبدأ التراكب يظهر في صورتين في علم الحركة. الأولى في تركيب الحركات، والثانية في تركيب المتجهات.
في تركيب الحركات، يمكن النظر إلى حركة جسم في بعدين مثلا على أنها ناتجة عن حركتين مستقلتين في اتجاهين متعامدين. في حركة المقذوفات مثلا، توصف الحركة الأفقية بمعادلة سرعة ثابتة، بينما توصف الحركة الرأسية بمعادلة حركة بتسارع ثابت. حركة الجسم الكلية هي "تراكب" هاتين الحركتين المستقلتين.
في تركيب المتجهات، يمكن فصل متجه الحركة مثل السرعة أو الإزاحة إلى مركبتين أو أكثر على محاور مختلفة، ثم التعامل مع كل مركبة على حدة. في النهاية نعكس العملية لنجمع المركبات ونحصل على المتجه الكلي.
هذا التفكير القائم على تفكيك الحركة ثم إعادة تركيبها هو من أنجح الأفكار في الميكانيكا الكلاسيكية، ويُستخدم بكثرة في دراسة المقذوفات والحركة على مستوى مائل والحركة النسبية.
مثال نوعي على التراكب
إذا رميت كرة أفقيا من أعلى جدار، فحركتها الأفقية تكون بسرعة ثابتة تقريبا لأنها لا تتأثر بقوة أفقية كبيرة، بينما حركتها الرأسية تشبه السقوط الحر بتسارع ثابت نحو الأسفل. المسار المنحني الذي نراه للكرة هو نتيجة "تراكب" هاتين الحركتين المستقلتين في الاتجاهين الأفقي والرأسي.
الحركة النسبية وتمهيد لإطارات مرجعية مختلفة
من الأفكار الجوهرية في الكينماتيكا أن وصف الحركة يعتمد على الإطار المرجعي الذي نختاره. الجسم قد يبدو ساكنا في إطار، ومتحركا في إطار آخر.
مثلا، شخص جالس على مقعد في قطار متحرك يعد ساكنا بالنسبة إلى القطار، أي أن موضعه لا يتغير داخل العربة، لكنه متحرك بالنسبة إلى الأرض خارج القطار. هذا يعني أن الموضع والسرعة والتسارع التي ننسبها إلى الجسم مرتبطة دائما بإطار مرجعي محدد.
في الكينماتيكا الكلاسيكية للمبتدئين، نفترض عادة أن الأطر المرجعية التي نستخدمها "عطالية"، أي لا تتسارع ولا تدور، مثل سطح الأرض تقريبا في كثير من المسائل البسيطة. عندما نريد دراسة الحركة كما تظهر في أطر متسارعة أو دوارة، كما في دوران الأرض بدقة، نحتاج إلى مفاهيم متقدمة ستناقش في فصل "الأطر المرجعية غير العطالية".
مع ذلك، في هذا الفصل سنمهد لفكرة أن السرعات في أطر مختلفة يمكن جمعها أو طرحها بطريقة خطية، وهو ما يعرف بالحركة النسبية في الميكانيكا الكلاسيكية، وسيتوسع شرحه في فقرة "الحركة النسبية" لاحقا.
الكينماتيكا كنقطة انطلاق لبقية الميكانيكا
كل ما سيأتي في بقية فصول الميكانيكا يعتمد بطريقة ما على لغة الكينماتيكا. قوانين نيوتن مثلا تربط بين التسارع والقوة والزخم، لكن التسارع نفسه كمية كينماتيكية صرفة. الشغل والطاقة والزخم الزاوي وحركة المدارات كلها لا يمكن صياغتها من غير وصف دقيق للحركة.
لهذا يعد فهم علم الحركة خطوة أساسية لا غنى عنها، حتى لو بدا في البداية وكأنه مجرد "وصف" جامد. في الواقع، الدقة في وصف الحركة هي ما يسمح لاحقا بربط هذا الوصف بالقوانين الديناميكية، ثم بتعميمه إلى أنظمة معقدة مثل الأجسام الصلبة والموجات والنسبية.
في الفقرات التالية من هذا الفصل، سندخل بالتفصيل في الموضع والمسافة والإزاحة، ثم ننتقل إلى السرعة والتسارع، ونبني المعادلة العامة للحركة، ونختم بالحركة النسبية، مع الحرص على الفصل بين ما هو كينماتيكي بحت وما سيؤجل إلى ديناميكا نيوتن.